هادي يحمد: تونس تنتقل من ريادة الانفتاح إلى مدارات الرعب الجهادي

الجمعة 2015/03/20
معظم المجتمع التونسي رافض لظاهرة السواد والتشدد التي تهدد انفتاح تونس

يعتبر الباحث التونسي المختص في شؤون الجماعات الجهادية، هادي يحمد، في حوار أجرته معه “العرب”، على هامش ندوة عرض خلالها كتابه الجديد “تحت راية العقاب.. سلفيون جهاديون تونسيون”، أنّ فهم ظاهرة التنامي الجهادي في تونس يمر عبر تقصي الأسباب التي ساعدت على توفير تربة خصبة لتفريخ التشدد أصبحت معها تونس “المصدّر رقم واحد”، حسب ما أفادت به تقارير دولية، للعناصر الجهادية إلى التنظيمات الإرهابية في كلّ من العراق وسوريا.

أوضح الكاتب التونسي هادي يحمد، في حوار مع “العرب”، أنّ كتابه عن الجهاديين السلفيين في تونس هو عصارة عمل بحثي مسنود بتقارير ولقاءات صحفية كان قد أجراها مع رموز التيار الجهادي في تونس، وهو ثمرة تحقيقات وبحث في ظاهرة التونسيين الذين انخرطوا في ما يسمى بالحركات الجهادية في تونس وفي كثير من بقاع العالم.

وأضاف هادي يحمد، وهو صحفي مختص في شؤون الحركات الإسلامية والأقليات وعرف بتحقيقاته الصحفية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، أنّ التنامي المطرد لظاهرة الجهاديين التونسيين، المنضوين تحت راية التنظيمات الإرهابية وخاصّة تنظيم “الدولة الإسلامية” في كلّ من العراق وسوريا وليبيا أضحى لا يمثل خطرا على الأمن القومي التونسي فقط وإنما على الأمن الإقليمي والعربي عموما.

وتحول تونس إلى “المصدّر رقم واحد” للجهاديين، ذكورا وإناثا، أصبح محلّ متابعة واستقصاء في صفوف الباحثين والمحللين المعنيين بشؤون الجماعات المتشددة، من أجل الوقوف على الأسباب الكامنة وراء هذا “التميّز التونسي”، الذي ينبع أساسا من مفارقة غريبة مفادها كيف لمثل هذا المجتمع الذي طالما عرف، على الأقل ظاهريا، بانفتاحه وتفتحه أن يتحول في ظرف وجيز إلى تربة خصبة لتفريخ الجهاديين؟

رحلة في عالم الجهاديين

يقول الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، إنّه عمد في كتابه “تحت راية العُقاب.. سلفيون جهاديون تونسيون”، إلى حمل القارئ في رحلة إلى عالم السلفية الجهادية التونسية من خلال عرض قصص الشباب التونسيين الذين قاتلوا في أكثر من مكان مثل العراق وسوريا والصومال واليمن وأفغانستان، التي كانت البوابة والبلد الأول الذي انطلقت منه هذه الشرارة، من خلال عرض بورتريهات وسير ذاتية لهؤلاء التونسيين الذين تأثروا بالفكر الجهادي، إلى جانب تضمّنه حوارات ومقابلات معهم.

من المهم أن يكون هناك تنسيق عربي متكامل من أجل التصدي للإرهاب باعتباره خطرا جماعيا

وأوضح، في معرض تصريحه لـ”العرب”، أنه بحث في قصص الجهاديين التونسيين وخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من خلال انطلاقه من حادثة مفصلية وهي حادثة اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد التي مثّلت صدمة بالنسبة إلى التونسيين، وأثارت الحادثة سؤالين وقتها مفادهما من يقف وراء العملية؟ ومن هم الذين قاموا بهذه الجريمة؟.

وأشار إلى أنّ المجتمع التونسي، والمجتمع السياسي أيضا، انتقلا حينها من مرحلة الصدمة إلى مرحلة الفهم، عندما اكتشفا أنّ وراء هذه الاغتيالات يقف طرف سياسي – ديني يتبنّى العنف كمنهج لتغيير الحكم ويدعو إليه، هو تنظيم “أنصار الشريعة” السلفي المحظور.

تلك الحادثة، يقول يحمد، كانت بمثابة المنطلق في محاولة فهم الظاهرة، لافتا إلى أنّه قام بالعودة إلى الوراء لرصد أهم المحطات التي مرّ بها التيار الجهادي في تونس، وطبعا المرحلة التي خرج فيها إلى العلن في 21 أبريل 2011 عن طريق عقده لـ“مؤتمر سكرة”، ومن ثمة مرّ على مؤتمر القيروان الذي وقع تحت حكم الترويكا (بقيادة حركة النهضة الإسلامية رفقة حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل من أجل العمل والحريات العلمانيّين)، ثمّ إلى ما قبلهما من أحداث عرفتها تونس مع بداية القرن الحادي والعشرين، وخاصّة عملية “سليمان” الشهيرة سنة 2006 (التي وقعت زمن حكم الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي) والمحاكمة المشهورة التي عرفها أحد أبرز منظري التيار الجهادي في تونس وهو الخطيب الإدريسي رفقة عناصر كتيبة أسد بن الفرات التي قامت بتلك العملية.

