نيروز مالك: حاولت أن أكون راويا جديدا لألف ليلة وليلة

الكاتب نيروز مالك يرى أن الحرب لعبت دورا في الكتابة لدى معظم الكتاب السوريين الذين صاغوا قصصا ومقاطع من تفاصيل القتل والتدمير والتهجير لهذه المعارك .
الجمعة 2020/10/30
سابقا كانت القصة القصيرة متنفسا للكتاب

أثّرت الحرب كثيرا على الكتاب السوريين المعاصرين، وربما بان بشكل جلي تأثيرها في السنوات الأخيرة، حيث قدمت الكثير من الأعمال الشعرية والقصصية والروائية التي اتخذت الحرب ثيمة لها، لكنّ هذا التوجه ليس جديدا بالنسبة إلى الكتاب السوريين، الذين عانوا لعقود من الحروب كما يؤكد الروائي والقاص السوري نيروز مالك الذي كان لـ”العرب” هذا الحوار معه.

تأتي أعمال القاص والروائي السوري نيروز مالك كاشفة لتجليات الروح السورية في مواجهة الحياة بتقلباتها وتناقضاتها وحروبها ونزاعاتها، وانعكاسات ذلك على الشخصية السورية، ومتمردة على تقنيات الكتابة التقليدية حيث تحتفي بتجديد وتطوير رؤيتها من مرحلة إلى أخرى، الأمر الذي أهلها منذ انطلاقها أواخر السبعينات من القرن الماضي أن تقدم مشروعا متميزا يضاف إلى مسيرة القصة والرواية في سوريا خاصة وفي العالم العربي عامة.

توزعت أعمال مالك بين القصة القصيرة (9 مجموعات) والرواية (9 روايات) وقد ترجم عدد منها إلى أكثر من لغة، وحققت حضورا كبيرا بين جمهور النقاد والقراء. وأخيرا أصدر مالك روايته “وقائع الحرب اليومية” التي تنطلق من أفق آخر للتجديد.

تأثير الحرب

انطلاقا من تساؤل عن انشغال أعماله بالحرب وانعكاساتها على الواقع الاجتماعي السوري، يقول نيروز مالك “الحرب هي علاقة عنيفة مع الآخر، علاقة موت وإعطاب لإخراجه من ساحة المعركة. أما الحروب الأخرى، مثلا الاجتماعية، أو السلطة والناس، أو العمل، فتختلف. كما ترى الحرب هي قوام حياتنا، واليومي فيها”.

ويضيف “في العمل تجد نفسك في صراع دائم مع الذين تعمل معهم من أجل التقدم إلى الأمام، أحيانا تكون على حساب الآخرين. الحرب مع السلطة تجد نفسك في صراع مع قوة غامضة لها أذرع كأذرع الأخطبوط لا تعرف كيف يمكنك التخلص والتملص منها في سبيل خلاصك الروحي، فتجد نفسك في معارك يومية صغيرة قد تكبر وتأخذ حجم حياتك كلها. لأنك تجد في السلطة التي تهيمن عليك قوة غاشمة، وغير عادلة، وأنت كإنسان لا تريد أن تكون مظلوما منها، وقد تكون نبيلا فترفض أيضا ظلم الآخرين على يديها”.

رواية تنطلق من أفق آخر للتجديد
رواية تنطلق من أفق آخر للتجديد

ويتابع مالك “قد تجد نفسك في حرب عنيفة فيها قتل وإعاقة فرضت عليك من قوة غاشمة أتت من الخارج، خارج حدود بلدك، عبرتها بدبابات وطائرات وجنود، لهذا تشعر بنبل قتالك ضدها من أجل أن لا تسقط بلدك في أيدي أعدائها الطامحين في الخيرات التي تنتجها. هذه كلها حروب، ولكل واحدة منها شكل ومضمون، وأيضا سلاح تستعمله للدفاع عن نفسك وروحك”.

