هاجس البحث عن الحب

الأحد 2016/03/27

معظم الناس يؤرقهم موضوع الحب، وحين يُفكرون أو يتحدثون عنه، يكون هاجسهم كيف يكونوا محبوبين ونادرا ما يفكرون كيف يُحبوا!

وفي عصر العولمة الذي طرح مفاهيم جديدة وموحدة ليس لنمط الحياة فحسب، إذ صار هدف الناس أن يُنفقوا أكثر فأكثر وأن يترفهوا وفق معايير معينة، فأصبحت الأذواق متساوية تقريبا، وكذلك نمط الحياة من حيث الطعام واللباس والعادات وتمضية الإجازات. خطورة العولمة أنها جعلت الإنسان ينظر إلى حياته كاستثمار عليه أن يجني منه أكبر ربح، أما كيف تتحول الحياة إلى استثمار، فذلك يعتمد على إشباع الإنسان لكل حاجاته، فليس هناك إشباع سوى إشباع الاستهلاك، وقد تنبه الفيلسوف الشهير هكسلي لهذا الأمر وعالجه في كتابه الشهير “العالم الجديد”، حيث قال “الإنسان يتغذى جيدا ويكتسي جيدا، ويُشبع رغباته الجنسية جيدا، ومع ذلك فهو بلا روح”.

ويوضح هكسلي أن العالم صار موضوعا كبيرا لشهوات الإنسان، إنه أشبه بتفاحة كبيرة، بقنينة كبيرة، بجسد ناضج، وقد جُهزت شخصيتنا للمقايضة والاستهلاك، فكيف يصبح الحب في هذا الزمن؟ زمن شعاره إشباع الحاجات والاستهلاك في أعلى مستوياته.

ويرى هكسلي وغيره من علماء النفس مثل إريك فروم في كتابه الرائع “فن الحب” أن شكل الحب قد تغير في عصر العولمة وأن تلك الحضارة الحديثة القائمة على شهوة الشراء وإشباع الحاجات لدرجة يربط الكثير من الناس فيها بين الصحة النفسية والنجاح بمدى إشباع هذه الحاجات.

إن إنسان اليوم يفقد فرديته شيئا فشيئا، فالكل صارت لهم المتع نفسها ويقرؤون الصحف نفسها، ويشعرون تجاه الأحداث بالمشاعر نفسها، وأصبحوا متساوين مساواة الآلات، وهذه المساواة تُسمى الواحدية في علم النفس، هؤلاء الناس ينظرون إلى الحب كما لو أنه جائزة يحصلون عليها. فالمرأة الجذابة التي يكرس صفاتها الإعلام هي جائزة يسعى الرجل للحصول عليها. كما أن الرجل الجذاب وفق معايير العولمة المحددة هو بدوره جائزة تسعى المرأة للحصول عليها.

وكل من الرجل والمرأة يُفتش عن نصفه الآخر بالحماسة ذاتها التي يبحث عنها عن سلعة في السوق، بل إن عصر العولمة طرح تعبير الفريق ليُعبر عن الزواج السعيد، كما لو أن الرجل والمرأة يُشكلان تحالفا ما، وقد يعيشان مع بعضهما ضمن مؤسسة الزواج –أو حتى دون رابط رسمي– ويعاملان بعضهما البعض بكياسة لكن يظلان غريبين عن بعضهما طوال حياتهما، لأن جوهر الحب مفقود.

الحب الذي يعني أن ينفتح الإنسان روحيا ووجدانيا على الآخر وليس أن يتحول الآخر إلى وسيلة لإشباع حاجات جنسية وطموحات معينة.

في عصر العولمة صار أساس اختيار الشريك لشريكه هو: ماذا يمكنني أن أستفيد منه؟ ماذا سيقدم لي؟ جوهر الحب في عصر العولمة هو النفعية والاستفادة، أي أن الشريك موجود بغرض خدمتي وفائدتي وراحتي.

تغريب مفهوم الحب عن حقيقته، بمعنى أن الإنسان لا يُحب بل يُستخدم تحت خداع الحاجة للحب، هو مرض العصر الأشد خطورة من السرطان، لأن الحب ليس محطة للراحة والاسترخاء بل هو نمو روحي ووجداني وتحرك دائم باتجاه الآخر الإنسان وليس الشيء.

ويبين إيريك فروم في كتابه “فن الحب” أن الشرط الأساسي ليتحقق الحب هو قهر الأنانية الشخصية وأن يتمكن كل شريك من احترام الآخر وطموحاته وتوجهاته ومساعدته على أن يحقق ذاته.

إن إقامة علاقة حب دون وجود استغلال مبطن أمر صعب للغاية. وجود علاقة حب حرة نقية في زمن العولمة ليس فيها هيمنة لأحد على الآخر ولا تملك ولا استغلال ولا نظرة للآخر على أنه موجود لخدمتي، أمر صعب للغاية.

وليس غريبا أن الكثير من المدارس في الغرب قد أدخلت إلى مناهجها المدرسية مادة تُعلم الطلاب كيفية احترام الآخر وكيفية التعامل مع الحياة، بل وكيف يجب أن ننظر إلى أنفسنا، فحياتنا ليست مشروعا للاستثمار والآخر ليس مطية لبلوغ أهدافي وطموحاتي، والحياة ليست تفاحة كبيرة شهية يجب أن نلتهمها.

إن كتبا مثل “العالم الجديد” لهيكسلي و”فن الحب” لإريك فروم وغيرها من الكتب التي تعيد الأصالة والاحترام للذات الإنسانية مهمة جدا ويجب أن تُدرس في المدارس وأن تسلط عليها الأضواء كي نساعد الأجيال الشابة خاصة على مقاومة رياح العولمة الخطيرة، وكي نُعيد للحب غايته وألقه الحقيقي بدل الأضواء الزائفة المُضللة المُسلطة عليه.

كاتبة من سوريا

21