"نْريد وطنْ" أول كتاب يوثق ثورة أكتوبر في العراق

مقالات تؤرخ للوجه الثقافي لاحتجاجات شباب ساحة التحرير.
السبت 2020/07/18
شباب "التك تك" رمز الثورة (لوحة للفنان تحسين الزيدي)

سجل الحراك الاحتجاجي في العراق العام الماضي من قبل الشباب التفافا كبيرا من المثقفين على اختلاف انتماءاتهم، وكان اللافت في الحراك لا مطلبياته السياسية والاجتماعية بقدر ما لفت أنظار العالم بتمظهراته الثقافية، حيث تحولت ساحة التحرير التي اجتمع فيها المحتجون إلى ساحة ثقافية تجتمع فيها فنون الرسم والموسيقى وإلقاء الشعر وكتابة المقالات وغيرها.

يرصد الروائي والكاتب العراقي وارد بدر السالم، في كتابه “نْريد وطنْ: مقالات من ساحة التحرير”، الزاوية الثقافية للحراك الشبابي العراقي، الذي عرف بـ”ثورة أكتوبر” و”انتفاضة أكتوبر”.

 وهو أول كتاب يصدر عن هذا الحراك من الزاوية الثقافية الأكثر بروزا فيه، كهوية جامعة أشارت إلى الوعي الشبابي المتقدم في إرساله إشارات واضحة إلى السلطة وتوابعها بأن الثورة ليست عشوائية وليست عفوية، بل هي ذات أرضية ثقافية مستمدة من التاريخ العراقي الكبير، وما ساحة التحرير في بغداد، ونصبها الشهير للفنان الراحل جواد سليم إلا تجسيد لهذه الأرضية لما يحمله من دلالات تاريخية وفنية ونفسية.

مقالات ثقافية

“نْريد وطنْ”، الشعار الوطني الذي استفز السلطة باللهجة العراقية العامية، هو تضمين صريح لفقد وطن تناهبته الميليشيات في فوضى سياسية مريبة، أضاعت الدولة والوطن وسرقت كل حقوقه الطبيعية، وأثارت فيه النعرات الطائفية ذات الأهداف البعيدة في محاولة تقسيم البلاد والعباد إلى كانتونات مذهبية وعرقية ضعيفة.

 لذلك افتتح الثوار الشباب بهذه العامية ثورتهم الفصيحة في الأول من أكتوبر من العام الماضي واستمرت بالقوة ذاتها ومطالب التغيير ذاتها والحماسة ذاتها. ولم يعد فرق الزمن حاسما في هذا الحِراك بعدما تخطّى أشهرا طويلة وعصيبة في مواجهات يومية مع آلة السلطة التي قتلت أكثر من ألف شهيد، وأصابت أكثر من 20 ألف شاب. لكن الانتفاضة قويت شوكتها، وصار الإصرار على التغيير مطلبا شعبيا عاما لا مفر من التراجع عنه.

وهذه العامية المنطقية التي بدأت كشعار رئيسي رافق الثورة الشبابية وانتفاضتهم بدلالاته الكبيرة، ظلت هي الجملة الأكثر فصاحة بخطئها اللغوي المقصود، والشعار الذي تنادى إليه العراقيون من مختلف الأعمار والطوائف والأديان. فإشارات هذا الشعار دالّة وموحية لوطن مخطوف سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وماديا وأدبيا.

استحضارات أدبية ثورية لشخصيات إبداعية معروفة في العالم حرّضت على التمرد الإيجابي لصناعة الجمال الحياتي

وهذه الجملة المكثّفة جدا تلخص واقع الحال لوطن خطفه الساسة والميليشيات وكهنة الجوامع والمعابد ومروّجو الفتن الطائفية ومشعلو النيران في الوطن الأعزل.

ضم الكتاب، الصادر حديثا عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع ببغداد، 19 مقالا، سبق أن نشرها السالم في “العرب” على مدار مشاركته اليومية للثورة العراقية، متابعا وراصدا الشأن الثقافي فيها. ومثل هذا الرصد لهذه الزاوية أفصح عن رؤية وطنية وثقافية، ستبدو فيها المطالبة بعودة الوطن إلى الوطن فنطازيا سياسية كبيرة. ستبدو مضحكة في ظاهرها، لكنها مؤلمة في تضاعيف تسعة عشر عاما من النكبات السياسية التي مارستها السلطة، رئاسة وحكومة وبرلمانا، بالطريقة الطائفية التي ذبحت البلاد والعباد، حتى ضاع الوطن فعلا في هذه الصراعات المذهبية.

