نيويورك تايمز تغامر بسلامة مصادرها في قضية أوكرانيا

دعوات على مواقع التواصل إلى إلغاء الاشتراك وإقالة رئيس تحرير الصحيفة.
الاثنين 2019/09/30
نيويورك تايمز تغامر باسمها

وجدت صحيفة نيويورك تايمز نفسها بين مبدأين مهنيين متضاربين “البحث عن الحقيقة ونشرها”، و“الحد من الآثار السلبية التي يتسبّب فيها ذلك، ما يعني عدم تعريض المصادر للخطر”. واختارت المبدأ الأول بكشف تفاصيل عن المخبر الذي قدّم شكوى بشأن المكالمة التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وتسبّب في فتح الباب أمام إجراءات لعزل ترامب.

نيويورك - انتشرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إلغاء الاشتراك بصحيفة نيويورك تايمز، تحت هاشتاغ “ألغوا نيويورك تايمز”، فيما طالب البعض من الناشطين باستقالة رئيس تحريرها دين باكيت، على خلفية كشف معلومات عن المخبر الذي تسبب في بدء إجراءات لعزل الرئيس الأميركي، وسط أجواء التوتر السياسي المتزايد في الولايات المتحدة.

وأحيت الصحيفة الأميركية واسعة النفوذ، النقاش حول حماية المبلغين بعد نشرها تفاصيل عن المخبر الذي قدّم شكوى بشأن المكالمة التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بالرغم من لجوء المبلّغ لإجراءات تحميه وتُخفي هويته.

ونشرت الصحيفة تقريرا يتهم الرئيس دونالد ترامب بطلب “تدخل بلد أجنبي في انتخابات عام 2020” الرئاسية، ثم كشفت الخميس تفاصيل عن المبلغ.

وذكرت أنه من عناصر وكالة الاستخبارات المركزية “سي.آي.إيه”، عمل لفترة في البيت الأبيض، خبير في الملفات الأوروبية والوضع السياسي في أوكرانيا.

وأضافت الصحيفة أن المبلّغ أفصح عن المعلومات إلى كبير المحامين بالـ”سي.آي.إيه” بطريقة لا تكشف عن هويته، وبدوره نقل المحامي المعلومات إلى البيت الأبيض ومسؤولي وزارة العدل بنفس الطريقة. وفي نفس الوقت، تقدّم موظف الـ”سي.آي.إيه” بالشكوى بطريقة منفصلة.

واعتبر محامو هذا المبلّغ، كما عاملين آخرين في الاستخبارات، أن الكشف عن هذه المعلومات المتعلّقة به أمر “خطير” بالنسبة إليه على المستويين المهني والشخصي.

الصحيفة وضعت المبلّغ في خطر محتمل، حيث أن بعض مؤيدي ترامب يتصرفون أحيانا بشكل حاد ضد مناوئيه

من جهتها، دافعت نيويورك تايمز عن قرارها نشر التفاصيل المتعلقة بالمبلّغ. وأوضحت أن ترامب ومؤيديه هاجموا مصداقيته، وأن نشرها تلك التفاصيل يسمح للقراء في أن “يحكموا بأنفسهم” على مصداقيته. لكن هذه الإيضاحات لم تقنع الجميع.

ورأى جون مارشال الأستاذ في كلية الصحافة في جامعة نورث ويسترن، أن “هذا القرار صعب. وجدت نيويورك تايمز نفسها بين مبدأين مهنيين متضاربين”.

من جهة، مبدأ “البحث عن الحقيقة ونشرها”، ومن جهة أخرى “الحد من الآثار السلبية التي يتسبّب بها ذلك، ما يعني عدم تعريض المصادر للخطر”.

بالإضافة إلى كل ذلك، يدخل عامل المنافسة الإعلامية التي تفاقمها ضغوط دوائر المعلومات، ما يترك لوسائل الإعلام “وقتا قليلا” للتفكير في عواقب قراراتها.

