"نيران صديقة" بين داعش والنصرة

السبت 2014/05/10
المجموعات الجهادية كانت دوما عرضة للانقسام والاقتتال، لكن ما يقع اليوم على المحك يتجاوز المسائل الإيديولوجية

الخلافات المستعرة منذ أشهر في سوريا بين تنظيم “داعش” وتنظيم “جبهة النصرة” تثير سيلا من الأسئلة، تتعلق أساسا بمحاولة فهم أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بين هذين الفريقين، اللذين يفترض أنهما ينهلان من المعين ذاته: تنظيم القاعدة. محاولة فهم تلك الخلافات يفرضها أيضا تبين ميدان النزال؛ سوريا، حيث تكابد ثورة شعبية من أجل الاستمرار والتوصل إلى فرض شعاراتها على الأرض في خضم تداخل والتباس مرعبين في الأدوار بين النظام والثوار والجيش الحر والتنظيمات الجهادية، واليد الخارجية التي تتحسس كل المناطق الحساسة في سوريا.

ما يدور حاليا على الأرض السورية من اقتتال بين الفصيلين الجهاديين (وهو نزاع مواز للمواجهات بين هذه التنظيمات والجيش النظامي السوري) لا يعبّر فقط عن صراع مواقع كما تشير بعض القراءات، بل يعكس أخاديد غائرة تفصل التنظيمين أيديولوجيا وفكريا وتنظيميا واستراتيجيا، وهي أخاديد لم تستطع القواسم المشتركة (على كثرتها) أن تبددها.

مفيدة العودة إلى قصة نشأة كل تنظيم، لفك طلاسم ما يدور حاليا من نزال ملأ الدنيا وشغل الناس، وأدخل الثورة السورية في متاهة حولتها إلى قضية عصية عن الفهم. نشأت “الدولة الإسلامية في العراق” يوم 15 أكتوبر 2006 (باسم اكتفى آنذاك بالدولة الإسلامية في العراق وفي إضافة “الشام” إلى الاسم إفصاح عن النوايا الجهادية والأيديولوجية) إثر لقاء جمع عديد الفصائل المسلحة التي كانت “تعلنُ” مقاتلة الوجود الأميركي في العراق، واصطفت الفصائل يومئذ خلف أبي عمر البغدادي زعيما للتنظيم الوليد، وتبنت “الدولة” الكثير من العمليات النوعية التي تم تنفيذها داخل العراق. بعد مقتل أبي عمر في أبريل 2010 تم تصعيد أبي بكر البغدادي زعيما جديدا. التأكيد على “بغدادية” الزعيم ليست سوى تقوية للصلة التي تربط التنظيم بالعراق، والحال أن البغدادي الثاني هو إبراهيم عواد إبراهيم، حسب وثائق الداخلية العراقية. كان “زمن” أبي بكر البغدادي أكثر نشاطا من حيث العمليات التي استهدفت البنك المركزي ووزارة العدل العراقية واقتحام السجون على غرار سجن أبو غريب سيئ الصيت.

وبمجرد اندلاع الثورة السورية في مارس 2011 “التقطت” الدولة الفرصة ونقلت معداتها وعناصرها وأفكارها لـ”تدلي” بدلوها في الثورة.

يشار هنا إلى أن إضافة الاسم بما يعنيه من مضاف في النوايا، تفهم من قراءات سورية عديدة بأنها كانت مدعومة بجهد النظام السوري في تأصيله على الأرض بحثا عن تعلات تفيد بأنه يحارب الإرهاب، ولذلك تشير تلك القراءات إلى أن النظام السوري شرع أبواب سجونه وأتاح لعناصر التنظيم ممارسة جموحهم الجهادي.

الخلاصة أن داعش نشأت في بيئة عراقية وفي ظرف عراقي مخصوص، وهي سليلة فكر القاعدة (قيادة وفكرا وطبيعة عمليات) لكنها وسعت من جهدها وأكدت عالميتها وعلوها على الأوطان حين أنشأت فرعا لها في سوريا.