أما عن روايته “وقائع الحرب اليومية” التي صدرت عن دار”ورد” الأردنية في أغسطس 2020، فيلفت مالك إلى أن “الحرب فيها تختلف عن الحروب الأخرى التي خاضها. هي حرب عنيفة ولها العديد من وجوه القتل والإبادة والخراب، ودفع الناس إلى النزوح والهجرة واللجوء، هي حرب ضد من طالب بالحرية والكرامة لنفسه ولبلده، هذه الرواية، كما يرى، هي كتابة عن معاناة الناس الذين بقوا في مدنهم وقراهم وبلداتهم، كتابة عن الخراب والدمار ليس في البيوت فقط، إنما في روح الناس في دفعهم إلى الخنوع والركوع”.

ويشير إلى أن هناك ملاحظة قدم بها الرواية وهي “بطل هذه الرواية هو الحرب، ولما كانت الحرب تتألف من عدة معارك، طويلة كانت أم قصيرة، ولكل معركة مكان وزمان ونتائج، فيمكن لنا أن نقول: هذه الرواية تتكون من مجموع معارك بطلها الحرب”.

ولما كانت لهذه المعارك تفاصيل من القتل والتدمير والتهجير، فيمكن لنا أن نصيغها قصصا ونصوصا ومقاطع. لهذا نعتبر أن مجموع هذه القصص والنصوص والمقاطع هي رواية من دون الشك في جنسه الأدبي، وبطلها الحرب المستمرة منذ سنوات على الأرض السورية، لهذا فرض علي العمل شكلا معينا من القص والكتابة والذهاب إلى أوسع الوقائع في حياة الناس الذين مازالوا يعيشون على الأرض السورية من أصدقاء وأقارب ومعارف.

ولفت مالك إلى أن “رباعية حلب” التي كتبها ما بين 1989 و1995 “كتبت بعد أن أخذت نتائج عقد الثمانينات تظهر واضحة على المجتمع السوري بعد انتهاء الصراع المسلح بين الإخوان المسلمين والسلطة، حيث ارتد الناس عن الحياة المنفتحة وعودتها إلى أخرى منغلقة محافظة. هذا الواقع الجديد هو الذي دفعني إلى إعادة صياغة هذا الانهيار المادي والروحي في المجتمع السوري في عمل يستوعب التحولات الاقتصادية والسياسية والفكرية التي حدثت خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي. وما أن أنجزت الرواية الأولى ‘جبل السيدة’ حتى بدأت بكتابة رواية ‘بوابة القصب’، وهكذا حتى أنجزت الرباعية”.

ويقول مالك “عندما بدأت في كتابة رواية ‘جبل السيدة’ لم يكن في نيتي كتابة رواية بعدة أجزاء. كانت نيتي أن أكتب رواية ضخمة إلى حد ما تعتمد التفاصيل التي أدت إلى ما أردت الكتابة عنه، إلى الخراب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في عقد الثمانينات. أما عندما انتهيت من كتابتها فشعرت بأنني لن أكتب سوى عن فئة واحدة من الفئات الاجتماعية الأخرى التي لعبت بدورها في الخراب، فكتبت رواية أخرى لا علاقة لها بالرواية التي سبقتها سوى بخيوط واهية جدا”.

رواية تكشف الانهيار المادي والروحي في المجتمع السوري
رواية تكشف الانهيار المادي والروحي في المجتمع السوري

ويتابع أن رواية “فنى قيبار” هي سيرة ناقصة، فيها من الخيال أكثر مما فيها من واقع السيرة، إلا أن هناك وقائع كثيرة من مرحلة الطفولة واليفاع، أما رواية “ظلال الليالي” التي ترجمت إلى الفرنسية بعنوان “الليالي القديمة” قبل أن تصدر طبعتها العربية بثلاث سنوات، عن دار ببلومانيا في شهر أيلول 2020، هي بالفعل تستند إلى ألف ليلة وليلة.

