نيلسون ماكامو.. فنان جنوب أفريقيا المتفائل دائما

إقبال نيلسون ماكامو على رسم الأطفال طريقة لمساءلة المستقبل، وأعماله تخضع إلى نظر وتفكير في الحالة الذهنية لجيل ما بعد الأبرتهايد.
الاثنين 2019/08/19
الأطفال أيقونة الجيل الجديد

احتضن رواق "لو آند لو" بالعاصمة الفرنسية باريس معرضا للفنان الجنوب أفريقي نيلسون ماكامو، الذي دأب على التقاط لحظات الفرح المرتسمة على وجوه أطفال يثق في قدرتهم على تغيير الأوضاع مستقبلا برغم حياة البؤس التي يحيونها، لأنه يؤمن بأن الفن ينبغي أن يكون متفائلا.

نيلسون ماكامو هو فنان عصامي من جنوب أفريقيا، ولد عام 1982 في محافظة ليمبوبو المتاخمة لبوتسوانا وموزمبيق. مارس الرسم وحيدا، قبل أن ينتقل إلى جوهانسبورغ ليلتحق بأستوديوهات دليل الرسام لمدة ثلاث سنوات، دون أن يعدل عن الخط الذي اختاره. فقد ولع منذ بداياته بفن البورتريه، وكان يستوحي رسومه من شخصيات من محيطه، ولاسيما الأطفال، ثم جعل ذلك عامّا، في إطار سعيه لإبراز فكرة عن جيل ما بعد الأبرتهايد وحالته الذهنية.

ذلك أن أفريقيا الجنوبية هي مصدر إلهامه الأول، سواء في ضواحي عاصمتها جوهانسبورغ، أو في مناطقها الريفية، قبل أن يتنقّل عبر مناطق أخرى من القارة الأفريقية، ويواصل سعيه لتقديم صورة مغايرة عنها وعن شعوبها، للتعارف أولا، ولبناء المستقبل ثانيا، أي أن سعيه يمزج بين التاريخ الخاص والتاريخ المشترك.

ذلك أن إقباله على رسم الأطفال هو طريقة لمساءلة المستقبل، لأن طفل اليوم هو رجل الغد. ومن ثَمّ كان يحرص على تقديم أطفال تنعكس على محياهم ثقة في النفس وعزم على تحدي الصعوبات، أيا ما تكن، حيث يتميز أسلوبه بدينامكية تساهم لمسات اللون في إبراز أثرها، مثلما يتميز بالأطر التي يحيط بها بورتريهاته والتي تذكر بالصور الشمسية، ما يحيلنا على طريقة الخلق لدى هذا الفنان.

وبعد أعوام من العمل الجاد فرض ماكامو حضوره في الساحة الفنية المحلية، وساهم في العديد من المعارض مع أسماء جنوب أفريقية بارزة أمثال ديفيد كولوان، ووليم كنتريدج وكرلبرت ماشيلي، ممّن يعتبرهم رواة الحياة اليومية.

طفل اليوم هو رجل الغد
طفل اليوم هو رجل الغد

ثم سطع نجمه خارج حدود بلاده عندما نشرت مجلة “تايم” الأميركية إحدى لوحاته على غلافها، واختارته ليجسّد برسومه العدد الخاص الذي أعدّته حول “التفاؤل في الفن”، فصار اسمه يتردّد على الألسن، وتلقف أعماله مشاهير العالم أمثال نجم الموضة جورجو أرماني، والإعلامية أوبْرا وينفري، والمخرجة أفا دوفرني وحتى باراك أوباما. مثلما اعتبرته الأسبوعية الجنوب أفريقية “ميل أند غارديان” النجم الجديد للساحة الفنية المعاصرة، بعد حصوله على جائزة الطليعة من جامعة هارفارد.

ويُخضع نيلسون ماكامو مختلف أعماله إلى نظر وتفكير في الحالة الذهنية لجيل ما بعد الأبرتهايد، أولئك الذين ولدوا أحرارا (born frees)، ويعبرّ عن ذلك من خلال أطفال يرسمهم على فضاء اللوحة كلها، وهم يبتسمون للحياة، لا يبالون بشيء.

بعضهم رأى في تلك الرسوم محاولة منه لتجميل الواقع البائس في أفريقيا، ولكن ماكامو يعتقد أن الفقر والأمراض والكوارث والبطالة والجريمة هي مشاكل أطنب المتخصّصون في تصويرها بطرق مختلفة، ولكنها ليست الواقع كله.

وإذا كان من حق الآخرين أن يتوقّفوا عند تلك المظاهر الاجتماعية، فإنه يخيّر التوقف عند مظاهر أخرى لا يعدمها واقع بلاده، ويعني بها السعادة وفرحة
الحياة وروح الخلق رغم الصعوبات، لكون تلك الصورة مغيّبة في أغلب الأحيان، أي أن رؤيته الإيجابية لأفريقيا مشروعة هي أيضا. وهو خيار لا بدّ منه في نظره.

إن إقبال ماكامو على رسم الأطفال ليس جديدا، ولكن الجديد هنا أنه، خلافا لبعض الرسامين الكلاسيكيين الذين يركّزون على الطفولة كبراءة طوباوية أو يُظهرون الأطفال في صورة ضحايا الكبار، يقدّمهم في صورة أيقونة جيل جديد، جيل يثق في قدراته ويريد أن يمسك بمصيره.

مجلة “تايم” الأميركية تنشر إحدى لوحاته على غلافها
مجلة “تايم” الأميركية تنشر إحدى لوحاته على غلافها

وماكامو ليس من السذاجة كي يؤكّد أن أطفال جنوب أفريقيا جميعا في خير عميم، ولكنه يلملم شظايا الواقع ليخلق الأيقونات الجديدة لمجتمع يريد امتلاك تاريخه، لأن الطفولة تحدّد من نكون، والتاريخ يقود إلى ما نحن عليه. وهما بعدان متصلان في كل أعماله المعروضة.

في لوحاته المعروضة حاليا برواق “لو آند لو” الباريسي يبدو الأطفال سعداء، النظرة حالمة، والوجه يشرق بالفرح، ما يوحي أنهم يتطلّعون إلى الحياة والعلاقات الإنسانية في سعادة أو لامبالاة. تلك الوجوه، المرسومة بالدهن الزيتي أو الفحم أو الحبر أو البستل على قماشة من الكتّان البلجيكي تعكس المجتمع الذي يحيط بها، وتكتسي، بفضل محليتها بعدا كونيا. هي لوحات تدعو إلى التساؤل، ولكنها تبعث أيضا برسالة أمل، عبر أطفال مُبتسمين في الغالب، أطفال سوف تعهد إليهم في الغد كتابة تاريخ وطنهم.

هذا التفاؤل بمستقبل بلاده ومستقبل القارة السمراء يستمده ماكامو من أفكار بعض الكتاب والمفكرين الأفارقة مثل الكيني نغوجي وا تيونغو، والكاميروني أشيل مبيمبي، وحتى من الفرنسية فرنسواز فيرجيس، وكلهم يؤكّدون على ضرورة “تصفية الأذهان من الاستعمار”، أي التخلي عن رؤية الغرب الكولونيالي، والنظر إلى المستقبل بعيون أفريقية، إذ يقول “سوف نتقدّم فعلا حين نغيّر نظرتنا إلى أنفسنا، ونخلصها من المنظار الغربي”.

والخلاصة أن نيلسون ماكامو فنان يسعى إلى التعريف بآمال بلاده وطاقاتها لدى أكبر قدر من الناس، وتقديم صورة أكثر إيجابية عن قارته.

16