أبو مصعب السوري
المؤسس الحقيقي لجبهة النصرة. كان معتقلا في سجون نظام الأسد وتم اطلاق سراحه في الشهور الأولى للثورة. يطلق عليه لقب «عقل القاعدة العالمية» ولديه مخططات كبيرة بالتنسيق مع أجهزة المخابرات العربية والغربية

أما جبهة النصرة فهي تنظيم حديث النشأة تأسس أواخر عام 2011، في تفاعل “جهادي” مع لزوميات الثورة السورية. قاد أبو محمد الجولاني التنظيم في سياق محاربته للنظام السوري. قد يبدو هنا أن النصرة تنظيم سوري صرف لكن تقارير أميركية استخباراتية أفادت بأن للنصرة علاقات فكرية وتنظيمية وطيدة بدولة العراق الإسلامية وبتنظيم القاعدة. وأكد ذلك تسجيل صوتي نُسب لأبي بكر البغدادي نُشر في 9 أبريل 2012، أكّد فيه أن جبهة النصرة هي امتداد لدولة العراق الإسلامية وأعلن أيضا توحيد جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية تحت راية واحدة هي “دولة العراق الإسلامية في العراق والشام”. لكن تسجيلا صوتيا آخر نُسبُ إلى أبي محمد الجولاني تضمن نفي الأخير لعلمه بهذا الإعلان ورفضه لهذا الاندماج، بل أعلن مبايعته لتنظيم القاعدة في أفغانستان.

الخلافات الأخيرة التي ارتفع منسوبها بين داعش والنصرة، تحولت تكتيكيا إلى مثار رعب لدى سكان المناطق التي تدور فيها المعارك، واستراتيجيا إلى عنصر إفساد وإرباك للثورة السورية ومسارها. هي خلافات تعود إلى اختلافات دواعي النشأة والتأسيس، وإلى اختلافات الأهداف والاستراتيجيات، وأيضا إلى اختلاف الانتماءات التنظيمية أو لنقل إنها سعي كل فريق إلى احتكار “المشروعية الجهادية”.

الثابت أن كل الفرق والتيارات الجهادية ترتبط بتنظيم القاعدة، تبعا لترعرع أغلب قيادييها ونشأتهم في ميادين نزال خاضها التنظيم سواء في أفغانستان أو العراق أو الشيشان أو غيرها. والأكيد أن الاختلافات وحتى المعارك التي تندلع هنا وهناك بين تلك التيارات الجهادية لا تسحب الإرث الفكري الجهادي الذي يصل كل تلك الفرق. والواضح أيضا أن التيارات الجهادية عرفت “انتعاشة” واضحة بعد الربيع العربي وما أفرزه من صعود لتيارات إسلامية عديدة دعمت أو غضت النظر على الأقل عن ازدهار الأفكار الجهادية في أوساط الشباب في العالم العربي. والجليّ أيضا أن إصدار النسخة الجهادية السورية لم يحصل إلا بعد أشهر عديدة من انطلاق الثورة السورية وهو ما عزز القول بدور النظام السوري في إنتاج عنصر مربك للثورة داخليا وإقليميا. هذا في ما يتصل بأوجه الشبه الأولية.

أما في ما يتعلق بأوجه الاختلاف فإنها تبدأ أولا من مكان التأسيس وظروفه، حيث تدعي جبهة النصرة أنها نشأت في التربة السورية المحلية لغاية الإسهام في الثورة السورية، وتنوي ترك السلاح بمجرد سقوط النظام، هذا رغم تأكيد انتمائها إلى تنظيم القاعدة. في حين نشأ تنظيم داعش في العراق وكان توسيع نشاطه إلى سوريا ضربا من تحوله إلى تنظيم عالمي أممي مرتفع عن الأوطان.

