نيكي هايلي.. في السياسة والحظوة

لن يكون ما خرجت به هيئة متابعة الفساد قبل يوم من إعلان هايلي استقالتها، سببا في الاستقالة. لكن مؤشر الواقعة ينبه إلى أنها ومتطرفو إسرائيل يتبادلون السخاء. هي في السياسة وهم في الحظوة.
الخميس 2018/10/11
أجادت اقتناص الفرص

اختتمت العديد من الصحف الأميركية القصة الخبرية عن استقالة نيكي هايلي من منصبها، كسفيرة للولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة؛ بإشارة مقتضبة تقول إن إعلان الاستقالة جاء بعد يوم واحد من ظهور تقرير لهيئة ملاحقة الفساد في ولاية كارولاينا الشمالية – وهي الولاية التي فازت فيها بمنصب المحافظ في العام 2010- يؤكد أن هايلي قبلت وتمتعت بسبع رحلات جوية فاخرة جدا، رشاها بها كبار رجال الأعمال في الولاية. وعلى الرغم من صعوبة الربط بين واقعة الرشوة والحظوة، واستقالتها المفاجئة غامضة الأسباب؛ إلا أن الرأي يرجح بأن هناك العديد من العوامل أو الوعود، التي دفعتها إلى الهرب إلى الأمام. والأمام عندها، هو الرئيس دونالد ترامب والمبالغة في إظهار الولاء له والقناعة بسياسته، بل والمزايدة فيها عليه.

لم تكن نيكي هايلي معجبة بدونالد ترامب، لكنها قلبت دفة المولاة له بعد أن أصبح ترامب مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة في العام 2016. فقد أجادت اقتناص الفرص ونجحت في الوصول إلى منصب حاكم ولاية كارولاينا الشمالية، وأصبحت الشخص الثالث من “غير البيض” في تاريخ الولايات المتحدة، الذي ينتخب حاكماً لولاية. وقبلها، في انتخابات 2012 عرض عليها مات رومني، مرشح الحزب الجمهوري، الترشح معه لمنصب نائب الرئيس، متأثراً بمؤشرات أكيدة على احتمالات استفادة باراك أوباما من أصوات “غير البيض” من الأصول الأفريقية والإسبانية، ومن أصوات الشباب والنساء. لكن هايلي رفضت متحسّسة نواقص تجربتها حتى ذلك التاريخ، ووضعت رفضها، متعمدة، في قالب أخلاقي قائلة “شكراً لك، واعتذر عن قبول عرضك، فقد وعدت الشعب بخدمته، وأنا لا أُخلف وعدا”.

وفي انتخابات 2016 راهنت في بداية السباق على ترشيح الحزب الجمهوري، على المتسابق ماركو ريبيو، سيناتور فلوريدا، وانتقدت بشدة دونالد ترامب، بل وردّدت اتهامات مات رومني له في سلوكه الشخصي وذمته وأخلاقه وتهربه من الضرائب. ولما خرج ماركو ريبيو من السباق، دعمت المتسابق تيد كروز، لكن هذا خرج هو الآخر، فلم تجد مصلحتها إلا مع دونالد ترامب، المرشح الذي رسا عليه الحزب الجمهوري.

وسرعان ما تقبّلها ترامب، في الأسابيع القليلة التي سبقت الانتخابات الرئاسية، لكي يوازن بين تصريحاته العدائية ضد الملونين والعنصر “غير الأبيض” وخياراته الجدية في معاونيه وأذرع إدارته. وتأرجحت وعوده لها بين أن تكون السفيرة التاسعة والعشرين للولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية، وأن يجعلها وزيرة للخارجية، باعتبارها حسب تعريف مجلة “إيكونوميست” ذات صفات تجمع بين الضراوة في المسائل المالية على النحو الذي يضاهي ضراوة رجل الأعمال الحذر والشحيح، والقدرة الفائقة على التصالح الشخصي في سياق الخلاف.

ولعل هذه هي الصفات التي جعلت ستيفان روجاريك، الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، يعرب عن تقديره للسفيرة الأميركية، بعد إعلانها عن استقالتها، ويصف فترة العمل معها بالمثمرة والمحبّبة. ولما سُئل روجاريك، باستهجان، كيف يُثني على نيكي هايلي، وهي التي ثابرت على سياسة تقليص ميزانية الولايات المتحدة لمنظمات الأمم المتحدة بنحو 1.5 مليار دولار، واعتمدت سياسة تهدف إلى تصفية وكالة “أونروا” لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم، ولعبت دورا رئيسا في سياسات واشنطن الخارجية، لا سيما سياسة خروج الولايات المتحدة من العديد من الاتفاقيات الدولية، فضلا عن تخفيض مساهمات الولايات المتحدة لمؤسسات الأمم المتحدة العديدة. أجاب الرجل متهربا وقال إنه يترك للمختصين تعليل سبب هذا الثناء.

قبل أن تتسلم منصبها في الأمم المتحدة، وصفها سيناتور كارولاينا ليندسي غراهام، المعروف بتشدّده اليميني، بأنها أقوى داعم لإسرائيل في الولايات المتحدة. فهي التي وقّعت على مشروع قانون غير مسبوق في تاريخ ولاية كارولاينا، يفرض عقوبات مشددة ويُشرّع سحب الاستثمارات من أي جهة أو مؤسسة تحاول مقاطعة إسرائيل، إذ صرّحت بعد توقيع القانون قائلة “إن فشل الأمم المتحدة لم يكن في أي مسألة وفي أي موضوع، أكثر اتساقا وأكثر فظاظة، من تحيز المنظمة الدولية ضد إسرائيل حليفنا الموثوق”.

هناك شيء غير طبيعي يقف وراء تطرف نيكي هايلي ومواقفها شديدة العداء لقضايا الأمم، وقضايا التعاون الدولي، لا سيما الاتفاقات المبرمة بين الدول الصناعية الكبرى. بل ثمة غرابة في تكوينها الثقافي. فمن حيث الأصول العرقية، هي ابنة أسرة هندية من طائفة السيخ، تزوجت من أميركي ينتمي إلى الأقلية المسيحية التابعة للحركة “الميثودية” لما يسمّى الإصلاح واستعادة مجد الكنيسة الإنكليزية. ونيكي هايلي، تعتبر نفسها  مسيحية بروتستانتية، لكنها ظلت على ازدواجيتها الدينية، فأقيمت لزواجها من ميتشيل هايلي، حفلتان، واحدة في معبد سيخي والثانية في كنيسة ميثودية، وقد سافرت للحج إلى “المعبد الذهبي” السيخي، في “أرمستار” الهندية في ولاية البنجاب.

لن يكون ما خرجت به هيئة متابعة الفساد في ولاية كارولاينا، قبل يوم واحد من إعلان نيكي هايلي استقالتها، سبباً في هذه الاستقالة. لكن مؤشر الواقعة ينبّه إلى عنصر يمكن افتراضه، وهو أنها ومتطرفو إسرائيل يتبادلون السخاء. هي في السياسة وهم في الحظوة.

8