هاجس المساواة بين الجنسين: تعديل اللغة وإحالة جيمس بوند على التقاعد

الممثلة التي ستحمل اللقب الشهير 007، هي البريطانية من أصول جامايكية لاشانا لينش، وهي غير معروفة في السينما.
الأربعاء 2019/07/24
فيلم جيمس بوند سيقدم العميل رقم 007 القادم في صورة امرأة

الآن أصبح من المثير للاستياء أن تستخدم في الصحافة البريطانية أو الأدبيات الإنكليزية عموما، كلمة “ممثلة” actress في وصف الممثلة، فالكلمة “الصحيحة” الآن، طبقا لمبدأ “الصواب السياسي”، أصبحت actor في وصف الممثل الذكر أو الممثلة الأنثى، وذلك التزاما بمبدأ عدم التفرقة بين الجنسين، وتخليص اللغة من “الجندرية” خاصة وأن كلمة ممثلة actress (أكتريس) الإنكليزية ارتبطت في الماضي بالسمعة السيئة.

ولكن كان هذا في الماضي البعيد، أما في العصر الحديث فقط أُطلقت الكلمة على عدد من أكثر الممثلات حضورا وتقديرا في المجتمع البريطاني، ومنهن كثيرات حصلن على أرفع درجات السمو والألقاب الملكية أيضا.

وإذا كانت مراجعة المفردات اليوم في ضوء حركات الاحتجاج الجديدة والدعوة إلى المساواة وإتاحة فرص متساوية أمام النساء في جميع مجالات الحياة، قد فرضت هذا التعديل اللغوي، فلماذا لا يطلقون أيضا على الملكة “كنغ” king  بدلا من (كوين) queen؟ وعلى الساقية (واتريس) والساقي (وايتر)؟

والحقيقة أن المشكلة عميقة ومتأصلة في اللغة الإنكليزية نفسها، فهي حينا تعترف بالفرق بين الرجل والمرأة في الكثير من الصفات، مثلما في كلمة مضيفة hostess، ولكنها في أحيان أخرى كثيرة لا تعترف بالفرق في الجنس (أو الجندر) بدليل أن السائق (درايفر) يصف للذكر والأنثى وكذلك الراقص والراقصة والممرض والممرضة، هناك كلمة واحدة تصف النوعين، فمثلا كلمة (دانسر) لكل من الراقص والراقصة، كما أن المعلم والمعلمة كلاهما (تيتشر)، والطبيب والطبيبة هما نفس الشيء أي (دكتور) والطالب والطالبة (ستيودنت).. وهكذا.

هل يمكن أن يساهم نقل دور 007 من رجل كان دائما هو جيمس بوند ومنحه إلى عميلة سوداء، في نقل هذه السلسلة الشهيرة إلى مستوى آخر أكثر واقعية،

لكن التفرقة تظل دائما قائمة بين “الملك” و”الملكة”، فلا يمكن أن نصف الملكة بأنها الملك وإلاّ انهار العالم الذي قام على أن “الملك هو الملك”، كما يقولون، ويرى البعض أن الصفات المرتبطة بالملكية ليست وظائف مثل الساقي والسائق والمدرس، بل هي “ألقاب” بدليل أن اللغة الإنكليزية تفرق بين الدوق والدوقة والأمير والأميرة والكونت والكونتيسة، وغير ذلك.

ولكننا يمكن أن نجادل أيضا بأن هذه الألقاب تنتمي إلى العهود السحيقة، وأنه قد آن الأوان لتعديلها في ضوء العصر الجديد وبروز فكرة المساواة حتى لو أدى ذلك إلى تشويه وعي الناس بالفرق بين الرجل والمرأة، فكلنا بشر في نهاية الأمر.. فما الذي يهم خاصة في مجتمعات الحرية الجنسية التي أصبحت مطلقة، فالرجل يمكن أن يرتدي ملابس النساء وله أيضا أن يتزوج رجلا مثله، وفي مجتمعات كثيرة أتيح للرجال المتزوجين من أمثالهم تبني الأطفال أيضا وتربيتهم باعتبارهم “أبناء الأسرة”؟

إمعانا في هذا الغلو في مسألة المساواة أصبح من المعترف به وجود قس مثلي الجنس، ولكن المفاجأة الأخطر في رأيي، أن العميل البريطاني رقم 7 الذي نعرفه منذ عقود باسم جيمس بوند، سيصبح قريبا جدا امرأة من أصول أفريقية.

