هادي أماتيو في لعبة الديمقراطية منتهية الصلاحية

السبت 2015/10/10
فيلسوف سياسي يقدم قيما جديدة في عالم النزاهة والحكم

هذه ليست نكتة الموسم، أو موقفاً في ستاند آب كوميدي أطلقَهُ ممثِّلٌ أمام جمهورٍ علَت ضحكاتَهُ وصفَّقَ له، إنَّها ليست مزحة، هو وعدٌ قطَعَهُ رئيس الحزب التقدمي النيجيري بولاية كوجي الحاج هادي أماتيو للناخبين في بلاد يتربَّصُ بها شيكاو و جماعةُ بوكو حرام، بأن يعيد أحد المرشحين في الانتخابات القادمة مبلغاً ضخماً من المال كان قد اكتسبه أثناء شغله منصباً عاماً.

في زمن العجائب الذي نعيشُ فيه لا يُمكِن التفاجُؤُ بما يحُدث على كلِّ الصُعُد والساحات، سياسياً وثقافياً واقتصادياً، هي المشكلةُ مع الحاضر والمستقبل والماضي معاً في خلطةٍ تباهى السياسيُّون باستغباءِ الشعوب من خلالِها، فالأرشيفُ جاهزٌ في كلِّ لحظةٍ للعودةِ إليه واستنهاضِ ما يُشبِهُ الأزمات المتلاحقة التي نشهدُها على امتداد الأرض.

قرأنا فيما سبَق أنَّ الثورات تُسقِطُ الأوهام وتُحطِّمُ الأصنام، لكنَّها أنتجت في الشرقِ -مثلاً- انتخاباتٍ تُشبِهُ إلى حدٍّ بعيد تلك التي يتمُّ تنظيمُها في بلادٍ مثل نيجيريا وزمبابوي التي يرأسُها روبرت موغابي الذي وصلَ لعامِهِ التسعين وما يزالُ متمسِّكاً بالحكم من خلال “انتخاباتٍ شفافة” بعدَ أن قالَ قبل انتخابِهِ لولايةٍ جديدة: زمبابوي لي.

نيجيريا العملاق الأسود

في الدراسات الاقتصادية العالمية تمَّ تصنيفُ نيجيريا عام 2014 على أنَّها أكبرُ اقتصادٍ في القارةِ السمراء، مُتقدِّمةً بذلكَ على جنوب أفريقيا، وأمام هذا التطوُّر الحيوي تشهدُ البلادُ تدنِّياً في المستوى الأمني عقبَ أن مدَّت حركةُ بوكو حرام أذرُعها في شمال نيجيريا ووصولِها إلى دولٍ مجاورة للحدود، وفي هذا المشهد لا يُمكِن إخفاءُ تداعياتِ قوة بوكو حرام على المسار السياسي في البلاد التي يتصارعُ سيَّاسيُّوها على السلطة المهدَّدَةِ بالزوال في أيِّ لحظة، وإن كانت الفلسفة تقول إنَّ الحُكمَ الرشيد يقومُ على تتالي الدوائر الهرمية ومشاركتِها في صناعةِ الرؤيةِ الكاملةِ لمستقبل الدولة –أيّ دولة- فإنَّ الحُكمَ “الطالِح” هو الذي يقومُ على شراءِ الأصوات الانتخابية لدفعِ أصحاب النفوذِ المالي لصدارةِ المشهد السياسي في البلاد -أيّ بلاد-.

نيجيريا التي حكَمَها حزبُ الشعب الديمقراطي في فتراتٍ متعدِّدة منذ سطوع نجمِهِ، تعودُ اليوم إلى صدارةِ المشهد الأفريقي الذي ينتظرُ أن تتمخَّض الانتخاباتُ عن رئيسٍ جديد قد يستطيع إنقاذ البلاد من الترِكةِ الأمنية التي أرساها جوناثان غودلاك خلال سنواتِهِ الأربع الماضية، رغم أنَّ التحالف الديمقراطي الجديد للمعارضة توحَّد خلف محمد بوهارو، إلا أنَّ المسيرة السريَّة لسير الانتخابات كشفَها هادي أماتيو في تعليقِهِ على سؤالٍ حولَ مرشَّح الحزب التقدمي الديمقراطي الحاج أبو بكر أودو الذي يطمحُ لرئاسةِ البلاد، حيثُ قال أماتيو “لسنا قدِّيسين، لا يوجد أيّ حاكم يمكن أن يزعُم بأنَّهُ لم يسرق أو يسئ التصرُّف على الإطلاق في أموال الدولة خلال فترة حكمه، لقد وعَدَنا الأمير بإعادةِ الأموال إلى خزينةِ ولاية كوجي إذا ما تمَّ انتخابُهُ”.

