نيكي هيلي أميركية حملت معها البريق للأمم المتحدة

شائعات ترتفع في واشنطن حول حتمية عودة هيلي إلى الساحة السياسية وبقوة سواء في السنة الأخيرة من الفترة الرئاسية الأولى لترامب أو في العام 2026 كمرشحة رئاسية.
السبت 2019/09/21
نيكي هيلي والعودة الحتمية إلى الساحة السياسية

يوم 8 أكتوبر من العام 2018 كان يوما حاسما في الحياة السياسية والمهنية لحاكمة ولاية ساوث كارولاينا ثم سفيرة واشنطن إلى الأمم المتحدة نيكي هيلي. في ذلك اليوم ألغت هيلي على حسابها العام في تويتر منصبها كسفيرة واشنطن قبل ساعات من إعلانه رسميا، في خبر تناقلته وسائل الإعلام وفاجأ العديد من الدوائر السياسية في واشنطن تماما كما فاجأ مسؤولي البيت الأبيض.

 أما الرئيس ترامب فقد دعاها للقدوم إلى البيت الأبيض في اليوم التالي والإعلان رسميا في مؤتمر صحافي عن استقالتها التي وافق عليها حين تقديمها وأثنى على العمل الهام الذي قامت به خلال عامين من شغلها للمنصب.

متعددة الثقافات

العلاقة بين مثلث صناعة القرار السياسي في الشأن الخارجي والقضايا المتعلقة التي كانت قائمة ما بين بومبيو، هيلي، وبولتون، أصابها خلل استراتيجي حساس حول كيفية التعامل مع القضايا الملحّة
العلاقة بين مثلث صناعة القرار السياسي في الشأن الخارجي والقضايا المتعلقة التي كانت قائمة ما بين بومبيو، هيلي، وبولتون، أصابها خلل استراتيجي حساس حول كيفية التعامل مع القضايا الملحّة

من غير المعروف حتى الآن الأسباب الحقيقية وراء استقالة هيلي وهي الشخص المقرّب من الرئيس ترامب لأن كتاب استقالتها كان مقتضبا وعاما لا تفاصيل فيه، إلا أنها أكدت أنه ليست لديها أي نية بالترشّح للانتخابات العام 2020 وأشارت بيدها إلى الرئيس ترامب الذي كان يجلس إلى جانبها خلال المؤتمر الصحافي وقالت “سأدعم هذا الرجل في الانتخابات الرئاسية القادمة”.

 ترامب قال في المؤتمر في اليوم التالي إن هيلي كانت قد أبلغته قبل ستة أشهر بأنها تحتاج إلى قسط من الراحة بعيدا عن منصبها. ثم أضاف في جملة لافتة تحمل العديد من الأوجه والتوقعات “لقد قمنا معا بعمل رائع. أتمنى أن تعود إلى الإدارة في منصب آخر”. وضحكت هيلي وقالت “لك حق الاختيار”.

ووعد ترامب حين قبل استقالة هيلي بأنه سيعيّن من يخلفها في منصبها خلال مدة لا تزيد على أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، إلا أن المنصب بقي خاليا حتى صيف العام 2019 حيث عيّنت السفيرة الأميركية السابقة في كندا، كيلي كرافت، خلفا لهيلي. وكان من بين ما وصفها به الرئيس ترامب قوله “لقد جعلت هيلي لهذا المنصب بريقا”.

مولد هيلي كان في العام 1972 لأبوين من الهنود السيخ، في ولاية ساوث كارولاينا حيث نشأت وتعلمت ونالت إجازة البكالوريوس في علم المحاسبة من جامعة كليمسن. عائلتها عائلة متعلمة، فوالدها وصل إلى كندا بعد أن تلقى منحة دراسية من جامعة كولومبيا، ووالدتها تحمل درجة الماجستير في التربية والتعليم. وإثر نيل والد هيلي درجة الدكتوراه في العام 1969 انتقل مع عائلته إلى ولاية  ساوث كارولينا  ليستقر في الولايات المتحدة ويصبح أستاذا جامعيا.

تنقلت هيلي في العديد من الوظائف البارزة قبل دخولها عالم السياسة. ففي العام 2003 أصبحت عضوا في مجلس إدارة غرفة تجارة ليكسينغتن، وفي العام نفسه شغلت موقع أمينة الرابطة الوطنية لسيدات الأعمال ثم ترفعت إلى منصب رئيسة لفرع الرابطة في ولاية ساوث كارولاينا.