ويشير إلى أن الطبيب الذي أشرف على وضعه الصحي كان له أثر كبير في اختيار شكل ألف ليلة وليلة لـ”ظلال الليالي”. وقد سجل هذا الاعتراف في الرواية، على الرغم من أنه لم يكن يفكر بها قبل لقائه مع الطبيب الذي أشار عليه ناصحا أن يكتب في كل يوم للتخفيف من الضغط النفسي والعصبي الذي كان سببا في ارتفاع ضغط الدم.

ويضيف “إذن، قلت لأكن راويا جديدا لألف ليلة وليلة معاصرة، لأكن شهريار الذي يكتب في كل ليلة من أجل أن ينقذ نفسه من الموت، كما كانت تحكي شهرزاد في كل ليلة لملكها/ زوجها حكاية لتنقذ نفسها من سيافه. وهكذا ولدت رواية ‘ظلال الليالي'”.

سعادة الترجمة

يقول مالك أن أول كتاب له نشر في عام 1977 بعنوان “الصدفة والبحر”، وهو عبارة عن روايتين قصيرتين. لذلك يقر بأنه بدأ الكتابة بالرواية. لكن بعد ذلك أخذته القصة القصيرة في دروبها. وقد وجد فيها تمرينا على آفاق الكتابة، وبخاصة أنه كان يعد نفسه ليكون فنانا تشكيليا، فقد درس الفنون وأقام عدة معارض فردية ومشتركة وشارك بمعارض عامة كثيرة. إلاأن حرب حزيران / يونيو وهزيمتنا كانت سببا في أن أتخلى عن عالم الرسم والبدء في كتابة هذه المأساة الوطنية.

ويضيف “خلال 7 سنوات كتبت العشرات من القصص ونشرتها في المجلات والصحف والدوريات الثقافية العربية في سوريا ولبنان والعراق وليبيا وغيرها. كانت القصة القصيرة متنفسا لسهولة نشرها فرادى ومن ثم جمعها في مجاميع قصصية. كنت أريد أن يصل صوتي إلى القارئ الذي يؤكد على ضرورة تخطي الهزيمة. ففي معظم قصصي التي نشرتها في تلك الفترة كان موضوع الحرب قوامها، الحرب في المجتمع، الحرب مع إسرائيل، الحرب مع قوى التقليدية التي تشد المجتمع إلى الوراء”.

رواية تستند إلى ألف ليلة وليلة
رواية تستند إلى ألف ليلة وليلة

ويتابع مالك “بعد 8 مجموعات عدت إلى الكتابة الروائية وليس إلى الرواية القصيرة التي تألف منها كتابي الأول ‘قصة حب.. حياة إنسان’. وكانت روايتي ‘زهور كافكا’. تعرف أن كافكا عانى من والده الأمرين، وذلك واضح في كتابه ‘رسالة إلى والدي’، لقد استعرت من شكل هذا الكتاب وكتبت الرواية التي تتحدث عن الصراع بين بطل الرواية ووالده. وهي، الرواية، التي تملك رمزية يمكن للقارئ أن يسقطها على كل دكتاتور وعلاقته مع شعبه والوطن الذي يحكمه. يمكن للقارئ أن يقرأها بعدة مستويات. بعدها أخذتني الرواية في طريقها حتى الآن”.

ويؤكد مالك أن ترجمة أعماله أسعدته “خاصة أن الكتب الثلاثة التي ترجمت، وهما روايتان ومختارات قصصية”، لم تكن قد صدرت طبعتها العربية بعد. باستثناء رواية “ظلال الليالي” التي صدرت طبعتها العربية بعد ثلاث سنوات من صدور طبعتها الفرنسية، وبرغم هذا كان يشعر بشيء من الحزن. تطلع إلى رواية “تحت سماء الحرب” التي ترجمت للفرنسية بعنوان “متنزه حلب” وشعر بشيء من الحزن، فهو لا يجيد الفرنسية. شعر بأن الرواية غريبة عنه، كأنها لكاتب آخر، أجنبي.