صورة الحاج هادي أماتيو والحاج أبو بكر أودو تجد لها أقرانا في كل العالم، وإن كان أماتيو الذي تغنى بإنجازات أودو يقر بالوقوعِ في الخطيئة، فإن نظراءه في دول العالم لا يمتلكون الجرأة الكافية للظهور والاعتراف بالفشل أو السرقة، فنراهم يجلسون ما استطاعوا على كرسي الحكم

إذن سيُعيدُ الرجلُ 11 مليار نيرة من إجمالي السرقات، مشهدٌ لا يُمكِن أن يكونَ في كوميديَّتِهِ أكثر من هذا، وأزعُمُ أنَّ أيّ مُخرِجٍ سينمائي لن يصِلَ إلى هذا المستوى في حرفيَّةِ تصوير الواقع كما فعَل الحاج هادي أماتيو.

المرشَحُ المُرتَقَب أبو بكر أودو لطالما كان ضيفاً على الصفحات الساخرة في مواقع الواصل الاجتماعي، وهو نجمُ الأفعال غير المعقولة في نيجيريا إلى جانب شيكاو قائد بوكو حرام، الرجلُ الذي وصلَ أبواب العقد السابع من عمرِه تزوَّجَ منذ فترة قريبةٍ بفتاةٍ عمرها 14 عاماً، هذا المشهد قد يلخِّصُ كلّ ما يمكن قولُهُ عن المرشَّحِ السعيد الذي سبَقَ لهُ أن تولَّى حكمَ ولايةِ كوجي إحدى ولايات نيجيريا الست والثلاثين بين عامي 1999 و2003.لا تفاصيل واضحة عن حياةِ المُرشَّح سوى أنَّهُ كان مفتياً لمنطقتِهِ قبل أن يحكُمها، وهذا يحيلنا للجزم عن تلقيهِ التعليم في مدارس الكتاتيب التي تنشط عموماً في نيجيريا، ولكن أمامنا تصريحُ رئيس الحزب التقدُّمي الذي رشَّحهُ لكرسي الرئاسة، وهذا التصريح كفيلٌ بإعطائنا صورة وافية عن مسيرةِ الرجل الذي استطاع اختلاس أكثر من 11 مليار نيرة نيجيرية خلال أربع سنوات من حكمِهِ لولايةٍ صغيرةٍ مثل كوجي يقطُنُها ما يقارب مليوني نسمة وتصلُ مساحتُها إلى ثلاثين كيلومتر مربَّع.

يمكنُ القول بكثير من الجزم إنّهُ صار لزاماً على المُشتغلين بالسياسة أن يقوموا بإعلان وفاة الديمقراطية، ولا بأس من كتابةِ نعيٍ عظيم يحكي عن مسيرتِها في الشعوب التي حلمَت بممارستِها، الديمقراطية في فكرتِها تقومُ على أن يختار الشعب ممثليه دون أن يُمارَسَ عليهِم أيُّ ضغط، والمفاضلةُ بين المرشحين لا تكونُ بين العرق واللون والدين بل بين البرامج التنموية والسياسية والثقافية والاجتماعية التي يتم طرحُها خلال حملاتٍ يتمُّ تنظيمُها قبل الانتخابات.

ولكننا هنا في المشهد النيجيري نتوقّفُ في عرضِ البحر، حيثُ لا يابسة بعدَ أن رمى الحاج هادي بتصريحِهِ الخطير، فقَد ركَل الديمقراطية بقدمِه، وهنا أيضاً لا بدَّ من الاعتراف أنَّ دول إفريقيا التي شهِدَت حروباً أهلية مثل النيجر لا تتمتَّعُ بظروفٍ ملائمةٍ لتطبيق الديمقراطية خاصةً في ظلِّ سيطرةِ الفكر المتشدِّد بقُطبَيهِ كحاضنةٍ تحيقُ بالمتواجدين على تلك الأرض، فلا مجال فيها لأن يكونَ الإنسانُ في الوسط، يجبُ أن يكون على إحدى الضِّفَتَين المتقاتلين.

المشهدُ في الشرقِ لا يختلِفُ كثيراً عن أفريقيا، فإن كانت مُعظَمُ الانتخابات في الدُوَلِ التي تشهَدُ دوراتٍ متعاقبة لمجالس الشعب فيها، تقومُ على الفكرةِ القائمةِ الواحدةِ التي يطرحُها الحزب الحاكم، وبالطبع فإنَّ القائمةَ تضمُّ بين جنباتِها سُرَّاقاً وواجهاتٍ اقتصادية لأصحاب نفوذٍ في الدولة العميقةِ الحاكمة.

وعادةً ما يظلُّ هذا الأمرُ سرَّاً غير قابلٍ للتداول العلني إلا في مجالسَ خاصة، بينما في المشهد النيجيري فإنَّ الأشياءَ تأخذُ بُعداً آخر، حيثُ يقول المرشَّح “انتخبوني كي أُعيدَ ما سرقتُه خلال حكمي المنصرم”، وكأنَّهُ بصورةٍ أخرى يقول “انتخبوني لأُعيدَ تنظيمَ ثروتي بعدَ أن أُعيد ما أخذتُ لأضعهُ فوقَ ما سآخُذه”.

