نيرودا متخيلا مصير هتلر

الاثنين 2015/03/16

هل من رابط بين الشعر والسياسة؟ هل بالإمكان المزاوجة بين العمل السياسيّ والإبداع الشعريّ؟ أليس هناك تناقض بين الجانبين؟ هل يقتصر الشعر كفنّ على التعبير عن الحبّ والجمال والصدق؟ ألا يقال إنّ أعذب الشعر أكذبه؟ هل يتقاطع الشعر مع السياسة في التوصيف “فنّ الكذب والنفاق”؟

يستحيل العثور على شاعر لا مواقف سياسيّة لديه، بل إنّ زعم أيّ شاعر ابتعاده عن إبداء رأيه في المواقف المصيريّة التي تفترضها السياسة هو تنصّل من المسؤوليّات.

التشيلي بابلو نيرودا (1904 – 1973)، (نوبل 1971) يظلّ واحدا من أبرز الشعراء العالميّين الذي زاوجوا بين الشعر والسياسة، وكان الالتزام رابطا يشدّه إلى الجانبين، وقد عاش حياة حافلة بالأحداث والمفارقات، عمل في السلك الدبلوماسيّ، وكان سفيرا لبلاده في أكثر من دولة.

أدرك نيرودا دور السؤال في تنوير العتمات، وكشف الخبايا، وإظهار بعض المكبوت أو المخفيّ، وذلك من خلال النبش والتحريض على اكتشاف الإجابات، بحيث أنّ السؤال يكون بوّابة للعبور إلى الآخر، أو الداخل، ويقوم بوظائف وأدوار متعدّدة، ولعلّ من بينها المحاكمة التاريخيّة لرموز أو شخصيّات كانت لها مساهمتها بتغيير العالم، سلبا أو إيجابا.

في مجموعته الشعرية “كتاب التساؤلات” طرح نيرودا العديد من الأسئلة التي تدور في فلك الحياة والموت والوجود والعبث والطفولة والبراءة والحبّ والكره.

حضر لدى نيرودا في تساؤلاته اهتمام لافت بمصير شخصيات مؤثرة على صعيد عالمي، كبودلير، وجيفارا، وهتلر، وكلّ منهم في سياق تساؤل أو تصوّر مختلف. في حديثه عن جيفارا، يظهر متأثرا بغيابه، مشيرا إلى النور الذي شكله بتضحيته ورحيله: “لماذا لا يطلع الفجر في بوليفيا بعد ليلة جيفارا؟ وهل يبحث قلبه المقتول عن قاتليه هناك؟”.

أما تساؤله عن هتلر فيحمل شيئا من روح التشفي والرغبة في ملاقاته العذاب لما سببه من مآس وأهوال للبشرية، يسأل أسئلة تحمل جوانب من افتراض العقاب أو اقتراحه، من قبيل “أيّ شغل شاق يقوم به هتلر في الجحيم؟ يدهن الحيطان أم الجثث؟ يستنشق أدخنة الموتى؟ هل يطعمونه رماد الأطفال المحروقين؟ أم يسقونه منذ وفاته دما يشربه من القمع؟ أم يطرقون في فمه الأسنان الذهبية المقلوعة؟ أم يوسّدونه لينام على أسلاكه الشائكة؟ أم يَشِمونه لأجل مصابيح الجحيم؟ أم تنهشه كلاب النار السود بلا رحمة؟ أم يمضي بلا راحة ليل نهار مع سجنائه؟ أم ينبغي أن يموت بلا موت أبديا بالغاز؟”.

ما الذي كان سيسأله نيرودا أو يتخيّله لو قيّض له زيارة عالمنا اليوم، ومشاهدة النسخ المشوّهة لهتلر وهي تمارس الفتك والتنكيل بالشعوب وترتكب المجازر الوحشيّة هنا وهناك؟


كاتب من سوريا

15