مسار بحثي يتعامل، ولا يسير، على هدي السلم الزمني العادي، بل يلاحق أبرز الأحداث ليسلط الضوء من خلالها على أبرز الظروف التي أحاطت بنشأة المدّ الجهادي في تونس، حيث يقول يحمد، في حواره، إنّه بحث في أهم المجموعات التي رحلت للقتال إلى جانب الجماعات الجهادية في سوريا والعراق ما بعد الثورة التونسية، ليعود إلى أولى الخلايا التي ذهبت للقتال إلى جانب جبهة النصرة وهي “خلية بن قردان”(جنوب شرقي تونس).

ولفت إلى أنه حاول إيجاد خلفية للبحث عن مرجعيات التيارات الجهادية، والغوص فيها والترحال في عالمها للبحث عن الخلفيات التي تدفعها إلى استعمال العنف، ومن أجل فتح أفق لإمكانية تخليها عن العنف استنادا واستئناسا بتجارب سابقة، خاصة المراجعات التي قامت بها مجموعات الجهاد في مصر.

التصدي للمد التكفيري وتأثيره على الشباب من أولويات الحكومة في تونس

الاستئناس بمراجعات التيار المصري

يقول يحمد “لا يمكن فهم تيارات السلفية الجهادية في تونس بمعزل عن الفكر السلفي المنتشر في العالمين العربي والإسلامي بشكل عام، خاصّة أنّ الارتباط بين الجهاديين التونسيين وغيرهم يبدو وثيقا جدا، من حيث وحدة الأدبيات والمرجعيات الفكرية التي أشرت إليها في ثنايا الكتاب والتي خصصت لها فصلا كاملا من الكتاب تحت عنوان ‘قدموا من هناك”.

وأشار إلى أنّ هذا الترابط القائم والمرجعية الفكرية المشتركة يستوجبان الأخذ بعين الاعتبار أنّ المعالجة يجب أن تكون شاملة. ولأنّ كتاب، سيد إمام، الذي يحمل عنوان “العمدة في إعداد العدة”، والذي كتبه إمام، أبرز منظري الجهاد في العالم، في منطقة القبائل الأفغانية إبّان فترة “الجهاد” الأفغاني ضد الاتحاد السوفيتي، يعدّ أحد أبرز المرجعيات التي استندت إليها السلفية الجهادية فيما بعد، وإذا كان سببا من أسباب تفشي الداء، فإنّ المراجعات التي قام بها إمام نفسه يجب أن تكون ضمن الخلطة العلاجية.

ويعتقد يحمد أنّ التيار الجهادي السلفي في تونس، لم يطّلع على المراجعات التي قام بها، سيد إمام، بالإضافة إلى وثيقة “ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم” التي أصدرها، وربما لم تصله من الأساس لأنّه تيار حديث النشأة. فالتيار التونسي لا يتوفّر على منظرين يمكنهم المراجعة، حتى أنّ كل تنظيراته آتية من مصادر خارجية، وهو كذلك حديث حتى في جانب العنف التنظيمي ولم يأخذ مداه الحقيقي للقيام بأي مراجعات.

وفي ما يتعلق بضرورة استغلال تلك الأدبيات والمراجعات للتصدي للمد التكفيري في تونس، وفي مختلف البلدان العربية الأخرى، يرى أنّ السلط التونسية والعربية بشكل عام مطالبة بأن تعي أنه من المهم أن تقوم بإبراز أنّ رموز التيار الجهادي في العالم والمؤسسين له قاموا بمراجعات عميقة، خاصة في ما يتعلق بضرورة التخلي عن العنف.

وأوضح أنّ السلطات مطالبة ربما بالعمل على نشر تلك المراجعات بين صفوف شباب هذا التيار، وهي مسألة جدّ مهمة لكي تتمكّن ولو بصورة وقتية من حثّ هؤلاء الشباب على مراجعة أفكارهم ومواقفهم من داخل المنظومة ذاتها، ويتخلوا عن خيار العنف.

هادي يحمد: تونس هي البلد العربي "الأكثر انفتاحا" أضحت توصيفا غير مقنع في ظل تمدد التيار الجهادي فيها

وأضاف قائلا “طرحت فكرة تمرير مثل هذه المراجعات إلى السجون التي يعشش فيها الفكر المتطرف، والتي تعتبر بؤرة من بؤر نشر التشدد، كحل عملي، ولست بالطبع في موقع سلطة حتى اتّخذ القرارات، ولكن أعتقد أنّ تمرير هذه الكتابات إلى السجون العربية والتونسية التي أصبحت حاضنة للفكر الجهادي، من شأنه أن يمنح رؤية أخرى مختلفة لهؤلاء الشباب الذين يتوفرون على القليل من المعلومات حول التيار، والآخرين الذين ربّما تورّطوا بصورة سطحية في التيارات الجهادية وأسهم دخولهم إلى السجون في ترسيخ قناعتهم بذاك الفكر عـن طـريق مرجعيات فكـرية منتقـاة يقدمها لهم الجهاديون من أصحاب التجربة”.

