نيران صديقة

الأربعاء 2014/01/15

قال صديقي: في موزمبيق الآسيوية.. قاطعته قبل أن يكمل: وهل موزمبيق في آسيا أو أنها تضم موزمبيقاً من نوع ما. قال: يبدو أنك غير ملم بالجغرافيا. المهم يا صديقي أنها تواجه تنظيماً اخترقها من القاع إلى ما قبل القمة بقليل. قلت كيف ذاك؟ وأين مسؤولوها؟ قال: يا صديقي إنهم قوم يعرفون هدفهم جيداً، ويعملون للوصول إليه بإخلاص كبير، ويستخدمون في ذلك شعارات تروق كثيراً لطبيعة الشعب الموزمبيقي وتراثه وتاريخه. ولا بأس أحياناً ببعض الشعارات الإنسانية العصرية التي ينقلونها إلى لغات عالمية لترسم لهم صورة جميلة في عيون العالم. وسائلهم مختلفة ومتنوعة كالمنابر والمناشط والتقنية الحديثة بما توفره من وسائل اتصال، باختصار، أي وسيلة وأي وقت، فالخطوة الأولى هي حشد الأتباع والمؤيدين في الداخل والخارج، ولا يهمهم أن يكون لأتباعهم ميول معينة بقدر ما يهمهم أن يكون العدد كبيراً قدر الإمكان وأن يكونوا متفقين حول مبادئ وقيم مشتركة. من المؤكد أن المسؤولين الموزمبيقيين يتذكرون موجة «المفاكسات» الإنكارية فيما يستحق وما لا يستحق، وكيف نجحوا في إيهامهم أنهم يشكلون نسبة كبيرة من المجتمع. ولاشك أيضاً أنهم يتذكرون كذلك كيف انتقلت «المفاكسات» الإنكارية إلى تجمعات في مناشط معينة ثم منع مناشط أخرى. ولعلهم يتذكرون كيف تطور الأمر إلى تشكيل مجموعات للقاء الرئيس. وبالتأكيد لمس القوم ماذا يريد الرفاق تحديداً وما هي الصورة التي يريدون تحويل موزمبيق إليها.

قلت: هذه أمور يمكن التعامل معها أو تجاهلها. قال: ذلك صحيح لو كان هدفهم كما هو في الظاهر. هذه ليست إلا وسيلة لتشويه الصورة لدى المواطن والعمل على إثارة غضبه، والسيطرة على هذا الغضب بالتزامن زيادة الإحباط من عدم الاستجابة لمطالبهم.

قلت: كيف ذلك؟ قال: بالتركيز على مطالب عامة تحظى بجماهيرية واسعة ولا يمكن تحديدها بتعريف معين كالحرية مثلاً، التي هي للمحافظ غير تلك التي لغير المحافظ، والتي تختلف في معناها عند السياسي عن رجل الاقتصاد. لذا يتفق الجميع على مبدأ عام له شعبيته فيتغاضى الجمع عن الرسالة ونقيضها في نفس الوقت لاهتمامهم بالمعنى العام للمفهوم حسب الزاوية التي ينظرون منها إليه. أو أن ينادي القادة منهم بما يظهر للعامة ولأتباعهم ومريديهم والحشد الذين نجحوا في تكوينه، بأنه إصلاح لبعض الجوانب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية (على اعتبار أن فلاناً ضليع فيها) أو ما يهم شريحة مجتمعية معينة، في الوقت الذي يهدفون فيه إلى زيادة رصيدهم الجماهيري وتدريبهم على الخيانة وتسهيل الجريمة لصالح هدفهم الفعلي.

قلت: لعلك تهذي، كيف يتم التدريب على الخيانة وتسهيل الجريمة. يبدو أنك متحامل بطريقة مبالغ فيها. قال: على العكس. الواقع يؤكد هذا. أليس تسريب الخطابات الرسمية جريمة إدارية وخيانة للجهة التي تعمل فيها؟ الغالبية ممن يفعل ذلك يعتقد أنه يفعلها للصالح العام وبقصد الإصلاح ولدعم أقوال القوم، وهو لا يعلم أنها جريمة يعاقب عليها القانون الذي يرفعون شعار تطبيقه. حينما لا يقوم المعني بالحشد بمقارعة المصدر بما يملكه من معلومة بل يستعمل الغير لتزويده بالوثائق ويشجعهم على نشرها والتعليق عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، فإنما هو يجعل من هذه الجريمة أمراً هيناً، ومتى ما حدث ذلك أصبحت خيانة الوطن أمر مستساغ خاصة وهو يبرره بسمو هدفه ونبل مقصده، بل وبمحبته الشديدة لوطنه.

