نيمار دا سيلفا نجم كرة القدم البرازيلي الذي تلاعبت به قطر وإسرائيل

السبت 2017/08/12
نيمار دا سيلفا من سطوة ميسي في برشلونة إلى سطوة مالكي السان جرمان

تونس- قبل يومين فقط على صفقة رحيل البرازيلي نيمار دا سيلفا من برشلونة إلى باريس سان جيرمان الفرنسي، علّق فيسنتي ديل بوسكي، المدير الفني السابق لمنتخب إسبانيا، بالقول لصحيفة “آس” الإسبانية إن “برشلونة تخلى عن لاعب متقلب المزاج ولا يمتلك مستوى ثابتا، ولذلك أرى أنّ الفريق الكتالوني سيكون أفضل دون نيمار”.

وقبل تأكيد خبر انتقال نيمار إلى فريق باريس سان جرمان الفرنسي، المملوك للقطريين في أغلى صفقة انتقال بلغت 222 مليون يورو دخل على إثرها النجم البرازيلي البورصة العالمية، ظن الجميع أن الحديث عن مثل هذا النوع من الانتقالات هو من هواة الأساطير ومتابعي الأخبار المضلّلة، لكن شاءت الأقطار أن تتحكم سطوة المال في مصائر الأمور وتحوّل مجراها من ناضب إلى دائم السيلان. ذلك هو المنطق المعكوس وتلك هي فرضيات اللعبة التي لا تأتمر بأمر حاكم ولا تقبل الانتظارات خصوصا في سوق الانتقالات.

السوق المفتوحة

الدسائس والأسرار في عالم كرة القدم عديدة، متشابكة ومتنوعة وأحيانا تصل حد التناقض التام. اللعبة تطرح على محبيها والمهووسين بأطوارها جوّا من التفصيل المنطقي من خلال تتبع أبرز النجوم على مدار موسم كامل من المباريات المشحونة واللقاءات الهامة والتنافس على أبرز البطولات، لكن خلال فترة الانتقالات وتحديدا الصيفية منها تغيب هذه الحاسة لتفسح المجال لحواس أخرى بالظهور.

السوق مفتوحة والنجوم موجودون بأصنافهم وتطلّعاتهم لتغيير وجهاتهم. لكن لا أحد يعلم الخبايا والأسرار التي تتحكم في هذا النجم أو تحرّك ذاك حتى وإن كان في أعرق ناد بالعالم.

برشلونة الإسباني ناد عريق ذو صيت واسع في العالم بين النوادي الأوروبية يدفع بسخاء، لكنه أبدا لن يكون نادي الإغراء. صحيح أن الفريق، طوال مسيرته الكبيرة المشهود بها ضمّ نجوما كبارا ويحلم العديد من اللاعبين الآخرين بأن يدخلوا أسواره، لكنّ انتقال اللاعب البرازيلي نيمار إلى باريس سان جرمان الفرنسي عرّى الكامن في إدارة الفريق وأسقط كل التكهنات ووضع لغة العاطفة جانبا ليفسح المجال لسطوة المال. الفريق الإسباني الذي نجح في تحصين نجمه الأوحد ليونيل ميسي بتجديد تعاقده معه إلى 2021 عجز عن تطويق نجمه الثاني من حزام التهرب الضريبي الذي يلاحقه غداة صفقة انتقاله إليه.

من لا يعرف النجم البرازيلي نيمار هو بالتأكيد شخص لا يدرك لفن اللعبة أيّ معنى، يعرف بغريب الأطوار، وإن كانت المزاجية لا تعرف طريقها إلى قلبه. لاعب موهوب وجوهرة نادرة في تاريخ البرازيل. منذ سطع نجمه في العالم غطى على الكثير من المواهب والنجوم الكبيرة للكرة البرازيلية التي ظل الجمهور في مختلف أنحاء العالم يردد أسماءها على غرار روماريو ورونالدينيو ورونالدو وروبينيو. حكاية نيمار أغرب من الخيال وربما حتى أن الخيال لا يقبلها أحيانا.

