نيران صديقة تفضح ملفات الفساد الحكومي في الجزائر

طالما بررت الأذرع السياسية الموالية للسلطة، فضائح الفساد المثارة من حين إلى آخر، بسعي المعارضة لافتعال الفقاعات الإعلامية من أجل رفع أسهمها في المشهد السياسي، والمساس بصورة السلطة لدى الرأي العام، لكن أن يتم الكشف عن ملف جديد، من قبل وزير في الحكومة الحالية، فإن ذلك سيزيد من قتامة الصورة ويهز مصداقية الحكومة، ويعمق من حدة الأزمة السياسية في البلاد.
الاثنين 2016/08/29
مكافحة الفساد في الجزائر: هل الحل في تغيير النظام

الجزائر - كشف وزير التهيئة العمرانية والسياحة والصناعة التقليدية عبدالوهاب نوري، عن وجود تلاعب كبير في مشروع “دنيا بارك” السياحي، وأن طرقا ملتوية وممارسات مشبوهة طالت عقار المنتجع الواقع غربي العاصمة، حيث حاز أشخاص نافذون على قطع أرضية في المنطقة، بشكل يتنافى مع طبيعة ومخططات المشروع.

ويعد مشروع منتجع دنيا بارك السياحي، من بين المشاريع التي عجز الوزراء المتعاقبون على الدائرة الوصية عن تحريكها، بسبب تشابك المصالح وتقاطع مراكز النفوذ، رغم مرور 13 عاما على تاريخ إطلاقه من قبل السلطات العليا بغية دعم وتنشيط الهياكل السياحية في البلاد، وفي العاصمة تحديدا.

وتضع تصريحات الوزير عبدالوهاب نوري، وزراء سابقين في قطاع السياحة ومسؤولين كبارا في عدة هيئات أخرى، في موقع الاتهام مما سيحرج الحكومة، ويعطي القوى السياسية والجمعيات الأهلية، ورقة مجانية للتنديد بتساهل السلطة مع رموز الفساد، وهيمنة سياسة اللاعقاب مع الضالعين في مختلف الملفات التي أسالت الكثير من الحبر في الجزائر.

وقال الوزير في تصريحات صحافية “لقد أصبت بالدهشة والذهول لما اطلعت على ملفات منتجع دنيا بارك”، مما سيثير استفهامات عدة حول ردود الفعل المنتظرة من الحكومة، وحول إمكانية تحريك مصالح الأمن والقضاء للملف، خاصة وأن المسألة تتعلق بكون التصريحات جاءت عشية دخول الطبقة السياسية في التحضير لخوض غمار الانتخابات التشريعية والمحلية المقررة في غضون العام المقبل.

وتفادى وزير التهيئة العمرانية والسياحة والصناعة التقليدية، الكشف عن هوية المستفيدين أو الجهات التي وزعت عقار المنتجع، لكنه أكد أن 65 هكتارا من الوعاء الكلي للمنتجع وزعت بطرق ملتوية ومشبوهة تتنافى مع طبيعة ومخطط المشروع، الذي استهلك منذ إطلاقه مليارين ونصف مليار دولار.

فضائح الفساد وتكريس سياسة الإفلات من العقاب يعمقان الأزمة السياسية في الجزائر

وشهدت الجزائر خلال فترة تولي الرئيس بوتفليقة لرئاسة البلاد منذ العام 1999، تفجير العديد من ملفات الفساد، التي كلفت الخزينة العمومية المليارات من الدولارات، على غرار ملف مجمع الخليفة، والطريق السيار شرق غرب، وسوناطراك واحد وإثنين، ورغم فصل القضاء في الملفات المذكورة، إلا أن الاستفهامات مازالت تحوم حول إفلات وزراء وشخصيات من الدولة ومقربين من الرئيس بوتفليقة من المتابعة القضائية، خاصة بالنسبة إلى وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، وأيضا الوزير المخضرم عمار غول الذي غادر الحكومة في التعديل الأخير بعدما قضى 15 عاما بين عدة قطاعات.

وساهم توالي الكشف عن ضلوع جهات نافذة ومسؤولين كبار في ممارسات فساد، خاصة من قبل وسائل إعلام ومنظمات أجنبية، في اهتزاز صورة وسمعة البلاد ودحرجها إلى مراتب متدنية في تقارير الشفافية والنزاهة المالية والاقتصادية، وهو ما شكل مادة دسمة للقوى السياسية والفعاليات الأهلية في انتقاد السلطة الحالية بقيادة الرئيس بوتفليقة، برعاية مظاهر الفساد وتكريس سياسة اللاعقاب. ويتربع مشروع منتجع دنيا بارك على مساحة 800 هكتار، وأطلق منذ 13 عاما بغلاف مالي يقدر بمليارين ونصف مليار دولار، لإنجاز سلسلة من الحدائق النباتية والمساحات الخضراء، وفضاءات الترويح واللعب، وأسند في بداية الأمر إلى شركة إماراتية لإنجاز الشطر الأول منه، إلا أنه تم فسخ العقد معها خلال السنوات الأخيرة، وكان يعول عليه لبعث رئة تتنفس بها العاصمة، وتعزيز الهياكل السياحية بها أسوة بالعديد من العواصم.

وجاءت تصريحات الوزير الذي كلف بحقيبة السياحة في التعديل الحكومي الأخير، صادمة للرأي العام وحتى للحكومة، بما أن الإشارات ذهبت لزملاء له سابقين أو حاليين في الحكومة، مما سيحرج السلطة ويزيد من متاعب عزلتها الشعبية، وقد يضطر قصر المرادية لإعادة النظر في تركيبة طاقم رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، من أجل إنقاذ نفسها أمام الشارع، عشية أصعب دخول اجتماعي تشهده البلاد منذ عدة عقود.

ووصف عبدالوهاب نوري، الملف بـ”الموضوع البالغ الخطورة الذي يستدعي اتخاذ إجراءات صارمة وعاجلة”، في إشارة إلى خطورة التجاوزات المرتكبة في واحد من المشروعات المتعثرة، وربما لضرورة تحرك الأمن والقضاء للتحقيق في الخروقات المسجلة، والتي ترهن مصير الغلاف المالي، في ذروة الأزمة المالية وحاجة البلاد إلى موارد لمواجهة تداعيات الأزمة المالية.

وتطال اتهامات وزير التهيئة العمرانية والسياحة والصناعة التقليدية، وجوها ترددت في الحكومات السابقة، ومنها ما يقود أحزابا سياسية، على غرار عمار غول رئيس حزب تجمع أمل الجزائر، وعمارة بن يونس رئيس الحركة الشعبية الجزائرية، إلى جانب كل من دليلة بوجمعة وشريف رحماني، باعتبارهم تداولوا على الدوائر الوصية كالسياحة والبيئة، ومنهم من افتتحها جزئيا ومنهم من أعاد غلقها، دون أن يتم الكشف عن تفاصيل قراراتهم.

4