هاتف أيام زمان المحمول يحال على الرف رغم جدارته

لم يكن أحد يتصوّر أن تصير الهواتف النقالة أهم من الكمبيوتر وأن يَقدر الهاتف على القيام بمثل هذه المهمات البسيطة والمعقدة. ففي السنوات الماضية تطورت صناعة الهواتف النقّالة وازدهرت تجارتها وبرزت قوّة الشركات التكنولوجية بتعدد تصميمات التطبيقات وإصدار الموديلات الحديثة بشكل شهري تقريبا، لكن تبقى للهاتف النقال الذي برز كثورة تكنولوجية مزاياه ومنها أنه لا يسرق وقت مستعمله.
السبت 2017/09/09
هواتف قطعت مع أجهزة الاتصال الأرضية

دوبسينا (سلوفاكيا)- في الوقت الذي تغمر فيه الهواتف الذكية الأسواق شهرا بعد آخر، يقدم خبير تكنولوجي سلوفاكي فرصة للجماهير لزيارة متحفه للهواتف المحمولة القديمة ليحيي في ذاكرتهم تلك الفترة التي كانت الهواتف المحمولة فيها تزن أكثر من جهاز الكمبيوتر، ولم يكن بمقدور كل الناس شراءها، ولتعرف الأجيال الجديدة ما كانت عليه هواتفهم التي بين أيديهم اليوم والتي تتوفر على تحديثات تكنولوجية تقدم لهم خدمات لم يكن يحلم بها من عايش جيل الهواتف المحمولة الأول.

بدأ خبير التسويق الإلكتروني ستيفان بولغاري (26 عاما) مجموعته منذ أكثر من عامين عندما اشترى مخزونا من الهواتف القديمة من على الإنترنت. واليوم تضم المجموعة أكثر من 1500 طراز أو 3500 قطعة، إذا احتسبت النماذج المكررة.

ويحتل المتحف غرفتين في منزل بولغاري وتتضمن المجموعة هاتف نوكيا 3310 الذي كان يحتوي على لعبة واحدة أصبحت اليوم ساذجة، وتم تحديثه وإعادة طرحه في الأسواق، بالإضافة إلى هاتف سيمنز طراز إس 4، وهو جهاز عمره 20 عاما ويعمل بكفاءة تامة ويشبه قطعة حجر.

هذه الهواتف لم تكن تحتوي على تطبيقات متطورة مثل تشغيل ملفات صوتية أو التصوير بدقة عالية أو فيديوهات أو نظام خرائط واستخدام الإنترنت ونظام “الجي بي إس”، إذ تقدم خدمة الاتصالات دون تسلية عدا اللعب البسيطة.

وقال بولغاري “هذه تحف فنية في التصميم والتكنولوجيا ولم تكن تسرق وقتك”، حيث لا توجد هواتف حديثة بالشكل الذي نراه اليوم. لقد أصبح مستخدمو الهواتف الذكية بتطبيقاتها المتطورة اليوم يقضون أكثر من ثلاث ساعات مع آلتهم الجديدة، بل هناك تقارير حديثة مزعجة عن إدمان استخدامها لدرجة أنها قد لا تفارقهم أثناء القيادة، فأصبحنا نرى أصحاب السيارات يمسكون بهواتفهم حتى في أقصى أوقات السياقة إحراجا، بل أصبح هذا الجهاز متعة تمضية الوقت حتى في الحمام.

هوس يضيع البوصلة

وأصبحنا لا نستغرب وجود عائلة تجلس مجتمعة في الصالون، لكن لا تسمع حديثا ولا ضوضاء، فالكل منهمك مع هاتفه الذكي الذي حفل بالعديد من الابتكارات التي أضيفت للصورة المعهودة لتسهيل إجراء المكالمات حتى أصبح الهاتف في يومنا هذا عبارة عن أجهزة عديدة مجتمعة سويا في جهاز واحد.ومن الطرائف التي تروّج على مواقع التواصل الاجتماعي أن شابا اكتشف طيبة أهله حين انقطعت الإنترنت من هاتفه، فاضطر لتبادل الحديث المباشر معهم ليكتشف أنهم أناس طيّبون.