حياة نجم السيليساو

جهود الوسيط الإسرائيلي بيني زهافي، الذي ساعد القطريين على إتمام صفقة انتقال نيمار تبقى هي الخبر الأبرز

عاش نيمار، الذي يلقب بـ”اللاعب المعجزة”، لكي يصل إلى فوق مستوى التوقعات الكبيرة. فقد استطاع أن يحصل على أربع جوائز لأفضل لاعب كرة قدم على التوالي وهو لا يزال في سن الـ21.

نيمار، المولود في 5 فبراير 1992 بساو باولو في البرازيل، وجّه جلّ اهتماماته لممارسة لعبة كرة القدم المثيرة للإعجاب في سن مبكرة. برز أولا كنجم لنادي سانتوس في سن المراهقة فحصوله على لقب أفضل لاعب كرة قدم أربع مرات على التوالي جعل منه واحدا من الشخصيات العامة الأكثر شعبية في البرازيل. في مايو عام 2013 أعلن الشاب “الموهوب” انتقاله إلى أوروبا للعب لصالح نادي برشلونة أقوى ناد إسباني مع ريال مدريد.

اشتهر نيمار بترديده لعبارة “سأنتقل يوما”، مضيفا “بداية عليّ أن أعزّز مهاراتي في التسديد من الجهتين، التحرك، اللياقة والأسس كلها. كي أتأقلم وأتكيف مع ضغوط المنافسة”.

كان نيمار يوحي بأنه لا يريد المخاطرة، وبالتالي يفضل ألاّ يحرق المراحل فيخبو نجمه، ضاربا المثل بـ”بيليه الجديد” مواطنه روبينيو الذي انتقل من سانتوس إلى ريال مدريد في سن الـ21 قبل أن يحط الرحال في مانشستر سيتي ثم ميلان، ولم يقدم المرجوّ منه، ولم يرتق بالتالي إلى التطلعات المنتظرة منه.

يتحدر نيمار، واسمه كاملا نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور، من قرية موجي داس كروزيس بساو باولو في البرازيل لأب يدعى نيمار سانتوس وأم تسمّى نادين دا سيلفا. ورث اسمه عن أبيه الذي كان هو الآخر لاعب كرة قدم سابق وأصبح مستشارا لابنه، حين بدأت مواهب نيمار بالظهور.

كثيرا ما تحدث نيمار عن دور والده في حياته فقد كان إلى جانبه منذ الصغر وكان يعتني بكل التفاصيل الخاصة به وبعائلته أيضا. والده المثل الأعلى بالنسبة إليه، منه يأخذ أسراره وإليه يعود حتى في أبسط الأمور وأتفهها، حتى أن البعض يصفه بـ”الغارق في جلباب أبيه”.

ماراكانا والحياة

يذكر أليكس بيلوس الكاتب البريطاني، صاحب كتاب “كرة القدم-الحياة على الطريقة البرازيلية” الصادر عن مؤسسة “كلمة” للترجمة التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ضمن الطبعة العربية في نسخته الأولى عام 2001، أن أهم ثلاثة معالم في البرازيل هي “جبل رغيف السكر”، “تمثال المسيح على قمة كوركوفادو” و”ملعب الماراكانا” الأسطوري. أي بمعنى أن الحياة في البرازيل تقوم على الطعام، الدين وكرة القدم.

يحسب لنيمار أنه استنطق هذا الملعب ذات يوم. كان ذلك عندما احتضنت بلاده نهائيات كأس العالم في العام 2014. لكن سوء الحظ رافق أصحاب الأرض منذ بداية العرس العالمي، لينتهي الأمر بالنجم المدلل مصابا ولم تتسن له قيادة الفريق إلى حلمه. يتجدد الموعد مع النجم الموهوب ليبتسم له الحظ مرة أخرى فاتحا ثغره بنيل بلاده شرف استضافة الألعاب الأولمبية بريو دي جانيرو 2016، رغم الاحتجاجات الشعبية العارمة ضدها، فأدرك البرازيليون حينها أنه كلما تقدم منتخب بلادهم خطوة إلى الأمام كلما ازداد الضغط أكثر على نجمهم الأوحد نيمار الذي يحمل من الأماني ولغة الثأر ما يجعله يستنطق حتى “الماراكانا” نفسه ليكون خير شاهد على ملحمته الأسطورية وكان له ما أراد بالثأر للهزيمة المذلة أمام ألمانيا في 2014.