ليست هذه نكتة بل حقيقة. فالفيلم الجديد (رقم 25) من أفلام جيمس بوند الذي يجري تصويره حاليا في إيطاليا، سيقدم لنا الشخصية الجديدة التي سترث لقب “007” من زميلها الذي يقوم بدوره في الفيلم نفسه أيضا دانييل كريغ في ظهور أخير له في هذه السلسلة، وسيظهر في دور جيمس بوند بعد أن تقاعد وذهب للإقامة في جزيرة جامايكا، ولكن سيتم استدعاؤه من تقاعده مرة أخيرة، للتصدي لإحدى جماعات الشر التي تهدد -كالعادة- مصالح “العالم المتحضر”. ولا غرابة في ذلك فقد سبق أن جعلوا “مستر إم” رئيس المخابرات البريطانية الخارجية (إم.أي 6) امرأة قامت بدورها ببراعة وإقناع جودي دنش، ولكن الجديد أن العميل السري رقم 7 لن يكون فقط امرأة بل وامرأة أفريقية سوداء أيضا يناديها رئيسها “إم” (الذي عاد ليصبح رجلا) بـ007.

وفي تمهيد واضح لما سيحدث في أفلام بوند القادمة التي سيغيب عنها جيمس اكتفاء بحاملة الرقم الجديدة في عصر المساواة، ولكن هل سيلقى هذا التعديل الخطير قبولا لدى المشاهدين من عشاق أفلام جيمس بوند عبر العالم؟ والسؤال الأهم: هل سيتخلص “007” الذي سيظهر في الأفلام القادمة (بعد الفيلم 25) في صورة امرأة سوداء، من عنصريته ونظرته الأدنى إلى الشعوب الأخرى (الملونة)، وهي سمة ظلت ثابتة في أفلام بوند تاريخيا؟

دانييل كريغ في ظهور أخير له في سلسلة جيمس بوند
دانييل كريغ في ظهور أخير له في سلسلة جيمس بوند

سيتصوّر الجميع بالطبع أن القادمة الجديدة في دور العميل السري البريطاني الذي يعمل لحساب مخابرات صاحبة الجلالة، ستكون فاتنة حقيقية تخلب الألباب والعقول أو على الأقل بجمال الأميركية السمراء هال بيري التي ظهرت في فيلم “مت في يوم آخر” (2002) ولكن كصديقة لبوند، وأنها ربما ستستخدم فتنتها القاتلة في القضاء على الأشرار.

أعتقد أن ظن هؤلاء ربما يخيب، ولك أن تنظر وترى بنفسك صورة العميلة السرية الجديدة التي سترث اللقب الخاص (007) المصرح لصاحبه بالقتل، لكي تتأكد بنفسك أنها في الحقيقة، تشبه أي ربة بيت طيبة القلب، تقضي معظم وقتها في المطبخ.

الصحف البريطانية نشرت الخبر مؤخرا، مصحوبا بالصور، وقالت إن الممثلة التي ستحمل اللقب الشهير (007) هي البريطانية (من أصول جامايكية) لاشانا لينش (31 سنة) وهي غير معروفة في السينما، فمعظم ما قامت به من أدوار منذ 2011 كان لأعمال درامية تلفزيونية وليس في أدوار بارزة، لكن الدنيا حظوظ كما يقولون!

هل يمكن أن يساهم نقل دور 007 من رجل كان دائما هو جيمس بوند ومنحه إلى عميلة سوداء، في نقل هذه السلسلة الشهيرة إلى مستوى آخر أكثر واقعية، وبما يليق بصورة مجتمع متعدد الثقافات في عصر المساواة المطلقة الذي تطالب به جماعات الضغط، أم أنه سيكون إيذانا بنهاية عصر العميل السري البريطاني وإسدال الستار على مغامراته؟ هذا سؤال ستجيب عنه الأفلام القادمة إن قدر لها أن تظهر أصلا، بعد الفيلم رقم 25!

16