نيموفوبيا

لندع شعوبنا تتمتع بمتلازمة "نيموفوبيا" التي تضاف إلى نظرية المؤامرة التي يستلذون بها، وليشعروا بأنّ لا أحد معهم ولا أحد حولهم وأنهم في أبعد نقطة.
الجمعة 2019/10/18
فنون قادمة من العزلة

فرّ الفنانون والمفكرون من غير المتوافقين معهم في مجتمعاتهم إلى الطبيعة، ونشأت فنون قادمة من العزلة سمّيناها الفنون الطبيعية التي انعكس غالبها على الرسم والشعر والموسيقى والفلسفة. لكن يبدو أن فرار أولئك عبر التاريخ الطويل للبشرية لم يكن كما ينبغي، فقد كانوا ولا زالوا قريبين جدا من بقية البشر.

ومؤخرا قرأتُ أن أبعد نقطة يمكن للإنسان أن يذهب إليها إذا ما قرر الهرب من كل شيء ومن كل الناس، نقطة بعيدة جدا تقع وسط المحيط الهادئ، وتعتبر المكان الأكثر بعدا عن اليابسة على كوكبنا السعيد، يُطلق عليها العلماء اسم “قطب المحيط المتعذر الوصول إليه”.

 لُقّبت هذه النقطة باسم “بوينت نيمو”، تيمّنا بالكابتن نيمو؛ ابن خيال الروائي والشاعر جول غابرييل فيرن والذي كان بحارا يسافر نحو المجهول، وبطلا للرواية الشهيرة التي قرأناها في صبانا “عشرون ألف فرسخا تحت الماء”. لكن كلمة “نيمو” تعني أيضا باللاتينية “لا أحد”.

ويقع هذا الركن البعيد الهادئ في قلب مثلّث متساوي الأضلاع تماما، تشكله سواحل ثلاث جزر نائية، ويبعد نيمو عن كل منها أكثر من 1600 كيلومتر.

وفي عام 1992 قام المهندس الكرواتي الكندي فرفاي لوكاتيلا بتحديد نيمو هذه، مع أنه لم يذهب إلى هناك مرة واحدة في حياته. لكن المعادلات الهندسية أوصلته إليها. لكن الغريب أن نيمو تجذب إليها، وبشكل لا تفسير له، جميع المركبات والأقمار الفضائية التي خرجت من الخدمة. وسرعان ما تجرف التيارات تلك الشظايا إلى مياه نيمو وقيعانها.

يقول لوكاتيلا إنك إن ذهبت إلى نيمو فلن تسمع سوى أصوات تصدع الجبال الجليدية والأمواج العاتية للمحيط. ولكننا في العالم العربي. لسنا بحاجة إلى الذهاب إلى نيمو للشعور بذلك، وأنك بالفعل، في أبعد نقطة عن البشرية، فكل منا يشعر بذلك بقوة، بعيدا عن كل شيء.

سألت الصديق العتيق يحيى العريضي، أستاذ اللغويات وعلم الفونوتيك من جامعة جورج تاون الأميركية؛ هل يمكن لنا، علميا، أن نسجّل براءة اختراع لمتلازمة جديدة نسميها “نيموفوبيا”؟ فأجاز اشتقاق التعبير. إذاً لندع شعوبنا تتمتع بهذه المتلازمة التي تضاف إلى نظرية المؤامرة التي يستلذون بها، وليشعروا بأنّ لا أحد معهم ولا أحد حولهم وأنهم في أبعد نقطة، لا يمكن لأحد الوصول إليها. لا الإنس ولا الجان ولا حتى الملائكة.

24