نيكول كيدمان على مسارح لندن

الأحد 2015/10/18
نيكول كيدمان تلعب دور عالمة أحياء تعيش بعيدا عن ذاتها وقريبا من فكرة الوجود الكلي للبشر

التقى مؤسس ميكروسوفت بيل غيتس منذ سنوات بوفد سعودي، وانبرى لهم لينصحهم بأنهم لن يشْرفوا على القمة إن لم يطْلقوا نصف طاقات المجتمع النسائية. والنصيحة ذاتها بوسعنا توجيهها إلى السباق العلمي البريطاني حيث يتفشى التمييز بين الرجل والمرأة حتى إنك قد تحسب أن عِلْماً مستتراً يقبع خلف الظاهرة.

تشغل النساء نسبة هزيلة (12 في المئة) من قوة العمل البريطانية في العلوم والتكنولوجيا والهندسة لأسباب تعليمية وثقافية ومجتمعية شتى. والمنَفِّر الأكبر يكمن فيما أوجزه السير البريطاني تيم هانت، عالم الكيمياء الحيوية الفائز بجائزة نوبل في الطب، حين صدم مجتمع العلوم الاجتماعية بتعليقاته عن “مشاكله مع البنات” كاشفاً عمّا يجاهد المجتمع العلمي لمواراته تحت التراب من محاباة واعية أو غير واعية.

ادعى البروفيسور أن النساء لا يصْلحن للعلم، فهن جذابات جنسياً يشتتن انتباه العلماء، والخير كل الخير في رأيه فصلهن عن الرجال في العمل. ختم دُرَره بأنه لا يستطيع التحدث إلى امرأة في المعمل دون أن تبكي! متحدثاً في استهزاء عن “مخاطر السماح للبنات بدخول المعمل”.

اضطر هانت في النهاية إلى الاستقالة تحت سيل من التنمر المضاد وإن تعاطف معه عددٌ من العلماء ‘النجوم’ من أمثال البريطانيين ريتشارد دوكينز وبريان كوكس في خطوة بدت أقرب إلى الدعم “القبائلي”. اللافت أن زوبعة العالمات الاستقطابية هدأت، متناسيات أن ما خفي أعظم، وأن السير بشخصه المتواضع ليس هو العائق في سبيل المرأة، وإنما التمييز المؤسسي ذاته، فالرجل لا يتحدث بلسانه وحده، ولا يمثِّل، للأسف، شذوذاً متفرداً.

واحد زائد واحد

تعاني النساء تمييزاً مهنياً على أساس جنسهن في المجالات كافة، ولا سيما المحاماة والقضاء والمعمار، غير أنك قد تخال أن العلماء مترفعون عن مشاعر الدونية والغيرة الرخيصة، وأن نظيراتهن قد لا يجدن ما تجده غيرهن، على أساس أن العلم في جوهره هو منطق واحد، ‘واحد زائد واحد يساوي اثنين’، وأيّ تفاصيل أخرى لا نفع في الحقيقة يرجى منها، بما فيها جندر المتحدِّث أو المتلقي. وإن كان الحال هكذا الآن، فلا ريب أن تربّع الرجل على الوسط العلمي كانت أَذَل في خمسينات القرن الماضي.

وبطلتنا اليوم، عالمة الفيزياء الحيوية البريطانية اليهودية روزاليند فرانكلين (1920-1958)، لعبت دوراً رائداً في اكتشاف التركيب ثلاثي الأبعاد للحمض النووي بعد أن استخدم أبحاثها جيمز واطسون وفرانسيس كريك وموريس ويلكنز. والثلاثة فازوا عام 1962 بجائزة نوبل في الطب عن اكتشاف التركيب الحلزوني المزدوج لجزيء الحمض النووي.

إن هذه المسرحية، التي أنتجت عشرات المرات في عدة دول، تدلو بدلوها في أعظم فتح علمي في تاريخ الأحياء بالقرن العشرين، مزيحةً الستار عن البعد الإنساني من تاريخ العلم بمكائده وأسراره

فياجرا العلم

وعلى مسرح نويل كاوارد تقُوم بدور فرانكلين الممثلة الأسترالية حاملة جائزة أوسكار نيكول كيدمان في مسرحية بعد سبعة عشر عاماً من الغياب عن مسارح لندن. كانت قد ظهرت شبه عارية لمدة لحظات في أداء مستلِب إيروتيكي بمسرحية “الغرفة الزرقاء” (1998) حتى إن الناقد البريطاني تشارلز سبنسر وصفه بالفياجراً المسرحية الخالصة. انتصارها هذه المرة انتصار رزين يفتقر إلى الابتسام، بمعطف معمل وفستان كفساتين الجدات. وما مشاركتها فيها إلا إكراماً لأبيها عالم الكيمياء الحيوية المتوفى في العام الماضي.

