نيران غير صديقة

العداء بين البشر ظاهرة أقوى من أن تزول، وفي الأوساط الثقافية ظاهرة العداء بين الأدباء والمشتغلين في الثقافة لها تاريخ عريق، ليس في الثقافة العربية وحسب، بل وفي غيرها من الثقافات.
السبت 2018/06/09
فيكتور هيغو كان يعتبر نفسه محظوظا لكونه رجلا مكروها

ما من حياة ثقافية من دون حياة نقدية، بل ومن دون ازدهار لحركة نقدية تطال كل الظواهر السلبية في الثقافة. وإذا كان النقد الذي يخص تدبير مجال الثقافة يبدو في الكثير من الأحيان قاسيا، فإنه يبدو أيضا طبيعيا، لأن الأمر يتعلق بتدبير علاقات مع كُتاب، لكل مزاجه الخاص، ومع ناشرين مشتتين برغم قلتهم على عدد كبير من الاتحادات.

وفوق ذلك، نحتاج جميعا إلى صحافة ناقدة يمكنها أن تلتقط هفوات مشهد ثقافي حديث ما زال يبحث عن ترسيخ ديناميته، وأن تساهم في خلق وعي نقدي لدى القارئ. وهو وعي نحتاج إليه في زحمة فيض المعلومات الثقافية وتعدد المتدخلين في المجال الثقافي، كتابا كانوا أو ناشرين أو مؤسسات، وأيضا في زحمة مشهد يتزايد فيه الإنتاجُ الثقافي، بمستوياته القوية والهشة. 

خلال السنوات التي قضيتها على رأس مديرية الكتاب، جمعني أكثر من سجال نقدي مع أكثر من مهني. بل إنني بدأتُ عملي بنقاش طويل على صفحات الجرائد مع جمعية تضم ناشرين مغاربة كانت تنوي مقاطعة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، وسينتهي النقاش باقتناعها بضرورة المشاركة.

سنة بعد ذلك، سيجمعني سجال آخر مع الكاتب عبدالصمد بلكبير، تبادلنا خلاله عددا من الردود عبر الصحف. وكانت النقاشات، رغم شدتها، محاطة بكثير من الاحترام. بل إنني امتلكتُ الجرأة لتخصيص عمود للحديث عن حنيني إلى المقالات الجريئة للصحافي محمد جليد، المعروف بمتابعته اللاذعة أحيانا لعمل مديرية الكتاب التي أقوم عليها.

إلى هنا يبدو الأمر عاديا ومطلوبا. غير أنني لم أكن أتوقع، من المشهد الثقافي المغربي، أن يتمادى بعضهم، مؤخراً، مبتعداً عن أخلاقيات النقاش ليغمز من قناة أعضاء جائزة المغرب للكتاب، وهم باحثون وجامعيون وكتاب محترمون، مصوراً هؤلاء على أنهم أشخاص يصدرون أحكامهم بناء على توجهات تملى عليهم من مرجع ثقافي، أيا يكن هذا المرجع، وليس استناداً إلى قراءاتهم، وتقديراتهم النزيهة.

العداء بين البشر ظاهرة أقوى من أن تزول، وفي الأوساط الثقافية ظاهرة العداء بين الأدباء والمشتغلين في الثقافة لها تاريخ عريق، ليس في الثقافة العربية وحسب، بل وفي غيرها من الثقافات. هناك كتاب يختارون أعداءهم على مقاسهم، كما أَقر بذلك أوسكار وايلد، حينما صرح بكونه يفضل الأعداء الأذكياء. كما أن هناك كتابا يخلقون أعداءهم، كما هو الأمر بالنسبة لفيكتور هيغو الذي كان يعتبر نفسه محظوظا لكونه رجلا مكروها، إيمانا منه أن شهرة كاتب ما تقاس بعدد أعدائه. بينما كان ليون بْلوي يصف الروائي إميل زولا بالخنزير، أما الشاعر الفرنسي بودلير فقد كان قاسيا مع مواطنته الروائية جورج ساند التي كان يعتبرها امرأة غبية وثرثارة ومسحورة. كما وقف على ذلك الباحثان الفرنسيان بوكيل وكيرن في كتابهما المثير “تاريخ أحقاد الأدباء”.

من أين تأتي هذه القدرة الكبيرة على الحقد على الآخرين، خصوصا إذا كان الحاقد كاتبا يُفترض فيه الانتصار للاختلاف ولقيم المحبة؟ اسألوا علماء النفس.

15