دخلت عالم السياسة في سن مبكرة، وعملت في مجلس نواب ولاية ساوث كارولاينا عدة سنوات قبل أن تصبح حاكمة الولاية.  وبوصولها إلى موقع حاكمة هذه الولاية المحافظة، والتي لها تاريخ طويل في التفرقة العنصرية والنعرات العرقية، تكون هيلي قد تجاوزت كل هذه العقبات والمؤثرات المجتمعية التي تشكّل المزاج المجتمعي العام للولاية لتصبح أول هندية أميركية من الأقليات العرقية تتولى هذا المنصب في ولايتها.

مثلث الأزمات

كواليس السياسة في واشنطن تسري فيها اليوم تسريبات وتنبؤات تقول إن الرئيس ترامب سيكون أمام بعض الخيارات المختلفة والمفاجئة، في مقدمتها تعيين هيلي وزيرة للخارجية
كواليس السياسة في واشنطن تسري فيها اليوم تسريبات وتنبؤات تقول إن الرئيس ترامب سيكون أمام بعض الخيارات المختلفة والمفاجئة، في مقدمتها تعيين هيلي وزيرة للخارجية

تسري وراء الكواليس السياسية في واشنطن تسريبات وتنبؤات أن الرئيس ترامب بعد إقالته لمستشار أمنه القومي مؤخرا جون بولتون، سيكون أمام بعض الخيارات في مقدمتها تعيين نيكي هيلي وزيرة للخارجية.

وإذا حاولنا معرفة لماذا غادرت هيلي موقعها في الأمم المتحدة قد يسهل علينا معرفة إمكانية عودتها إلى عالم السياسة من عدمه. فهيلي من المسؤولين القلائل في إدارة الرئيس ترامب الذين لم يخرجوا بسبب خلاف معه أو يطردوا من قبل الرئيس لعدم رضاه عن أدائهم، بالعكس تماما، فخروجها من منصبها فاجأ وأحزن الجميع وعلى رأسهم سيد البيت الأبيض الذي كان معجبا بعملها وشخصيتها وولائها.

المراقب للمشهد السياسي في العاصمة يستطيع أن يستشف من خلال مجريات الأمور ومتابعة خيوط الحدث والعلاقات بين أطراف الإدارة الأميركية ويخلص إلى بعض الفرضيات لاستقالة هيلي.

فالفرضية الأولى تستدعي طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين مثلث صناعة القرار السياسي في الشأن الخارجي والقضايا المتعلقة وهو: بومبيو، هيلي، وبولتون؛ حيث حدث فيه خلل استراتيجي حول كيفية التعامل مع القضايا الحساسة والملحّة؛ ففي الوقت الذي يبدي فيه بومبيو وبولتون تشددا في تنفيذ السياسات الخارجية ولاسيما مع الدول التي تسمّيها الولايات المتحدة بالمارقة، كانت هيلي تميل إلى جرّ السياسة الأميركية في التعاملات الدولية إلى المزيد من الوسطية والاعتدال. هذا الاختلاف في النهج أدى إلى اختلال في توازن هذا المثلث حيث يعرف عن هيلي قوة شخصيتها وقدرتها على تنفيذ سياساتها، بل وفرضها في بعض الأحيان.

الأسباب الحقيقية وراء استقالة هيلي غير معروفة حتى الآن، وهي الشخص المقرّب من الرئيس ترامب. فكتاب استقالتها كان مقتضبا وعاما لا تفاصيل فيه، إلا أنها أكدت أنها ليست لديها أي نية بالترشّح للانتخابات العام 2020

وكانت نقطة الافتراق في أضلاع المثلث عندما أعلنت هيلي في الأمم المتحدة عن نيّة ترامب فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، ما أثار غضب عدة مسؤولين بارزين، من بينهم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي واعتبروا هذا التصريح تسرّعا منها في غير مكانه ولا زمانه.

