هادي البحرة لـ"العرب": موسكو تستعيد الحل السياسي لتغطية فشلها العسكري

تحدث المعارض السوري هادي البحرة، في حوار مع “العرب” حول الوضع الراهن في سوريا، ميدانيا وسياسيا، محللا المواقف الدولية من الأزمة، لا سيما موقف موسكو، التي أدركت استحالة الحسم العسكري وأنها ستضطر للبقاء في سوريا لفترة طويلة، ما دفعها نحو التحرك سياسيا. وعلق فيه على الموقف الأميركي من الأزمة بقوله “إن واشنطن لا تملك حاليا أي استراتيجية واضحة تجاه الوضع السوري”، كما تطرق للموقف الإيراني وتداعياته والتنظيمات الإرهابية وتأثيراتها.
الجمعة 2015/11/06
المجتمع الأوروبي لم يتحرك بشكل جدي وإيجابي إلا حين تفاقمت قضية اللاجئين

شدّد المعارض السوري هادي البحرة، الذي تولى رئاسة الائتلاف السوري المعارض قبل رئيسه الحالي خالد خوجة في حوار مع “العرب”، على ضرورة الحل السياسي الذي تنشده قوى المعارضة السورية الملتزمة بقرارات مجلس الأمن والمتمسكة ببيان جنيف1.

* ما هي قراءتك للنتائج التي تمخض عنها مؤتمر فيينا بخصوص سوريا؟

- بعد قراءة بيان فيينا بتأن والتصريحات الصحفية للمشاركين فيه، نجد أن الخلافات مازالت عميقة حول نفس المواضيع التي كانت فيما قبل، وهو يكرر مختصرا ما جاء في بيان جنيف، ولا يمكن المضي قدما دون وجود توافق دولي وإقليمي يحسم القضايا الرئيسة ولا سيما موضوع الأسد ورحيل القوات والميليشيات الأجنبية. وقد جعل مبدأ القبول المتبادل في المفاوضات حسم القضايا الرئيسة غير ممكن، ولا بد أن يكون الحل مبنيّا على ما يتوافق مع تطلعات الشعب السوري لتحقيق انتقال سياسي جذري وشامل لا يكون للأسد ونظامه دور فيه.

* بالنسبة إليكم كقوى معارضة سورية، ما شكل الحل الذي تسعون إليه؟

- نؤكد التزامنا بكافة قرارات الشرعية الدولية بخصوص سوريا، وأهمها قرارات مجلس الأمن رقم 2042 للعام 2012، والقرار رقم 2118 لتنفيذ بيان جنيف 30 يونيو 2012 كاملا، ونكرر موقفنا بضرورة إعادة تفعيل آليات الحل السياسي وصولا إلى تحقيق تطلعات الشعب السوري المشروعة في دولة مدنية وتعددية ديمقراطية، دولة لا وجود فيها لقيادات ورموز الاستبداد ولا لمجرمي الحرب كائنا من كانوا، ولا يمكن لأي حل سياسي أن يتكلل بالنجاح إن لم يضمن انتقالا سياسيا حقيقيا.

وبشكل عملي لا يمكن تنفيذ مرحلة انتقالية تحقق المراد منها في ظل وجود الأسد ونظامه، وهاهي التجربة اليمنية تثبت ذلك، ولا إمكانية لنجاحها تحت ظل الاحتلال الأجنبي، مما يوجب ضمان رحيل كافة القوى العسكرية الأجنبية المحتلة، كما أننا نعرب عن وقوفنا ضد الإرهاب بكافة أشكاله وتنظيماته والتزامنا بمحاربته أيا كان مرتكبه وأيا كان مصدره، فلا يمكن القضاء عليه ومكافحته بجبهة داخلية مفككة ومنقسمة، وضرورة توحيد هذه الجبهة يقتضي التوصل إلى حل سياسي ناجح.

العالم اليوم يرغب بمرحلة انتقالية منظمة في سوريا يستطيع التكهن بمخرجاتها ولو بحدود المعقول

* هل تعتقد أن الاهتمام الدولي بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية قد خَفُتَ، وبم تفسر التجاء بعض أطراف وفصائل معارضة أخرى إلى التشاور؟

- إن دور الائتلاف الوطني السوري ينبع من مدى التزامه بتحقيق أهداف الثورة ومطالب الشعب السوري المشروعة، وقد حمل الأمانة بكل صدق وإخلاص، رغم ضعف الإمكانات ووقف الدعم المادي عنه منذ أكثر من عام.