ولفت الباحث التونسي، في معرض حديثه مع “العرب”، إلى أنّه من المهم تفكيك المنظومة من الداخل عن طريق ترويج مثل تلك المراجعات والأدبيات داخل السجون، حتى يطرح أولئك سؤالا على أنفسهم مفاده أنّ التيار السلفي الجهادي ورموزه في العالم قد قاموا بالفعل بمراجعات، فلماذا لا يقومون كذلك بمثل تلك المراجعات؟

وحول ضرورة توحيد الجهود بين البلدان العربية من أجل معالجة الظاهرة الإرهابية، أكّد هادي يحمد أنّ معالجة الظاهرة يجب أن تكون جماعية، فلا سبيل لمعالجة الإرهاب في تونس على سبيل المثال دون الاستئناس بتجارب عربية سابقة، بل يجب أن يكون هنالك مجهود إقليمي لمجابهة هذه الآفة التي تهدد الجميع. وأضاف أنه من المهم أن يكون هناك تنسيق عربي من أجل التصدي لهذا الخطر الجماعي.

وأشار إلى أنّ السلط العربية، وتحديدا وزارات الداخلية العربية التي تجتمع حول هذه الظاهرة منذ فترة التسعينات من القرن الماضي، للأسف لم تحل دون تمدد وتغول هذا الخطر الذي يزداد قوة وتوحشا، وبالتالي أعتقد أنّ المعالجة فيها ثغرة، وربّما ثغرات، على ما يبدو تقتصر على الأمني وتفتقر إلى المعالجة الثقافية والمعالجة التي تعتمد على الإحاطة بتفاصيل الظاهرة من أجل تفكيك التيارات من الداخل تساوقا وتوازيا مع الحل الأمني، لذلك أعتقد أنّ الحل الثقافي مهم لإقناع رموز التيار بالمراجعة وتوفير قدر معين من الحوار معهم، حتى وإن كان غير مباشر، من أجل الخروج من مأزق العنف.

3 آلاف تونسي يقاتلون في صفوف جماعات متشددة، من بينها تنظيم الدولة الإسلامية

ضرورة فهم البيئة التونسية

في ما يتعلق بمدى ارتباط الواقعين التونسي والعربي ببعضهما البعض، وكيفية تأثير أحدهما في الآخر سواء على مستوى الانتشار الجهادي أو المعالجة، لفت الباحث إلى أن ذلك تحكمه علاقة مترابطة ومتشابكة إلى حد التداخل، حيث أنه لم يعد خافيا أنّ الجماعات الجهادية في العراق وسوريا تتوفر على قدر كبير من العناصر الجهادية التونسية، حتى أنّهم أصبحوا يمثلون “الرقم واحد” من حيث أعداد المقاتلين الأجانب، وهو ما يطرح سؤالا محوريا على المفكرين والباحثين المختصين التونسيين وكذلك العرب، وحتّى في مراكز البحوث والدراسات الغربية مفاده لماذا التونسيون دون غيرهم أصبحوا هم “الشرعيين” في الدولة الإسلامية “داعش”، وموجودين بأعداد غفيرة في هذا التنظيم؟ ولذلك فإنّ البحث في البيئة التونسية وفهمها من شأنه ربما أن ينير الطريق للباحث كي يقف على تمفصلات وميكانيزمات وظروف نشأة هذا التيار في تونس أولا، وسبب تحوله إلى المصدّر رقم واحد للجهاديين إلى بؤر الصراع والتوتر في العالم، وبالتالي يفتح له أفقا واسعا لفهم الظاهرة عربيا وإقليما.

وهو سؤال يفيد بدوره، وفق يحمد، أنّ مقولة “تونس هي البلد العربي الأكثر انفتاحا”، أضحت تبدو مخاتلة نوعا ما، وهي بالفعل غير مقنعة في ظل تمدد التيار الجهادي في تونس وتنامي قوته واستقطابه لعديد العناصر، فعلى الرغم من أنّ تونس تحتضن بيئة أكثر انفتاحا وتعدّ الأقرب إلى أوروبا من حيث المنوال المجتمعي الذي تعيشه، إلاّ أنّ هذه البيئة، وفي مفارقة عجيبة، أنتجت الأشرس في التيارات الجهادية والأكثر عددا، وبالتالي فإنّ درس الظاهرة الجهادية التونسية والإحاطة بجميع تفاصيلها والإلمام بجل الأسباب الكامنة وراء انتعاشها وتفشيها، يعدّ أمرا ضروريا ومفيدا إلى أبعد الحدود لفهم التيار بشكل عام في المنطقة العربية، وبالتالي محاولة استنباط الحلول الناجعة لصدّ خطره المتنامي ومجابهته وكفه على الأمن الإقليمي عموما.

12