لقد وجد تنظيم “داعش” أن السياسيين في العراق يتناطحون كالثيران على المناصب في بيعها وشرائها، في واحدة من أقذر العمليات السياسية استهزاء بالشعب والوطن والديمقراطية المزعومة، ومن ثم استحوذ على نصف مساحة البلاد، وعاث فسادا وإفسادا في بنية المجتمع العراقي، وحاول جدولته وفق أفكاره الدموية والفكرية المتخلفة. وسارت الأمور على نحو أكثر من سنتين بضياع محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وأجزاء كبيرة من محافظة ديالى وأطراف بغداد. ولعل هذه الفتنة الطائفية المتخلفة التي أودت بحياة الآلاف من الشهداء كادت تستحوذ على العراق بقسوتها ووحشيتها ودمويتها وأفكارها السوداء.

سؤال الدراما العراقية

تسعة عشر مقالا ضمها الكتاب ابتدأت بسؤال فيه دراما كبيرة: لماذا نريد وطنا؟ وسؤال كهذا ذو نبرة حزينة لا يبدو أنه خرج عن النسق الروحي للعراقيين، بل تعمّق في الذات الاجتماعية التي وجدت أنها خسرت كل شيء في سياسة الدولة العميقة التي أحرقت البلاد في تبعية خارجية غير خافية على أحد. فيأتي المقال اللاحق “نحن لا نغادر الحياة” ليؤكد الفرق الجوهري بأن تكون مواطنا أصيلا أو طارئا على الوطن كما هم سياسيو العراق الجدد الذين وصفهم الكاتب بأنهم “أجنّة مشوهة.. دخلت في أرحامٍ غريبة فاسدة وعادت ملوثة إلينا” (ص 15).

“نْريد وطنْ” الشعار الوطني الذي استفز السلطة باللهجة العراقية العامية
“نْريد وطنْ” الشعار الوطني الذي استفز السلطة باللهجة العراقية العامية

وفي “النداء الثقافي الجديد” يتطرق الكاتب إلى أهمية حضور المثقفين في الثورة، التي امتدت إلى عموم العراق “إذ لم يسبق أن طولبَ المثقفون بمثل هذا الوضوح أن يكونوا شركاء في التظاهرات السابقة لأنها حزبية مسيّسة، بما يعني أن شباب تشرين لم يطالبوا بسلاح وبنادق ورصاص، بل طالبوا بالسلاح الأقوى والأكثر أثرا في جسد السلطة والسياسة الفاسدة، وهو سلاح الكلمة”.

وفي “أدب الحريات الوطنية” سنجد استحضارات أدبية ثورية لشخصيات إبداعية معروفة في العالم حرّضت على التمرد الإيجابي لصناعة الجمال الحياتي ضد السلطات الدكتاتورية وذيولها، والمروجين لثقافاتها السلطوية والطائفية الضيقة.

والسالم السارد يستقدم التاريخ العربي والعالمي من زاويته السردية، التي واكبت الثورات الوطنية، وكتبت عنها، ويرى أن تسجيل الهوامش ورصدها والتماهي معها هي خيوط أولية لتشكيل سردية كبيرة تتلاحق بالتدريج لتكون نسيجا متينا “لا نقول يوازي الفعل الميداني، إنما يوازي الحلم المشترك بين الكتابة والفعل الأرضي المباشر. وهذا خاضع للزمن الروائي أولا في محاولته للتغلب على الزمن الميداني وإنْ بفترة لاحقة”.

المقالات التالية رصدت الكثير من الهوامش والمتون في ساحة التحرير، والجسور الثلاثة التي دخلت الذاكرة الثقافية العراقية بشبابها الهواة المبدعين في انتشال الأغنية من رثاثتها الرومانسية الساذجة، وكتابة القصائد الجدارية الفورية، وظهور فن الشارع الذي رسم ملامح الثورة ومعطياتها الكبيرة، ولأول مرة يسجل شباب “التك تك” حضورا ميدانيا كبيرا لفت الانتباه إلى وجودهم مقاتلين عزلاء، لكنهم يتغنون بالوطن وتراثه، ويجملون جزءا من ثقافته الثورية التي تجلّت سماتها في الكثير من المواقف.

يُذكر أن وارد بدر السالم أصدر، قبل هذا الكتاب، أكثر من عشرين كتابا في السرد الروائي والقصصي، والنصوص، والنقد، واليوميات، وأدب الرحلة، منها: “ذلك البكاء الجميل”، “أصابع الصفصاف”، “المعدان”، “البار الأميركي”، “جنة العميان”، “طيور الغاق”، “مولد غْراب”، “شبيه الخنزير”، “عذراء سنجار”، “امرأة بنقطة واحدة”، “بنات لالش”، “جمهورية مريم”، “الحلوة”، “شظية في مكان حساس”، و“الهندوس يطرقون أبواب السماء: رحلة إلى جبال الهمالايا الهندية” وهو الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة عام 2011.

13