لعبة المغزل

في رواية الكاتب الإريتري حجي جابر الأخيرة “لعبةُ المغزل”، يتناولُ المؤلِّف فيها حالةَ إعادة إنتاج التاريخ وكتابتِهِ في آنٍ معاً، ضمنَ السراديب المُغلَقة التي يُشرِفُ عليها الرئيسُ مباشرة، تلك الروايةُ تُعطينا صورةً أدقَّ لفهم الحالة النيجيرية الأخيرة، ورغمَ أنَّ أبطالَها إريتريون، إلّا أنَّهُم في نيجيريا يتقاطعون بمساراتٍ عديدة مع المشهد الإريتري خاصةً في ما يتعلَّقُ بالانتخابات.

أماتيو يقول دفاعا عن فكرته "لسنا قديسين، ولا يوجد أي حاكم يمكن أن يزعم بأنه لم يسرق أو يسئ التصرف على الإطلاق في أموال الدولة خلال فترة حكمه، لقد وعدنا الأمير بإعادة الأموال إلى خزينة ولاية كوجي إذا ما تم انتخابه"

الجميعُ في العالمِ يؤمنُ أنَّ الديمقراطية عبارةٌ عن لعبةٍ يُسمِّيها القائمون عليها “لعبةَ الديمقراطية”، التي تؤدِّي بالنهايةِ إلى وصولِ أصحاب الأصوات الأعلى لسدَّةِ الحكم، هذه الحال تنطبِقُ على كلِّ دول العالم التي تمارس هذا الفعل، وللوصولِ إلى مركز القرار يتم تشريعُ كل الأفعال، بدءاً من شيطنةِ الطرف المنافس ووصولاً إلى استخدام الأُعطِيات والهِبات والقسائم التموينية التي يُستَهدَفُ فيها الفقراء والبسطاء لشراء الأصوات، فالفقراء والبسطاء هم من يشكلون القاعدةَ الأشمل للتصويت في بلاد العالم الثالث، نُضيفُ إليهِم الأموات في بلادٍ تحكُمُها الدكتاتورية، حيث تكونُ نتائجُ التصويت معروفةٌ سلفاً للقاصيوالداني قبلَ اتجاهِ الناخبينَ إلى صناديق الاقتراع.

بنظرةٍ شاملةٍ للعالم نجدُ أنَّ الانسان مارسَ خلال وجوده على هذه الأرض أنظمةً مختلِفةً في شكلِها وما يزالُ إلى اليوم يبحثُ عن نظامٍ يناسبُهُ في إدارةِ شؤونِ حياتِه، والديمقراطيةُ كانت أحد أشكال الحُكم التي باتت تسقُطُ رغمَ عراقتِها في كثيرٍ من دول العالم، ففي القارة الأوروبية مثلاً نرى اليوم اليمين المتطرِّف يُمسِكُ بمراكزِ صناعةِ القرار في كثيرٍ من بلاد القارة العجوز، بالطبعِ إنَّ التطرف في الشرق و أفريقيا سيقابلُهُ تطرُّف في الغرب، ولكن من المفترَض هنا أن تقومَ الديمقراطية بدفعِ القادر على احتواء هذا المشهد وتذليلِه باتجاه التصالُح مع الآخر، فهذا العالمُ الواسعُ قادرٌ على استيعاب الجميع.

صورةُ الحاج هادي أماتيو والحاج أبو بكر أودو لها أقرانٌ في كلِّ العالم، وإن كان أماتيو الذي تغنِّى بإنجازات أودو يُقرُّ بالوقوعِ في الخطيئة، فإنَّ نظراءه في دول العالم لا يمتلكون الجرأة الكافية للظهور والاعتراف بالفشل أو السرقة، فنراهُم يجلسون ما استطاعوا على كرسيِّ الحُكم، مُستخِدمين في سبيل الوصول إليهِ كلَّ الطرق الممكنة، وبشكلٍ أكثر دقَّة فإننا في العالم العربي الذي جعلَ أماتيو وأودو أضحوكةً على وسائل التواصل الاجتماعي قد اُبتُلينا بأكثر من أماتيو وأودو على امتداد أقطارنا التي تشهدُ انتكاساتٍ لم يسبِق لها مثيلٌ في تاريخِها.

لا بدّ أن نقرَّ أنَّ الديمقراطية لا تحمي الضُعفاءَ من بطش الأقوياء وسُلطةِ العسكر، فالإنسانُ لا يولدُ حرَّاً في ظلِّ كل ما يُقيِّدُه في مسيرتِه نحو العالم الآخر، الديمقراطيةُ فكرةٌ والفكرةُ تموت أمام الإصرار على تجييرِها وتذليلِها نحوَ أماكنَ ضيِّقة، ففي بلادٍ مثل نيجيريا التي يتربَّصُ بها شيكاو الذي بايع أبو بكر البغدادي على خلافتِهِ الإسلامية في دولةِ العراق والشام، يعلِنُ سيَّاسيُّوها بكلِّ وضوحٍ أنَّهُم سارِقون وأنَّهم على استعداد لردِّ المسروقات مقابلَ البقاء في السلطة، وهنا يجب طرحُ السؤال هل وُلِدَت داعِش من فراغ، إذا كان مدَّعو الديمقراطية يقفون على الضفَّةِ الأخرى منها في سرقةِ الأوطان؟

13