نيويورك تايمز في مواجهة أمازون: صراع ثقافات

رد الفعل على "فضيحة" كشف ملفات ظروف العمل في تجارة التجزئة العملاقة أمازون يسلط الضوء على التوتر القائم بين وسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا.
السبت 2015/08/29
أمازون مستوطنة في منطقة وادي السيليكون

واشنطن - ألقت صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي عود ثقاب مشتعل في برميل من البارود من خلال مقال صحفي يمتد على 11 ألف كلمة يصف قواعد العمل المنفرة في موقع أمازون لتجارة التجزئة الإلكترونية. ويكشف المقال بالتفصيل قصص الموظفين الذين تتم معاملتهم بقسوة في أعقاب المآسي العائلية التي مروا بها مما دفعهم إلى التباكي على المكاتب، كما لاحظت الصحيفة أن “موقع أمازون يحتل مركز الطليعة من حيث رغبة التكنولوجيا في تولي المنصب الحديث: فهو أكثر فطنة وأكثر إنتاجية، ولكن أشد قسوة وأقل تسامحا”.

أجرى الكاتبان جودي كانتور وديفيد سترايتفيلد في مقالهما المعنون بعنوان “داخل أمازون: صراع الأفكار الكبيرة في بيئة عمل مؤذية”، مقابلات مع أكثر من 100 موظف سابقين بهدف تجميع عناصر الصورة المؤلمة من خلال الاعتماد على البيانات، ولكن هذا لم يضع حدا للاتهامات بأن عملهم يفتقر إلى التوازن في ظل غياب أصوات الموظفين السعداء في مؤسسة أمازون.

كتب موقع «سلايت» أن ما ورد في التقرير يشبه “دار أيتام ديكنزيّ” (في إشارة للفظائع التي كان يكتب عنها الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز خلال العصر الفيكتوري).

حسب التقرير، فإنّ ما يدور داخل أمازون “نهر خداع ومكائد”. وإذا أردت أن تكون “أمازونيّا”، بحسب نيويورك تايمز، عليك التسلق، حتى إن كلفك ذلك أن تشي بزملائك، مثلا، أو أن تتحايل لتجاوزهم.

في التقرير، يقول بو ويلسون الذي عمل لعامين في قطاع الكتب “من الطبيعيّ أن تخرج من قاعة الاجتماعات لترى رجلا ناضجا يغطي وجهه بيديه.

موقع أمازون يحتل مركز الطليعة من حيث رغبة التكنولوجيا في تولي المنصب الحديث: فهو أكثر فطنة وأكثر إنتاجية، ولكن أشد قسوة وأقل تسامحا

كثيرا ما رأيت زملاء لي يبكون”. قال أشخاص آخرون في شهاداتهم إنه على العاملين في أمازون التخلّي عن حيواتهم الشخصية. الأولوية للعمل على حساب كل شيء. هذا هو الأسلوب الصارم والقاسي للعمل في إمبراطورية بيزوس، بحسب جون روسمان الذي كتب بعد خروجه من الشركة العملاقة كتابه “طريقة أمازون”.

قدم التقرير الذي حظي برواج كبير، صورة سوداء عن حياة العمال في الشركة، ما خلف موجة تعاطف واسعة معهم عبر تويتر، وهدد الكثيرون من مستخدمي تويتر بمقاطعة أمازون.

في المقابل نشر نيك سيوبوتاريو، وهو موظف حالي في أمازون، مقالا على موقع لينكدين، نقض كل ما ورد في مقال نيويورك تايمز.

وكانت المحررة العامة لصحيفة نيويورك تايمز، مارغريت سوليفان، واضحة في تقييمها للمقال حيث أفادت أنه يحتاج إلى المزيد من البيانات اللازمة التي ينبغي أن تكون مرافقة للعديد من الحكايات، على الرغم من أن المحرر التنفيذي دين باكت رد الصفعة بأن هذه الأنواع من القصص لا يمكن إلا أن تساق من خلال تجارب شخصية قوية.

وقال إنه فخور بشكل خاص بهذه المادة والتي يبررها طولها وأهميتها بشكل تام، وربما كان ينبغي أن تكون أكثر طولا.

وجه جيف بيزوس، مؤسس أمازون وصاحب المؤسسة الإخبارية المنافسة واشنطن بوست، بيانا إلى موظفين، قائلا إن أمازون التي تم الحديث عنها في المقال ليست المؤسسة التي يعرفها، وأن أي شخص يتعرض لهذه الانتهاكات يجب عليه الاتصال بمصلحة الموارد البشرية أو بريده الإلكتروني الشخصي.