ولكن الأمر الذي أفرحه أن الرواية لاقت نجاحا كبيرا بين النقاد والقراء، وحازت على جائزة لورينتال الفرنسية 2016، وتمت عدة قراءات لها في منتديات برفقة فرق موسيقية، وقُدم عرض مسرحي مأخوذ عن بعض نصوصها في ألمانيا، أيضا دخلت كمادة دراسية في ثانويات السويد وألمانيا بعد ترجمتها إلى هاتين اللغتين. وهي اليوم ضمن القائمة القصيرة لجائزة “قارئ المدينة” إحدى أرفع الجوائز الفرنسية.

يقول “لا شك ينتاب الكاتب شعور جميل عندما يُحتفى بكتابه بلغة أخرى غير العربية، كما أنه سيشعر بالثقة في نفسه مهما كان مهمشا ككاتب في بلده لأسباب كثيرة منها صراع الكاتب مع السلطة في بلده”.

ورأى مالك أن الحرب لعبت دورا في الكتابة لدى معظم الكتاب السوريين، المؤيد أو المعارض أو الرمادي. لأن الحرب التي بدأت في 2011 ما تزال مستمرة، لأن حلا سياسيا لم يحدث حتى الآن من أجل أن يقول بأن الحرب انتهت. ويأسف أنه لم يقرأ الأعمال التي تحدثت عن الحرب. لكي يستطيع أن يقيّم الرواية السورية التي اتخذت الحرب موضوعا لها.

الكاتب ينتابه شعور جميل عندما يُحتفى بكتابه بلغة أخرى غير العربية، كما أنه سيشعر بالثقة في نفسه

يقول “إن الحرب تركت جرحا غائرا في أعماق الكاتب السوري. قد يقول بعضهم إن سبب هذه الحرب هو المؤامرة الكونية على سوريا، وقد يقول بعضهم الآخر إن السبب هو السلطة الشمولية التي تحكم البلاد منذ 5 عقود بقبضة أمنية عطلت الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية في البلاد. ولكن في الأخير الحرب تركت أثلاما واضحة في حياة كل كاتب سوري مهما كان توجهه وموقفه من أسباب هذه الحرب التي دمرت البلاد، وهجّرت الملايين من أبناء الشعب ووزعته في أرجاء العالم”.

وحول رؤيته للحركة الثقافية التي عاصرها بكل أنواعها يقول مالك إن اللوحة توزعت على عدة اتجاهات، ولعل أهم اتجاهين: ثقافة هادنت السلطة ومشى أصحابها في ركاب ما يطلب منهم، وأخرى تمردت على السلطة حتى قبل الحرب فدفع أصحابها ثمنا في سبيل الإصرار على خياراتهم.

ويضيف “أؤلئك المبدعون الذين ناصروا السلطة قبل الحرب ناصروها بعد الحرب، وحجتهم كانت أن مؤامرة كبرى كونية تجري على سوريا. أما أؤلئك الذين لاذوا بالصمت فقد بقوا على صمتهم. إن الكتاب بكل فئاتهم لم يغيّروا مواقفهم إلا فيما ندر من الحرب والسلطة مما كانت عليه مواقفهم السابقة. وأعتقد بأن مصلحة ما شدت كل فئة من الفئات التي ذكرت إلى هذا الموقف أو ذاك. وأستطيع القول، لولا القمع الذي مورس ضد الكتاب قبل الحرب لتغيرت الصورة التي عليها الكتاب اليوم بعد الحرب. ولكن الخوف من فقدان لقمة العيش والتهميش والاعتقال كلها عوامل شوّشت على المثقفين الرؤية التي كان عليهم أن يسيروا على هديها من أجل الكرامة والحرية”.

15