الملمح الثاني للاختلاف بين الفريقين يحيل إلى الأهداف والاستراتيجيات، حيث تتمسك داعش بمشروع إسلامي واسع يمتد من إيران إلى لبنان، يقوم على إنشاء دولة الخلافة الإسلامية ويتطلب ذلك، حسب أدبيات داعش، التخلص من الحضور الصفوي الإيراني الذي يمثله في الشام (دائما حسب أيديولوجية داعش) فيلق القدس وحزب الله والحرس الثوري والميليشيات الشيعية التي تخدم النظامين العراقي والسوري. أما جبهة النصرة فتزعمُ أنها ذات طبيعة سورية محلية صرفة، وتخوض الحرب في سوريا ضد النظام على أساس أنها إسهام في الثورة وأن مستقبل سوريا يبنى بالشورى بين جميع الفصائل الإسلامية.

الفرق الآخر بين التنظيمين يقوم على طبيعة المكونات البشرية، حيث تضج داعش بالعناصر المقاتلة القادمة من كل حدب وصوب (حتى من أقطار أوروبية)، بينما أغلبية العناصر المقاتلة في جبهة النصرة هي من أصول سورية وهذا لا ينفي وجود عناصر أجنبية في صفوفها لكنها تمثل أقلية مقارنة بأصول عناصر داعش.

لكن لماذا اعتبر تنظيم القاعدة أن جبهة النصرة تمثله في سوريا؟ ألا يبدو أن تنظيم داعش بأصوله الفكرية وتطرفه ومشاريعه واستراتيجياته و”أممية” عناصره أقرب إلى أدبيات القاعدة؟ حيث يذكر أن الظواهري زعيم القاعدة دعا في يناير الماضي في رسالة صوتية إلى “وقف القتال بين إخوة الجهاد والإسلام في سوريا”، ولكن القيادة العامة للتنظيم نفت كل علاقة لها بداعش، وأعلنت في بيان، أورده موقع جماعة قادة الجهاد، أنه لا صلة لها بتنظيم داعش وأمرت بوقف العمل به. وأضافت قيادة القاعدة في بيان نقله موقع سايت المتخصص في نشر أخبار التنظيمات الإسلامية أن “التنظيم ليس فرعا من جماعة القاعدة، ولا تربطه به علاقة تنظيمية”.

الإجابة عن هذه الإشكالية (إضافة إلى كل العناصر سالفة الذكر) تقوم على أن تنظيم القاعدة فضل “تكتيكيا” الانتصار لجبهة النصرة على الاصطفاف جنب داعش، فتنظيم داعش بقيادة أبي بكر البغدادي “عصى الأوامر الصادرة عن زعيم التنظيم أيمن الظواهري.

هذا السبب المباشر، لكن السبب العميق يكمن في أن تنظيم القاعدة درس بعد أشهر من عمل التنظيمين (وغيرهما) موازين القوى في سوريا خاصة وتبين أن جبهة النصرة تحمل صورة أقلّ سوءا لدى المكونات الشعبية والسياسية، خاصة مع توسع التصور القائل بأن داعش هي صنيعة النظام السوري. ولذلك ارتأى الانتصار للنصرة بحثا عن تركيز أسس التنظيم في الشام على المدى المتوسط والبعيد.

نخلص إلى أن النزاع بين النصرة وداعش ليس مجرد صراع على المواقع؛ الرقة أو دير الزور (ولاية الخير كما تسميها داعش) أو غيرهما بل هو صراع آني بين قراءتين تكيتيكيتين للأيديولوجيا نفسها، ولاشك أن قيادة القاعدة انتصرت مؤقتا لجبهة النصرة رغم قرب داعش للأصول القاعدية، لكن هذا الانتصار قد يتغير بمجرد تغير الأوضاع في سوريا، غير أن الخاسر الأول في النزاع والقتال هو الشعب السوري. أما الخاسر الآخر فهو الثورة السلمية التي تم تبديد سلميتها بجموح جهادي لا يبقي ولا يذر.

7