من بيل إلى جوبز

اكتشف ألكسندر غراهام بيل الهاتف سنة 1876، وذلك بنقل الصوت باستخدام الطاقة الكهربية، ومع تمكنه من مخاطبة مساعدته طالبا منها الحضور لمكتبه، كانت تلك هي أول جملة تنقل عبر الهواتف في التاريخ ليتطور الهاتف في الشكل، بعد ذلك أتى جهاز الرد الآلي والذي يعد قفزة في تاريخ تطور الهواتف، حيث مكن المتصل من ترك رسالة صوتية للطرف الآخر في حال عدم الإجابة على اتصاله، وذلك في الستينات من القرن الماضي.

وجاء بعد ذلك الهاتف النقال، وسمّي أيضا بالهاتف اللاسلكي وهو نظير جهاز التحكم بالتلفزيون، حيث أنه لا يتصل بجهازه الرئيسي بسلك، ولكن في نفس الوقت لا يمكن حمله بعيدا عن الجهاز وإلا فلن يعمل.

وبدأ هذا النوع في الظهور في الثمانينات من القرن الماضي وكأنه هاتف محمول، ولكن على نطاق ضيق. ولم يكن يتخيّل من كان يستخدم الهاتف قديما، أنه سيأتي يوم يستطيع فيه حمل هاتفه الخاص أينما ذهب وتلقي المكالمات من خلاله بأي مكان ومن كل مكان.

وربما لم يصدق أن يصل تطور الهواتف لتلك المرحلة المتقدمة إلا بعد أن رآه بعينيه سنة 1984، ولكن بداية الاختراع لم تكن في ذلك العام بل كانت سنة 1973، وكانت شركة موتورولا الأميركية هي المنتجة لذلك الهاتف.

وكان من يحمل هذا الجهاز في أوروبا يلفت الانتباه عندما يشاهده الناس يتحدث إلى نفسه، كما كان يثير الاستياء في الأماكن العامة عندما يرنّ هاتفه العجيب فيزعجهم. ودخلت شركة موتورولا التاريخ بطرحها في عام 1983 أول هاتف جوال في العالم من طراز “دايناتاك 8000 إكس” بعد سنوات من التطوير وبكلفة 100 مليون دولار.

كان وزن أول هاتف جوال 1.3 كيلوغرام، فكان حملا ثقيلا على صاحبه، وتطورت الهواتف المحمولة بعد ذلك بشكل كبير لتصبح أكثر عملية وحملها في الأيادي كالمفاتيح دون عناء. ومنذ ذلك التاريخ وفّر الهاتف الجديد على مستخدميه عناء حفظ أرقام هواتف كل من يعرفونهم، كما أعطيت الفرصة لمستقبل المكالمة بمعرفة من يتصل به قبل الرد، بحيث يكون له حق الاختيار أيجيب أم يرفض ويعلق المكالمة.

وتغيّرت تصاميم وقدرات هذه الأجهزة المحمولة بعد ذلك من إجراء المحادثات البسيطة إلى القيام بالأعمال المكتبية والاتصال بالإنترنت ومشاهدة عروض الفيديو وغيرها. وبشكل سريع شهد تطور الهواتف تغيرات عديدة في فترة زمنية لا تتعدى العشر سنوات، بدأت بابتكار الهواتف المزودة بالكاميرات للتصوير، وشيئا فشيئا تمت زيادة قدرة الكاميرا وإضافة مميزات لها في كل إصدار جديد.

أجهزة تسرق الوقت والمعلومات الشخصية

ثم ظهرت الهواتف المزودة بلوحة مفاتيح مصغرة لتسهل عملية الكتابة، ثم الهواتف التي تعمل باللمس بدلا من الأزرار والتي تعتبر بحسب الخبراء نقطة فاصلة في تاريخ تطور الهواتف، وربما كان من أكثر العوامل التي ساعدت على تطور الهواتف بتلك السرعة تعدد الشركات المختصة في تصنيعها، مما خلق عملية تنافس في ما بينها.