ويرى مارشال وآخرون أنّ “شخصا واحدا أو اثنين فقط” تتطابق أوصافهما مع الوصف الذي نشرته الصحيفة عن المبلّغ.

ويرون لذلك أن الصحيفة وضعت هذا الشخص بالنتيجة “في خطر محتمل”، حيث أن بعض مؤيدي ترامب “يتصرفون أحيانا بشكل حادّ” ضد مناوئيه.

ويعتبر مارشال أن وصف المخبر بأنه عنصر ذو خبرة في وكالة الاستخبارات المركزية كان كافيا للتأكيد على مصداقيته.

مع اعتقاده أيضا بأنّ هذا المخبر قد يكون في خطر، اعتبر تود غيلتين أستاذ الصحافة في جامعة كولومبيا، مع ذلك أنّ قرار الصحيفة “مُبرّر”.

وقال إن هذا الشخص، وكعنصر في وكالة الاستخبارات المركزية، يجب أن يكون “على علم بالمخاطر، وأن يكون اتخذ احتياطاته”.

بالإضافة إلى ذلك، يعمل هذا الشخص “في منظمة مخصصة للأمن”، وإذا فشلت قيادته في حمايته، “فستسقط رؤوس” حتى في ظل هذا المناخ السياسي المتوتر، بحسب غيلتين.

وتوضح كاثلين ماكليلان نائبة مدير برنامج حماية المبلغين في منظمة “إكسبوز فاكتس” غير الحكومية أن هذا المبلّغ كان حذرا جدا في خطواته، فقد احترم كل القواعد المتعلقة بتقديم الشكاوى، وعمل بالتشاور مع محامين متخصصين. وذلك خلافا لموظف وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن الذي كشف للصحافة عن وجود نظام رقابة عالمي على الاتصالات والإنترنت، وعلى عكس تشيلسي مانينغ العسكرية التي نقلت الآلاف من الوثائق إلى ويكيليكس في عام 2010.

لكن الخبيرة تشدّد على أن أيّ شخص يعمل في الاستخبارات هو دائما عرضة لخطر الردود الانتقامية.

وخلافا لقطاعات مهنية أخرى، لا يمكن لعنصر استخبارات اللجوء للمحاكم لمقاضاة مرؤوسيه، وليس لديه سوى خيار تقديم شكوى أمام السلطة التنفيذية. ويعني ذلك أنه إذا أراد الرئيس أن يدفعه ثمن فعلته، فلا يمكن للمبلّغ أن يعترض إلا لدى الرئاسة.

ويحمي القانون الأميركي العاملين في الاستخبارات الذين يبلّغون عن عمل يعتبر غير قانوني في الإدارات الحكومية، لكن الطريق أمامهم قد يكون ضيّقا جدا والتدابير حيالهم صارمة. ويطلق على هؤلاء المبلّغين لقب “نافخو الصفارة”.

وترى ماكليلان أنه لذلك، يجب على وسائل الإعلام “احترام حق المبلّغين في عدم الكشف عن هويتهم”، و”التركيز على ما قاموا بكشفه”.

ولا ترى أن ذريعة “المصداقية” التي تحدثت عنها نيويورك تايمز مقنعة، لأن المفتش العام الذي تلقّى بلاغ المخبر قد اعتبره أصلا “ذا مصداقية”، في خطوة “غير اعتيادية”.

على أيّ حال، يتوقع تود غليتين معرفة هوية المبلّغ قريباً، سيما أن الكونغرس يرغب في استجوابه.

وعندما ستكشف هويته، “سيرد اسمه في كتب التاريخ إلى الأبد، كما اسم دانييل إلسبرغ”، محلل الاستخبارات العسكرية السابق الذي سرّب وثائق سرية حول التخطيط لحرب فيتنام، كما كتب الجمعة المؤرخ دوغلاس برينكلي في صحيفة واشنطن بوست.

18