أول تعليق له تظاهر فيه النجم الأوحد لبلاد السامبا بأنه لم يكن يفكر أبدا في المال، لكن الواقع يشي بعكس ذلك

ككل اللاعبين الذين برزوا في البرازيل اكتسب النجم الأوحد في بلاد السامبا مواهبه في بداياته من ممارسة كرة قدم بالشوارع. في عام 2003 انتقل نيمار مع عائلته إلى ساو فيسنتي حيث بدأ اللعب لصالح منتخب الشباب البرتغالي، وبعد ذلك وفي وقت لاحق من عام 2003 انتقل نيمار إلى سانتوس حيث انضم إلى نادي سانتوس وبعد نجاحاته معه وارتفاع دخله الإضافي استطاعت عائلته أن تشتري أولى ممتلكاتها، فاقتنت منزلا بجوار فيلا بيلميرو وبدأت حياته العائلية في التحسن تدريجيا. وفي سن الخامسة عشرة استطاع نيمار أن يكسب 10 آلاف ريال برازيلي شهريا، وفي السنة التالية كان يكسب 125 ألف ريال شهريا وفي سن السابعة عشرة وقع نيمار عقد احتراف كامل مع فريق سانتوس الأول.

نيمار، كما سبقت الإشارة، هو ابن للاعب كرة قدم محترف سابق، ظل يسير على خطى والده عن طريق اللعب ضمن كرة قدم الشوارع وكرة القدم الخماسية، وخلال سنوات قليلة استطاع أن يكون من ضمن المواهب الشابة وحظي بتقدير كبير في البلاد.

انضم نيمار إلى نادي سانتوس لبطولة الأشبال في سن الحادية عشرة واستطاع أن يظهر قدراته في أوروبا، وتقدم نادي ريال مدريد وعرض عليه فرصة مواصلة اللعب في صفوفه في سن الرابعة عشرة، لكن إدارة فريق سانتوس أقنعت نيمار بالبقاء وقدمت له مكافأة كبيرة نظير ذلك.

في العام 2009 حصل نيمار على جائزة أفضل لاعب شاب في الدوري، وبرز كنجم لامع في عام 2010، وقاد سانتوس إلى كسب الدوري وكأس البرازيل، وكان هذا النجاح طريقه إلى ثلاثة ألقاب متتالية وأربع جوائز كأفضل لاعب على التوالي، وسرعان ما أصبح نيمار يحظى بشعبية كبيرة بين جماهير الشباب.

استطاع أن يسجل هدفه المهني الحقيقي في عيد ميلاده الـ20 في عام 2012، وعلى الرغم من أنه فاز لسانتوس باللقب الثالث على التوالي في الدوري، إلا أن هذا النجم الشاب كان مرة أخرى عرضة للانتقاد عندما خسرت البرازيل في العام 2012 في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية.

وفي حين نفى نيمار رحيله عن سانتوس بـ”حجة” أن عوده لم يشتد بعد، أكد مدربه موريسي رامالو إمكانية هذا الانتقال. وتصاعدت لاحقا وتيرة إشارات مغادرته مع إعلان سانتوس قبول التفاوض لبيع جوهرته الجديدة، منهيا ثلاث سنوات للإبقاء على لاعبه الذي أمضى 9 مواسم في صفوفه، وطبعا بعد أخذه الضوء الأخضر من والده.

حياة صاخبة

في مايو 2013، أعلن نيمار قرارا عمل على إحداث قفزة كبيرة في حياته، فقام بالانتقال إلى نادي برشلونة النادي الأقوى في إسبانيا والعالم، ويلعب في برشلونة المهاجم الأرجنتيني ليونيل ميسي وعدد من أعضاء المنتخب الإسباني وكانوا من اللاعبين المتميزين، وبعد ذلك بوقت قصير، استطاع أن يسكت نيمار العبقري منتقديه من خلال قيادة البرازيل للفوز في كأس القارات عام 2013، مشيرا وقتها إلى أنه على استعداد لتحمل توقعات أكبر على الساحة العالمية.