وظهر نظام التشغيل الأشهر للهواتف الأندرويد والذي يوفر خاصية تنزيل الكثير من التطبيقات على الهاتف واستخدامها بكل سهولة، كما يتيح للمستخدم تحديث نظام تشغيل الهاتف كل فترة ليستمتع بمميزات جديدة تضاف إلى الموديلات الحديثة منه.

ومع إصدار هواتف الأيفون أصبحت الهواتف الذكية بمثابة الكمبيوتر الشخصي، بل بدأت تزيحها من بين أيدي المغرمين بالتكنولوجيا. ويقوم الهاتف الذكي أيفون بعدة وظائف منها مشغل ملفات وسائط من خلال تطبيق آي بود، والكاميرا الرقمية والإنترنت. وتختص بـ”أيفون” شركة أبل وحدها دون غيرها، وقام بتقديم الهاتف الذكي الجديد صاحب الشركة ستيف جوبز في معرض “الماك ورلد” سنة 2007 في سان فرانسيسكو.

تعقيدات الاستعمال

كانت أحجام الهواتف الجوالة وأوزانها كبيرة، حيث لم يكن التصميم مهمّا في بداية الطريق، لكن بعد ذلك تطورت لتصبح ذكية وأصغر حجما وأقل وزنا، وبدأت بالظهور تصاميم خاصة بالنساء وأخرى برجال الأعمال وتصاميم الأطفال، مع توفير القدرة على استبدال الهياكل الخارجية لتتناسب مع ذوق المستخدم.

ومع تطور التطبيقات والبرامج ازدادت تعقيدات الاستعمال، فيحتار الكهل والمسن إذا ما أغرته الهواتف الذكية واشتراها أو تلقاها هدية، بعد أن أصبح الهاتف أقرب إلى الكمبيوتر بل أكثر تعقيدا باحتوائه على برامج تصفح للإنترنت وتنظيم المواعيد وتشغيل الملفات الصوتية والفيديو والتصوير وغيرها من المميزات التي يصعب تصوّر جمعها في جهاز صغير وخفيف.

سعي الشركات التكنولوجية إلى إضافة تقنيات جديدة كالتحكم عبر الإيماءات وقارئ البصمة إلى الهواتف الذكية يجعل الكثير من المستخدمين بالكاد يتمكنون من ملاحقة هذه التطورات والاستفادة منها. وتمثل لهم الهواتف الذكية أدوات تصيبهم بالارتباك والخوف من الخطأ والإحراج، ولا تقتصر مواجهة العقبات التكنولوجية على فئة عمرية دون أخرى.

وأشار تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية إلى أمثلة مختلفة منها سيدة في الـ69 من العمر، تحدث ابنها فرانك واشنطن عمّا تواجهه من مشكلات في التعامل مع هاتفها “أيفون” الجديد الذي أهداه لها لدرجة أنه صار بمثابة الدعم الفني لها، واتصلت به على مدار أيام متتالية لتغييرها كلمة المرور رغم طلبه منها الإبقاء عليها.

وكشف بحث أجراه مركز “بيو” للأبحاث عن أن 81 بالمئة من مستخدمي الهواتف الذكية في الولايات المتحدة يرسلون الرسائل النصية، وهي واحدة من أسهل الوظائف إذ لا تتطلب سوى مهارات القدرة على الكتابة، ويُحمّل نصف الأميركيين من مستخدمي الهواتف تطبيقات أو يطلعون ويرسلون البريد الإلكتروني من خلالها.

إدمان ومخاطر

الهاتف الذكي اختراع عبقري في تقديم الخدمات، إذ أنه يجعل مستخدميه يستغنون عن الكمبيوتر خاصة أولئك الذين يعملون في مجالات تلزمهم بالجلوس أمام الكمبيوترات المكتبية أو الشخصية، لكن هذه الميزة لها ثمنها السلبي، إذ يصبح المستخدم ملازما للهاتف في كل مكان، فربة الأسرة تستعمل الهاتف في المطبخ وخلال الاعتناء بابنها وفي الصالون أيضا، حيث يسود الصمت لأنها منشغلة عن زوجها الذي بدوره يحرك أصابعه على شاشة هاتفه.