وعلى الرغم من الأخطاء والسلبيات الموجودة فيه، إلا أن هذا الالتزام يجعل الائتلاف الجهة الموثوق فيها الوحيدة من قبل قوى الحراك المدني والفصائل العسكرية الثورية، ولعلك لاحظت المواقف المشتركة بين الائتلاف وبينها، ولا سيما خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. وبالتالي، فإن الاهتمام الدولي عاد إلى الائتلاف كمؤسسة جامعة ومنفتحة على كافة القوى السياسية والثورية السورية والمحاور الرئيسية الممثلة لتطلعات الشعب السوري، ولا يمكن التخلي عنه.

* هل لدى المعارضة، لا سيما الائتلاف، خطة واضحة لما بعد الحل السياسي؟

- نحن أكثر الناس حرصا على المحافظة على مؤسسات الدولة التي هي نتيجة جهود وعمل آبائنا وأجدادنا، نشأت وتطورت بأموال ضرائبهم، وهي مؤسسات وجدت في سوريا منذ المئات من السنين. ولدينا خطة واضحة للرقي بها وتحسين أدائها وكفاءة موظفيها، وتطوير خدماتها والقضاء على الفساد والمحسوبيات التي عمّت فيها، ومراعاة الالتزام بحقوق الإنسان وعدم التمييز في نظم عملها. ونحن حريصون على المحافظة على عمل كل مواطن ووظيفته ورفع إمكانياته لزيادة دخله وإيجاد فرص عمل جديدة له، ويجب على مؤسسات الدولة أن تواكب المؤسسات العالمية المتقدمة، كل ذلك سيقتضي العمل الجاد ومساهمة كل الكفاءات السورية والكثير من الاستثمارات في أهم ثروة تملكها سوريا وهي مواردها البشرية.

التدخلات الخارجية

هادي البحرة

مولود في دمشق عام 1959، ودرس الهندسة الصناعية من جامعة ويتشيتا في الولايات المتحدة الأميركية

أمضى معظم حياته المهنية في السعودية حيث تسلم مناصب عدة في إدارة مستشفيات ومؤسسات تجارية

ترأس البحرة وفد المعارضة إلى محادثات جنيف 2 بين المعارضة والنظام في سويسرا

تولى سنة 2014 رئاسة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية خلفا لأحمد الجربا

* كيف ترى تأثير التدخل الروسي في سوريا؟

- منذ بداية التدخل الروسي كان واضحا استهدافه للفصائل العسكرية المعتدلة ولفصائل الجيش الحر، كما لبعض المناطق المدنية التي تشكّل الحاضنة الاجتماعية لها، ولم يوفر حتى المشافي الميدانية والعاملين فيها، وكانت الأهداف التابعة لتنظيم داعش التي تم استهدافها لا تتجاوز 5 بالمئة من إجمالي الأهداف.

ورغم كل هذه الغارات وكثافتها، لم تستطع قوات النظام وحلفاؤه من الميليشيات الطائفية، الإيرانية والأفغانية والعراقية واللبنانية، أن تواكبها بتقدم على أرض المعركة يمكّنها من تحقيق أي مكاسب استراتيجية، كل ذلك وضع القيادة الروسية أمام حقيقة الوضع في سوريا واستحالة تحقيق حسم عسكري. وقد بات معلوم أن تكلفة هذا الحل ستكون مرتفعة وغير مضمونة النتائج، وأنها ستضطر للبقاء في سوريا لفترة طويلة ولن يستطيع الاقتصاد الروسي تحمّلها، فهذا فعليا ما دفع القيادة الروسية نحو التحرك سياسيا بشكل أسرع، محاولة جني أكبر مكاسب ممكنة من تدخلها العسكري.