قلت: كأنني في صالة عرض سينمائية وأنا أتخيل ما يحدث. هل يعقل أن يكون ذلك في الخفاء ودون أن تلحظ الأجهزة المعنية بالأمن القومي تلك التحولات إن حدثت؟ قال: إنهم ليسوا بالغباء الذي تتصوره فهم يميلون إلى تجنب التشكيل الهرمي ويعتمدون على التشكيل الشبكي العنقودي حيث لا يعرف أحدٌ أحداً، وتقوم القيادات (الذين يتفادون الظهور بمظهر القادة) بتوزيع الأدوار بينهم بطريقة متقنة ويتولون إرسال رسائلهم ذات المضمون الواحد بعدة أساليب، فتجد لغة الواعظ ولغة الليبرالي ولغة الإعلامي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي، وهكذا، مما يتسبب في درجة تأثير عالية ومتنوعة التوجهات فلا تكاد تشك في صدق مضمون الرسالة لاختلاف قناعات وتوجهات معتنقيها. هذه الخطوات تتم قبل إشارة التحرك الجماعي من فئة ما تكون الشرارة التي تشتعل بعدها النار وتنتشر. ولكنهم من وقت لآخر يقومون بما يشبه بالون اختبار لمدى الاستجابة وعلى ضوء نتيجته الظاهرة يتم قياس قوة الشبكة.

قلت: هذا يعني لجم الجميع. قال: إطلاقاً، هذا ليس حلاً، ولا يصح أن تكون كإيران أو كجارتها الصغيرة. قلت: أما إيران فنعلم هذا عنها فوسائل التواصل الاجتماعي محجوبة لديها، فماذا عن الجارة الصغيرة التي لا تتوقف عن ترديد الرأي والرأي الآخر؟ قال: لن أتحدث عن عقوبة إلقاء الشعر فهذا أمر مفروغ منه ولكنني سأسرد لك واقعة عجيبة غريبة. يقال بأن كاتبة تدعى سمر المقرن تكتب في إحدى صحف الجارة الصغيرة كتبت ذات صباح عن مدينة صغيرة مغمورة لا يعرفها إلا القليل من الناس يقال لها دبي وتقع في جزيرة في المحيط، فمنعت الصحيفة المقال من النشر لأن الكاتبة امتدحت المدينة وأهلها، الرأي نعرفه تماماً فأين الرأي الآخر؟

قلت: هل الحل في أن تفعل موزمبيق مثلهما؟ قال: كلا. الحل يا صديقي هو توعية المجتمع وتوضيح مفاهيم حرية التعبير وحرية الرأي ثم محاسبة من يتجاوزهما إلى التحريض بالعقوبة الرادعة تبعاً لتأثير فعله على الأمن القومي أو المصلحة العليا للوطن.

قلت: هذا دور وزارة الإعلام. قال: أعتقد أن موزمبيق ألغت هذه الوزارة لأنها تعتقد أنها ليست في حاجة إليها، لأنني لا أرى لها أي تأثير ولم نر أي توعية للمجتمع بأن تسريب الوثائق والخطابات الرسمية جريمة إدارية قد تتطور إلى جريمة في حق الوطن، إذ لو أنها موجودة لفعلت ذلك ولكانت النتيجة أن الفاعل بحسن نية سيمتنع عن فعله.

قلت: الوزارة موجودة ولكن لعلها ضعيفة. قال: بل مخترقة أو أن قياداتها لا تستطيع التفريق بين حرية التعبير وحرية الرأي، ناهيك عن التفريق بينهما وبين التحريض. قلت: هذا كلام على عواهنه فهل لديك ما يؤكد إدعاءك؟ قال: ماذا تقول في سيل التحريض الذي لا يتوقف ولا يجد قانوناً يردعه (ليس لعدم الوجود بل لعدم التطبيق)، إن لم يكن هذا اختراقاً فهو جهل ناتج عن تعيين الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب نتيجة للمحسوبية والشللية. ثم ماذا تسمي أن يكون الخطاب الموزمبيقي ضد الإخوان المحرضين الطامعين في التغيير (مصر مثلاً) ثم تفاجئك قناته الرسمية باستضافة أحد رموز القوم ليتحدث عن وجهة نظر موزمبيق في أحداث مصر، والتي لن تكون سوى وجهة نظره هو. قلت: أظنها مجرد نيران صديقة. قال: وأنا كذلك.


كاتب سعودي

9