وتعترف السيدة نور، التي رفضت ذكر اسمها كاملا وتعمل في قطاع الإعلام، بأنها تعمل من المنزل لذلك لا تتخلى عن الهاتف الذي تتابع بواسطته التنسيق عبر السكايب مع فريق العمل، وتتابع من خلاله الأخبار في الوكالات، وتجري اتصالاتها لتحرير مقالها اليومي، وكل هذه الالتزامات شغلتها عن طفلها والتزاماتها الأسرية، وتقول إن زوجها تشاجر معها مرات بسبب انشغالها عنه.

عصر جديد من أيفون

وأصبحت نور لا تتخلى عن هاتفها حتى في غرفة النوم، فتضعه بجوارها وإن حصل وأغلقته للنوم، فإنها أول ما تصحو تمد يدها إلى جهاز الهاتف لتبحث عمّا فاتها خلال نومها.

تقول نور، لست وحدي ممن يعاني من التصاقه بهتافه، فحين نستقل وسائل النقل العامة نشاهد الجميع مشغولين بهواتفهم، بل أحيانا نشاهد سائقي السيارات يمسكون الهواتف بيد والمقود بيد أخرى، ناهيك عن المارة الذين يتحدثون لوحدهم وكأنهم مجانين، خاصة حين يحتد النقاش مع الطرف الآخر على الهاتف.

ويرجع الخبراء هذه الظاهرة الجديدة إلى عدة أسباب وأحداث نعيشها في العصر الراهن، ما جعل عامة الناس يعيشون قلقا مزمنا حتى أن نسبة كبيرة من الناس وفي المجتمعات المتقدمة كما تلك التي في طور النمو تعاني عللا نفسية، فتكون الهواتف وسيلة للهروب من الواقع وتمضية الوقت، لكن الدردشة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي ومختلف التطبيقات الأخرى لا تجعل الناس تشفى من ملل الحياة العصرية. ويؤكد هؤلاء الخبراء أن تطبيقات الهواتف الذكية يمكن أن تجعل الإنسان يشعر بحالة أسوأ، ومن ذلك أن متابعة الغرباء في إنستغرام وعلى فيسبوك ترتبط ارتباطا وثيقا بالإصابة بالاكتئاب.

ومن المخاطر الأخرى التي وجدتها منظمة الصحة العالمية أن الاستخدام المطول للهواتف يخلف ارتفاعا ملحوظا في نسبة الإصابة بسرطان الدماغ وأن استخدام الهاتف الجوال لمدة 10 أعوام يضاعف احتمال الإصابة بسرطان دماغي.

ويتخوف الكثيرون من انتهاك الهواتف الجوالة لخصوصياتهم، خصوصا وأن هيئات الاستخبارات تستطيع تفعيل المايكروفون المدمج في الهاتف دون أن يشغله المستخدم، وذلك للتنصّت على أهداف محددة.

وتعاني أيضا بعض نظم تشغيل الهواتف الجوالة من وجود فيروسات تسرق معلومات المستخدم الشخصية وصوره ومعلومات دفتر عناوينه وبريده الإلكتروني وكلمات السر الخاصة به لمواقع الإنترنت المختلفة، وتستطيع إرسال الرسائل وإجراء المكالمات عن بُعد وعلى نفقة المستخدم من دون موافقته على الإطلاق.

ومن المخاطر الأخرى المخفية في الهواتف الجوالة قدرتها على تسجيل المحادثات والتقاط الصور وتسجيل عروض الفيديو، ذلك أن الأفراد معتادون على مشاهدة الآخرين يحملون هواتف جوالة لكنهم لم يعتادوا بعد على مشاهدة شخص يحمل كاميرا خاصة يقوم بتصويرهم أو آخر يحمل جهاز تسجيل.

20