* هل يمكن الرهان على الروس في رعاية حل سياسي للأزمة السورية؟

- روسيا تتحرك في المنطقة وفق مصالحها الوطنية، فقيمة بشار الأسد ونظامه لديها بمقدار خدمته لمصالحها. والموضوع لا علاقة له بالثقة في القيادة الروسية، وإنما بإيجاد التقاطعات الأساسية، في ما يمكّن من المصالح والمخاوف المشتركة بما يكفي لدفع روسيا إلى التخلي عن دعمها لنظام الأسد، عندما تصبح تكلفة الاستمرار في دعمه أكبر من تكلفة التخلي عنه.

* ترددت تسريبات بشأن تواصل الروس مع عدد من الشخصيات لتولي مهمة إدارة المرحلة الانتقالية أو لعب دور بديل لرئيس النظام، من بينهم مناف طلاس، ما هو تعليكم على ذلك؟

- لا نعتقد بوجود أي خطط معلّبة وجاهزة للتنفيذ، كما أن الموضوع بذاته يتعلق بالمصالح والمخاوف. والمعضلة الكبرى هي عدم وجود القوة السورية الضامنة للتعهدات والالتزامات التي من الممكن منحها، فالثورات كما نعلم هي حالة شعبية غير منضبطة وتنادي بتحقيق الديمقراطية وبالتالي هي ليست حالة انقلابية مضمونة ومعروفة النتائج وهذا يشكل بحد ذاته عنصرا يخيف روسيا وبعض الدول الأخرى من المجهول القادم.

وكل ما يدور في أروقة الصحافة والإعلام لا يعدو أن يكون سوى تكهنات وإشاعات مبالغ فيها. وفي رأيي، فإن العالم اليوم يرغب بمرحلة انتقالية منظمة في سوريا يستطيع التكهن بمخرجاتها ولو بحدود المعقول، ولكنه في نفس الوقت لم يصل إلى توافق في الموضوع السوري، نظرا لتشابكه مع عدة أزمات عالمية وإقليمية.

* هل تعتقد أنه بمقدور إيران عرقلة أي حل سياسي للأزمة، من منطلق أنه قد لا يفيد بالأساس مصالحها الاستراتيجية في سوريا؟

- إيران باتت تشكل إحدى قوى الاحتلال الأجنبي لسوريا التي عجزت عن فرض أي حلّ وساهمت في إطالة أمد المأساة السورية وإعاقة أي حل سياسي. ومشكلة القيادة الإيرانية أنها تتعامل بوجهين متناقضين، أحدهما تظهر من خلاله رغبتها في أن تعامل كدولة تحترم القانون الدولي وتتفهم النظام السياسي العالمي والقواعد الدبلوماسية وتلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

والوجه الآخر تظهر من خلاله واقع رغباتها ونواياها بشكل فعلي، فهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتدخل في الشؤون الداخلية للدول في محيطها الإقليمي وتتحالف مع تنظيمات وميليشيات غير نظامية وبعضها ذات طبيعة إرهابية وتستخدمها لتوسعة نفوذها عبر بث الفوضى أو عبر استخدام العامل الطائفي بشكل يثير حفيظة غالبية شعوب جيرانها. كما أن عدم قبولها بالمساعي الدولية والإقليمية لحل مشكلة الجزر الإماراتية المحتلة، بشكل سلمي وقانوني، يثير مخاوف دول الإقليم.

* أين تقف الولايات المتحدة الآن، من وجهة نظرك، من الأزمة السورية؟

المجتمع الأوروبي لم يتحرك بشكل جدي وإيجابي إلا حين تفاقمت قضية اللاجئين

- موقف الولايات المتحدة من كافة النزاعات الدولية ارتبط بمرحلة إدارة الرئيس أوباما انطلاقا من رغبة جامحة تحدوه في عدم الدخول بأي أعمال عسكرية عبر البحار، ومحاولة تقليص ما كان موجودا منها ومحاولة دفع الدول الأخرى للعب دور أكبر في حل النزاعات الإقليمية والمحلية. وبالتالي فواشنطن لم تهتم بوضع استراتيجيات ناجعة لهذه الحالات، ممّا خلق فراغا كبيرا في عدة بؤر توتر عالمية وإقليمية وشجع بعض الدول ذات المطامع على توسيع نفوذها عبر القيام بتصرفات عدائية وانتهاكات بحق دول أخرى لم تكن لتفعلها لو كانت هناك إدارة أميركية حازمة تملك استراتيجية وخطوطا حمراء واضحة وتتصرف بحزم في حال تجاوزها.