وهذه المسرحية المستمدة من كتاب الصحافية الأميركية برندا مادوكس، “روزاليند فرانكلين: سيدة الحمض النووي الغامضة،” تأخذ ببساطة بثأر العالمة. وبنص موجز شعري للمؤلفة الأميركية آنا زيغلر، يمتد العرض إلى ما يزيد على ساعة ونصف أو سنتين محمومتين من عمر الشخصيات. جاء إخراج البريطاني مايكل غراند إيدج حامل وسام الإمبراطورية البريطانية تقليدياً. فالمسرحية، رغم تسارعها الحريّ بتمثيلية بوليسية، تتجرد تقريباً من أيّ متفجرات درامية أو لحظات اكتشاف ملهمة.

وقد أبى المخرج إلا أن يبيع المسرحُ خمسة وعشرين في المئة من التذاكر بسعر عشرة جنيهات إسترليني، “لدينا مسؤولية أمام التاريخ، ولكن ليس من مهمتنا إلقاء أيّ دروس تاريخية”. لاحَظ تلهفاً على المسرحيات العلمية والرياضية، ومسرحية “أوبنهايمر” عن عالم الفيزياء النووية المعروضة في الشهر الماضي شاهدٌ على هذا التوق، مؤكداً أن الجمهور يرغب في التفرج على قصة إنسانية، وفي الوقت ذاته اكتساب معرفة جديدة.

نشوة العلم

تساهم البطلة في فك ألغاز “سر الحياة” باكتشافها تركيب الحمض النووي. تستغل خبرتها في دراسة البلورات، وتحت إشرافها، تم التقاط صور لانحراف الأشعة السينية عبر تسليط الأشعة على الحمض النووي. تقع الصورة في يد الباحثين المنافسين جيمز واطسون وفرانسيس كريك، وهما مَن يعيان ما لم يعه مخلوق من قبل ويصيحان بكلمة النشوة، “وجدتُها”. وإليهما ينضم زميل فرانكلين السابق موريس ويلكنز، والثلاثة يستعينون بمعطياتها في بناء النموذج النظري الأول لجزيء الحمض النووي.

وعقب وفاة العالمة بأربعة أعوام، نال الثلاثة جائزة نوبل دون ذكر لإسهام تلك القوة الدافعة. وهكذا سقطت ذكراها في فخ التهميش وتجاهلتها كتب التاريخ لتقبع في تلك الدائرة المجهولة حتى نحو عقد من الزمان. ومن المتعذر حقاً تفسير تأخر الاستحقاق الذي نالته هذه الأيقونة العلمية.

تشوب المسرحية مسحةٌ كوميدية تساورها المرارة وإن لا تنساق إلى وضع فرانكلين في إطار الضحية النسوية لرجال كارهين للمرأة، “باعتباري فتاة أفخر بأني دائماً على حق”. كما لم يغر النصَ قذفُ منافسيها من العلماء بالعصابة الشريرة. كان راي جوزلينج، مساعد فرانكلين، قد وصف التعامل مع فرانكلين بأنه كالتعامل مع فرنسي يصر على الحديث بالإنكليزية كي يعايرك بلغتك الفرنسية الركيكة.

لقطتة من المسرحية المثيرة للخيال والمفتوحة على قراءات مسرحية شتى

للرجال فقط

يبدأ النص الفائز بمسابقة المسرح العالمي عام 2008 بعمل فرانكلين زميلة بحثية في كلية كينجز بلندن في مستهل عام 1951. وفي يومها الأول بالكلية، تستاء بكل عدوانية من رفع ويلكنز للكلفة بينهما وتوَقُع الآخرين أن تعمل مساعدة له. ومن جانبه يرميها المتحذلقُ بثقل الظل وكأن الغرض من العالمة هو الترفيه عنه، ثم يمضي لتناول طعامه في غرفة مخصصة للرجال لا غير، وبالطبع محظورة على الباحثات.

نتقهقر مع فرانكلين إلى معملها المتقشف الواقع تحت الأرض، فيبث فينا انطباعاً رطباً بأننا في غرفة محصَّنة بها من روح المدفن ما بها. ومثلها كمثل وجه البطلة الممتقع الشاحب، تتعالى مباني الكلية القوطية الأشبه بالسجن كما الأشباح. أكوام الدبش ملقاة هنا وهناك، والجدران متداعية متفحمة بفعل قنابل الحرب العالمية الثانية. ديكور واحد وحيد للمسرحية بأكملها صممه البريطاني كريستوفر أورام على طراز المعماري الإيطالي أندريا بيلاديو، رمزاً للعمارة الكلاسيكية الحديثة. وفيه لم تنل فرانكلين مكافأة سوى سرطان المبيض من جراء تعرضها للأشعة السينية.