بيزوس نفسه أعاد ما قاله في مقابلة سابقة “لا يمكنك تصديق كل ما يكتب، سواء كانت علاقاتك الاجتماعية، قويّة أم ضعيفة، ففي الحالتين لا يمكنك تصديق ما يقال والتعويل عليه”.

نيويورك تايمز نجحت في إزعاج بيزوس إلى حد كبير

كان الخط الذي تبناه كل من بيزوس والرئيس الجديد للعلاقات العامة، جاي كارني -السكرتير الصحفي السابق للبيت الأبيض- يعتبر أنه من المستحيل تصور أن تستمر مؤسسة تقوم بمثل هذه الممارسات في البقاء حتى الآن مزدهرة في السوق العالمية ذات القدرة التنافسية العالية.

وقال داستن موسكوفيتش، أحد مؤسسي فيسبوك، إنه يعترف بأن ثقافة أمازون مستوطنة في منطقة وادي السيليكون وشمال غرب المحيط الهادئ وأن العديد من الشركات تحرق موظفيها بمعدل ينذر بالخطر. ويعتبر مقال صحيفة نيويورك تايمز الأكثر اعتمادا على الأخبار حول تاريخ المؤسسة، مع وجود أكثر من 5800 من التعليقات، الكثير منها يقص تجارب مماثلة بالتفصيل في مجموعة متنوعة من الشركات.

الدعاية المضادة لما ورد في نيويورك تايمز كانت ضخمة واستمرت على مدار الأسبوع، فأفردت القنوات الأميركية والصحف مساحات واسعة لمناقشة ظروف حياة موظّفي أمازون. وكان أبرز المعلّقين الرئيس التنفيذي السابق لـتويتر ديك كوستولو الذي وصف في تغريدة التقرير الصحفي بالخارج عن السياق.

لمن الأكيد وفق خبير إعلامي أنّ نيويورك تايمز نجحت في إزعاج بيزوس إلى حد كبير، وذلك ما يظهر جليا في حجم التغطيات الإخبارية المضادة.

عملية الشد والجذب بين أمازون ونيويورك تايمز والمحادثة التي تم توليدها لروايات عن التوتر بين شركات التكنولوجيا وشركات وسائط الإعلام. تعتبر غرفة الأخبار الحديثة بشكل متزايد مكانا للقياس، وكلما كان القياس أفضل كلما كانت الشركة أفضل.

جيف بيزوس: أمازون التي تم الحديث عنها في المقال ليست المؤسسة التي أعرفها

بالمناسبة، سجلت شركة أمازون إيرادات تقدر بـ816 ألف دولار لكل موظف في الربع الأخير من السنة، مقابل 441 ألف دولار لكل موظف في نيويورك تايمز.

إنها مسألة رأي حول ما إذا كان هذا يشير إلى أن أمازون أسوأ بكثير أو أفضل بكثير من صحيفة نيويورك تايمز. على الرغم من أن هذا الأمر هو بالتأكيد ليس ما ألهم نيويورك تايمز لإجراء التحقيق، من الصواب القول إنه في معظم غرف الأخبار هناك فضول حول المؤسسات التي تشغّل عددا كبيرا من الأشخاص، بما أنها تصبح تهديدا أقرب من أي وقت مضى أو فرصة مذهلة للصحفيين أنفسهم.

الأسبوع الماضي، أجاب جوناه بريتي، مؤسس بازفيد، على سؤال حول التنظيم النقابي داخل المؤسسة الإخبارية الجديدة بالقول إنه يعتقد أنه ليس أمرا ضروريا إذا تم دفع أجور جيدة للموظفين ومعاملتهم بطريقة أفضل من أي مكان آخر. بالطبع، تقليديا كبير المديرين التنفيذيين لا يتخذ القرار بوجود نقابة عمال من عدمه. ومع ذلك، كان بيان بريتي انعكاسا للاهتمام كيف أن الممارسات داخل المؤسسات الإعلامية تتقارب مع الفلسفات والعادات المنتشرة داخل الشركات التي توجد في وادي السيليكون وشمال غرب المحيط الهادئ.

ومن المناسب تماما أن تحفر المؤسسات الإعلامية العالمية مثل نيويورك تايمز، وفايننشال تايمز والغارديان (وكلها نشرت مقالات تنتقد ممارسات العمل في مؤسسة أمازون في العامين الماضيين) في أعماق قوى الاقتصاد الجديد، خاصة وأن العلاقات بين وسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا أصبحت متقاربة أكثر من أي وقت مضى. تأثير تقرير صحيفة نيويورك تايمز، والذي كان في العمق رغم كونه يفتقد إلى السياق والتوازن، يظهر أن الاهتمام بالموضوع أصبح شديدا كما أنه قسم المتابعين.

18