فكلنا رأينا الخطوط الحمراء التي وضعتها الإدارة الأميركية للنظام السوري في حال استخدامه للسلاح الكيميائي ضد شعبه، ومن ثمة تمكّن النظام من الالتفاف على هذه الخطوط التي تخلت عنها الإدارة الأميركية.

هذا الموضوع كان محوريا لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية، حيث أصبحت قادرة على توقّع نوعية وحجم ردود أفعال الولايات المتحدة بنسبة كبيرة على أي تجاوز تقوم به، كما أن الإدارة الأميركية وضعت أولوية أساسية منذ البداية، تتمثل في إنجاز الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، ممّا حوله إلى معيار نسبي تقيس عليه الإدارة مواقفها تجاه القضايا الأخرى الرئيسة، فإن كانت تصرفاتها أو ردات فعلها بخصوصها قد تتسبّب في تعطيل إنجاز هذا الاتفاق أو تعيقه، يكون القرار بإلغائها أو تعطيلها.

مع الأسف الولايات المتحدة لا تملك حاليا أي استراتيجية واضحة تجاه الوضع السوري، على عكس الروس والإيرانيين، الذين وضعوا كل إمكانياتهم للحفاظ على مصالحهم عبر دعم وكيلهما في سوريا.

داعش وما بعد الأسد

* البعض يخشى أن يكون تنظيم داعش بديلا لـ”الأسد”، كيف ترد على ذلك؟

موقف الولايات المتحدة من كافة النزاعات الدولية ارتبط بمرحلة إدارة الرئيس أوباما انطلاقا من رغبة جامحة تحدوه في عدم الدخول بأي أعمال عسكرية عبر البحار

- داعش هو ظل النظام ولا يمكن التخلص من هذا الظل إن لم نتخلص من النظام. داعش جسم غريب عن المجتمع السوري وقيمه. فالمجتمع السوري مجتمع مسلم وسطي في غالبيته، منفتح على جميع الديانات والطوائف، لا يمكن أن يسود فيه التعصب ولا التطرف ولا يمكن أن يسمح باستيطان الإرهاب فيه. خيارنا هو ضد داعش وضد الأسد، خيارنا دولة المواطنة التي تتساوى فيها حقوق وواجبات المواطنين، دولة القانون التي تضمن حرية مواطنيها وتصون كرامتهم.

* حال تنفيذ الحل السياسي المنشود، ألا ترى أن تلك التنظيمات الإرهابية ستقف عائقا أمام تنفيذه؟

- نعم، هي بالتأكيد ستكون إحدى أهم العقبات والتحديات التي يتوجب علينا التغلب عليها، وهذا ليس بالسهل، ولكن لا يمكن القضاء عليها ومكافحتها بجبهة داخلية مفككة ومنقسمة، ولتوحيد هذه الجبهة يقتضي التوصل إلى حل سياسي يعد أساسا لمكافحة الإرهاب، وعنصرا هاما وأساسا لعملية سياسية ناجحة.

* هل حرّك تفاقم أزمة اللاجئين أوروبا إيجابا أم سلبا إزاء الأزمة السورية؟

- نعم للأسف لم يتحرك المجتمع الأوروبي بشكل جدي وإيجابي إلا حين تفاقمت قضية اللاجئين، لكنه ما يزال في إطار معالجة الأعراض، وهي أزمة اللجوء، ولم يبذل الجهد الكافي بعد لمعالجة المسبب الرئيس وهو استبداد النظام وجرائمه بحق شعبه. لم يعِ العالم أن الوقت قاتل في سوريا، وأن الساعة لا تحسب بالدقائق، ففي كل ساعة من الوقت السوري يفَقَد ما لا يقل عن سبعة مواطنين أبرياء حياتهم، ويدفع القصف والقتل أكثر من 108 مواطنين للجوء إلى خارج سوريا، وأكثر من 154 مواطنا ينزحون داخلها. مأساة العصر السورية تجاوزت الأربعة أعوام.

12