لماذا إذن لا تتمكن البطلة من إحراز ما أحرزه التالون قبل أن يقضي عليها المرض في سن السابعة والثلاثين؟ هل يسبقها الموت ببساطة؟ لا، يغرس أبوها فيها روح الشك، محذراً إياها ألا تخطئ على الإطلاق لو ثابرت على مهنة العلم. ومن هذا المنطلق، تتعامل العالمة بروح المرتابة مع معطياتها البديهية، وما تسعى إلاّ إلى الكمال وحده.

وبعينين محملقتين مفعمتين بلمعة الفضول وذهن العالِمة المحبَط دوماً، يحوم نظرها في ارتياب مقيم فوق صورة ما، يضيئها مصباحٌ متطفل لا يختلف عن مصباح مشرحة. لا تنجح في التعرف على الحلزون، فتتبدل سيرتها إلى الأبد.

تخاطب ويلكنز، “تريد أن تعرف كيف كان جو المعمل؟ لقد جعلْنا المخفيّ مرئياً. وسعنا أن نبصر الذرات، لا نبصرها فقط، وإنما نتحكم فيها، نحركها هنا وهناك. تحلينا بقوة وأيّ قوة. وشعرنا وكأن أدواتنا امتداد لأجسادنا. استطعنا رؤية كل شيء، رؤيته حقاً، عدا أحياناً ما تجسَّد أمام ناظرينا مباشرة”.

وعلى النقيض التام، تُصَور المسرحية واطسون -ويلعب دوره البريطاني ويل أتينبورا- عالماً متهوراً يمسه شيءٌ من الجنون، إنه شرير الدراما. يقفز بلا هوادة، والعلكة لا تفارق فمه، قفزات ثقة لا تدري مِن أين تأتيه، اتكالاً على بيانات فرانكلين التي حالت حيطتها دون أن ترنو إليها بعين المغامرة. يصم فرانكلين بأنها “بغيضة ذات ابتسامة لاذعة”. وفي النهاية، يحتال بشفقته المزيفة على ويلكنز مما يدفع الأخير إلى أن يريه الصورة، في لحظة اختلاس، ليثْبت أنه وفرانكلين “لا يلعبان”.

فرانكلين تعيش حياة موحشة، لا تمر بها علاقة عاطفية واحدة

حائط صد سيكولوجي

تعيش فرانكلين حياة موحشة، لا تمر بها علاقة عاطفية واحدة، سمتها كبت عاطفي خليق بالعلماء. حتى حين ترد إليها أنباء مرضها، لا تزايلها العزيمة، ولا يند عنها سوى التقهقر إلى معملها. فرانكلين نفسها لا تنطق بالكثير، ولكنها تظْهر في تفانيها استماتةً في الدفاع عن آرائها. والخطابة المعِيبة تتناهى إلينا من أفواه الشخصيات الأخرى التي كثيراً ما تخطو فوق مربعات شبه شفافة، تنير بعضها كما في صالات الديسكو لطرح بعض الظلال وخلق أثر درامي.

لا تُبرزها المسرحية، كغيرها من الأدبيات، باعتبارها قديسة. وإنما تحسر النقاب عن عيوبها التراجيدية. تصد العالمة ما تشهده من تمييز جندري ومعاداة للسامية بانعزال فظ لا يعْرف الهراء، مكررةً، “إنني لا أمزح”. وتطل علينا بطبيعة برِمة تفْرط في الوسوسة وتكاد تدنو من احتقار الآخرين، شخصية مهَرت كيدمان في تشخيص أبعادها المتعددة بمنتهى التوازن، وبلكنة إنكليزية خالصة، أتقنتها مع تقمصها لشخصية فيرجينا وولف في فيلم “الساعات”.

وما المظهر الغليظ إلا حائط صد سيكولوجي لا يلين، غرضه الدفاع عن النفس في عالم ذكوري، يسبغ على الأحيائي أضعاف ما يسبغ على الأحيائية، وعلماء يتفضلون عليها بمجرد التحية ويتعاملون معها بوصفها عقبةً أو على الأقل قائمةً بدور السَّنِيدة.

تتلبس كيدمان الشخصية المنهجية المتزمتة بما عهدنا منها في السينما من براعة. وبتشبث فرانكلين بكبريائها الفولاذي وإيثارها العزلة، ترفض التعاون مع ويلكنز، فلا تصير فقط فريسة لانتهازية الرجل، وإنما ألد أعداء نفسها، خالقةً عن عمد صورة نمطية للعالمة، أنها خشنة مثل الرجال، وغير محبوبة.

إن هذه المسرحية، التي أنتجت عشرات المرات في عدة دول، تدلو بدلوها في أعظم فتح علمي في تاريخ الأحياء بالقرن العشرين، مزيحةً الستار عن البعد الإنساني من تاريخ العلم بمكائده وأسراره، “أردنا أن نحكي قصة ملحمية. إنه ظلم علمي فادح،” يقول غراند إيدج. ولا يفوت المؤلفة أن تركِّز على ما يلطخ نقاء العلم والاكتشاف من فساد في الأخلاق وتمييز جندري روتيني.

15