نيران صديقة

الأحد 2017/10/01

لعلاء الأسواني، القاص المصري، الكثير من المآثر في الحياة، كما في عالم القَصْ. هو كان ولا يزال طبيب أسنان، أعطى تخصصه هذا اهتمام المنقطع إليه تماما، إذ درس هذا الطب في القاهرة ابتداء، ثم ذهب إلى شيكاغو لمتابعة دراسته العليا فيها، ثم عاد إلى مصر لا يبرح عيادته فيها.

لكن علاء الذي يُفترض أن عمله هو معاينة الفَك وجراحته، ومعالجة الأسنان واقتلاع عفونتها أو تهدئتها عندما تلتهب، طفق يفكك عناصر الشخصية الظلامية المتستّرة بالدين، ويعاين سلوك المنافق مُدعي الورع أيا كان، وينبه إلى خطورته. فعلى هذا الصعيد، كان يتشدد في انتقاد تراجع إسهام المجتمع العربي الراهن في التقدم الحضاري، ويجزم بأنه بات يخلو من أي ومضة للشجاعة لمواجهة الموت المحقق والظلم الاجتماعي. كأنما ذهب به وجعه على تردي الأحوال العربية، إلى تعرية رياء الشعوب ومفاسدها، فيقلع صفوف الأسنان كلها، العفن منها والعَفيْ، فانداح يرسم بانسيابية، وبتدفق ساخر، صورة طريفة لشخصية المواطن البسيط، الذي تغويه المزايدات الدينية الجوفاء، وهو المُضَلل الذي يقبضها جديا، بينما “الأمير” الفاسد المتنفذ، يُضاجع “الفراشات البائسات” في مكتبه، أو يقترن بالصغيرات، مثنى وثلاث ورباع، دون أن يتخلى عن مسبحته!

وفي مجموعته القصصية “نيران صديقة” رسم علاء الأسواني أنموذج الدَعيّ المتمسح بالدين، فيما العفونة وجموح الغرائز يغمرانه من الرأس إلى أسفل القدم، بخلاف الذاتية المفرطة ونزعة الثأر الكامنة في داخله، والمتربصة بالآخرين!

في مجموعته القصصية تلك، ليس ثمة اشتعال للنيران بالمعنى الفيزيائي، ولا أقصوصة فيها بعنوان “نيران صديقة”. فما يقصده هو نوع أعتى وأشد إيلاما من النار المتلظّية؛ النُكران واللؤم والشُح العاطفي والغدر والتسلط. فمن أمثلة الصور التي “يغتال فيها بعضنا بعضا” هناك البخيل ومُحدَث النعمة الذي يعمل في السعودية، الذي يضن على أمه المريضة بثمن الدواء وتكاليف المستشفى، معللا نكرانه وشُحه بأن الأعمار بيد الله. وهناك العاشق الذي يسحق قلب الفتاة الفقيرة التي أحبته، فيتركها فجأة، ليقترن بميسورة الحال التي تساومه على مهرها وعلى تكاليف زفافها. وثمة طبيب نطاسي بارع، يأبى العمل إلا في وطنه، فيتآمر عليه في المستشفى زملاؤه غير المهرة، فيحيلونه إلى حطام، وإلى “مرمطون” كما هو عنوان الأقصوصة!

قبل نحو خمس سنوات، هاجمه ظلاميون في باريس أثناء ندوة له، رسم إشارة النصر وهتف "يسقط حكم المرشد". وأغلب الظن، أن المهاجمين خرجوا من الجُحر المعتم الذي انطلق منه، بعدئذٍ، إرهابيون ليقتلوا الناس دون تمييز!

24