تألق أداء نيمار كثيرا في كأس العالم 2014 على أرض البرازيل والتي منها يتحدر، وفي 4 يوليو 2014 وقبل دقائق من انتهاء المباراة فازت البرازيل بمباراة ربع النهائي ضد كولومبيا، لكن الفوز لم يكتمل حيث أصيب نيمار بكسر في ظهره، وأخذ يبكي من شدة الألم بعد إصابته الناجمة عن تحد مع المدافع الكولومبي خوان زونيجا، وأشارت التقارير إلى أن إصابته هذه ستستغرق أسابيع للشفاء وسيتم تهميشه رياضيا للفترة المتبقية من البطولة.

كثيرة هي التقارير الصحافية التي ركزت قبل اتخاذ نيمار قرار مغادرة برشلونة على هروب الأخير من "سطوة ميسي"

الحدث الأبرز في حياة النجم البرازيلي الخاصة كان إقامة علاقة غير شرعية انتهت بإنجاب طفل. وقد وبّخته حينها وسائل الإعلام للإنجاب خارج إطار الزواج. وفجأة أصبح نيمار أبا لرضيع في عام 2011 وهو في سن التاسعة عشرة، ووالدة طفله كانت تدعي كارولينا دانتاس، وولد طفله ديفيد لوكا في ساو باولو.

يقول نيمار إنه “بكى عندما علم أنه أصبح أبا”. لكنه في البداية شعر بالخوف ثم سرعان ما أطلق العنان لفرح شديد غمره، وعلى الرغم من أنها كانت مسؤولية جديدة تضاف إليه إلا أنه قال إنه مستمتع بذلك. نيمار يعتنق الديانة المسيحية وفي كل عام ينظم النجم البرازيلي مباراة خيرية بمسقط رأسه بهدف تقديم المواد الغذائية للأسر المحتاجة.

خفايا برشلونة

سار نيمار على درب العديد من نجوم البرازيل قبله ولم يشأ عكس الآية. النجم البرازيلي لم يكن الأول والأخير الذي يقول لا ويدير الظهر لفريق في قيمة برشلونة الإسباني. سطوة المال وتعلق الأب بـ”الفلس″ النادر عجّلا بمغادرة الفتى “المدلل” لأسوار النادي الكاتالوني.

ظاهريا وفي أول تعليق له تظاهر النجم الأوحد لبلاد السامبا أنه لم يكن يفكر أبدا في المال، لكن الواقع يشي بعكس ذلك وإن بدا أن هناك بعض السواكن تحرك اللاعب من الداخل، منها بالخصوص أنه لا يريد أن يرى إلا ظله كنجم أوحد. من يقول برشلونة لا يقول نيمار وإنما يقول ميسي. أيّ هاو يطالعه اسم النجم الأرجنتيني وينطق به دون تلعثم، والذي ارتبط اسمه بفريقه أكثر حتى من ارتباطه بمنتخب بلاده.

كثيرة هي التقارير الصحافية التي ركزت قبل اتخاذ نيمار لقرار مغادرة برشلونة على هروب الأخير من “سطوة ميسي”. يبدو أن نيمار عمل على تغيير هذا الحلم إلى واقع رغم أن النجمين يبديان تفاهما تاما سواء فوق الميدان وحتى في الحفلات وأجواء الصخب خارج الأطر القانونية للعبة.

لكن تبقى جهود الوسيط الإسرائيلي بيني زهافي، الذي ساعد القطريين على إتمام صفقة انتقال نيمار إلى باريس سان جيرمان، هي الخبر الأبرز. حيث كان زهافي هو العرّاب الحقيقي للصفقة، بعد أن دفع له القطريون في تل أبيب ما قيمته 170 مليون ريال قطري بالتنسيق مع ناصر الخليفي رئيس النادي الفرنسي.

14