وإذا كانت هيلي قد اصطدمت براديكالية بومبيو وبولتون إلا أنها كانت من الذكاء والحنكة بحيث تجنبت أي خلاف ولو بسيط مع الرئيس ترامب وخرجت من منصبها بطريقة سلسة بدت واضحة في ظهورها الأخير مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض حيث أعلنت عن استقالتها.

أما الفرضية الثانية فتشي بأن هيلي تطمح فعلا بالترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2026 بحيث يستمر حكم الجمهوريين لدورة رئاسية ثالثة، وهذا ما يمكن أن يشجعه ترامب بقوة. فهيلي ما زالت شابة ولافتة وقوية المراس، وكانت قد حققت نجاحات ملحوظة في المناصب المختلفة التي تنقلت فيها في الإدارة الأميركية والشأن الحكومي الأميركي، وقد أثبتت حضورا مميزا أدى إلى تمكين دور المرأة في العالم السياسي الأميركي فعلا لا قولا. ونيكي هيلي من الفطنة والمعرفة بأنه عليها أن تصل إلى العام 2026 بسجل نظيف سياسيا وماليا واجتماعيا. بالتالي يجب عليها أن تتخلص من بعض الديون المتراكمة بسبب محدودية دخلها من العمل الحكومي الذي عوائده متواضعة جدا، وتفي بتلك الديون لبنوك الائتمان من خلال العمل في مجال الاستشارات السياسية الذي يدر أرباحا كبيرة نسبيا، أو من خلال نشر الكتب التي يمكنها كشخصية شهيرة أن تجمع منها عائدات كبيرة. وبالفعل أطلقت هذا الأسبوع كتابها الجديد الذي يحمل عنوان “مع واجب الاحترام – الدفاع عن أميركا بحزم ورفعة” ومن المتوقع أن يلاقي إقبالا كبيرا، خصوصا وأنها أرفقت به قراءة مسجلة بصوتها.   

المرأة والسياسة

هيلي تطمح إلى الترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2026 بحيث يستمر حكم الجمهوريين لدورة رئاسية ثالثة، وهذا ما يمكن أن يشجعه ترامب بقوة. فهي ما زالت شابة ولافتة وقوية المراس
هيلي تطمح إلى الترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2026 بحيث يستمر حكم الجمهوريين لدورة رئاسية ثالثة، وهذا ما يمكن أن يشجعه ترامب بقوة. فهي ما زالت شابة ولافتة وقوية المراس

مع كل ما تقدّم نستطيع القول إن هيلي استطاعت تغيير شكل وفاعلية مشاركة المرأة السياسية في المواقع الحساسة الدبلوماسية والسياسية حيث تتخذ قرارات حاسمة في العلاقات الدولية للولايات المتحدة التي غالبا ما تساهم في تشكيل خارطة العلاقات الدولية في العالم بأسره.

كانت هيلي أول امرأة سارع ترامب إلى تعيينها في إدارته حين فاز بانتخابات الرئاسة في العام 2016. وبرغم الشائعات التي سرت عن علاقة عاطفية تربط بينها وبين الرئيس، فهيلي نفت بشدة هذا الأمر واستنكرت بقوة تلك الشائعات ووصفتها في تقرير نشرته وكالة رويترز للأنباء بأنها شائعات “بغيضة للغاية وتثير الاشمئزاز”.

وقد أعادت هيلي تلك الشائعات إلى التمييز الذي يمارسه بعض الرجال ضد المرأة  وخصوصا عندما تنافسهم بقوة في مواقع صناعة القرار، وقالت “معظم الرجال يحترمون النساء، لكن هناك مجموعة محدودة من الرجال يشعرون بعدم الراحة في حال قيامك بوظيفتك بشكل جيد وصادق، وهم يعتقدون أنّ الخيار الوحيد أمامهم هو تحطيم معنوياتك”.

مع نفي هذه الشائعات ترتفع شائعات أخرى في واشنطن حول حتمية عودة هيلي إلى الساحة السياسية وبقوة سواء في السنة الأخيرة من الفترة الرئاسية الأولى لترامب، أو في العام 2026 كمرشحة رئاسية.  المقبل من الأيام سيضعنا في المشهد مكتملا؛ وسواء رشح الرئيس ترامب هيلي لموقع الخارجية أو الأمن القومي أم لم يفعل ذلك، إلا أن هيلي عائدة إلى الأضواء السياسية في وقت ما لا ريب.

12