هاري وميغان وشمع "المؤسسة" الملكية

المشكلة أن “المؤسسة” تتدخل في كل شيء. فهناك من خلف أساليب مخملية، الكثير من الوسائل التي تتيح لها أن تقرر ما هو أدنى من تفاصيل التفاصيل، حتى لكأنها تصمم نظاما ودولة ومجتمعا وعادات وتقاليد على مقاسها.
الأربعاء 2020/01/15
صدمة المؤسسة بتنازل الأمير الشاب وزوجته عن أدوارهما الملكية

بمقدار ما يتعلق الأمر بالنفوذ، فإن العائلة المالكة البريطانية لديها الكثير منه. وبمقدار ما يتعلق الأمر بالاحترام للدور الذي تؤديه، فإنها تملك الكثير منه أيضا، وذلك بما أنها لا تتدخل في شؤون الحياة العامة. تلك هي القاعدة المعلنة.

المشكلة هي أنها تتدخل في كل شيء. فهناك من خلف أساليب مخملية، الكثير من الوسائل التي تتيحُ لها أن تقرر ما هو أدنى من تفاصيل التفاصيل، حتى لكأنها تصمم نظاما ودولة ومجتمعا وعادات وتقاليد على مقاسها بالضبط. التمايزات الطبقية تبدو حارسا مهما لهذا النظام. والقيود المفروضة على الوظائف العليا، والمستشارون الملكيون وأعضاء مميزون من مجلس اللوردات، كل هؤلاء يدخلون في دورة تدريب حياتية تجبرهم، في النهاية، على أن يتقولبوا في القالب الذي تراه “المؤسسة” صحيحا.

هذا شيء ما كان يمكن لميغان ميركل أن تتعايش معه.

“المؤسسة” تتحكم حتى بصبغة الأظافر. وثمة طريقة خاصة، مخنوقة، لا تسمح إلا بمقدار من الكلام هو أقرب إلى الصمت، أو لغة الإشارات. وهناك جيش جرار من المتسلّقين يخدم تقاليد المؤسسة ويوصل رسائلها ويخوض حروبها الدونكيشوتية كل يوم. كل يوم بالفعل. من الصحافة التي تعيّن “مراسلا للشؤون الملكية”، إلى محطات التلفزيون التي تستوجب منها التقاليد أن تحتفل بالتقاليد، إلى المؤسسات الأخرى التي تتعامل مع “المؤسسة” وكأنها قدس الأقداس.

في التدريب من أجل أن يكون الأمير تشارلز “مؤسسة”، فقد وجد نفسه يتدخل حتى في اختيار تصاميم المباني، والأشكال الهندسية للمعمار. وعندما أتم تدريباته، أعلن ذات يوم غير بعيد أنه ليس غبيا إلى درجة أن يقول رأيه. في تلك الساعة اكتمل التدريب. ذلك أن إحدى أهم قواعده هي أن يتعلم كيف يُملي رأيه من دون أن يقوله.

“المؤسسة” تتحكم بالغمز والهمز واللمز. هذه طبعا لغة غير ملكية. إلا أنها تعني أن “المؤسسة” إذ تضع الشروط وتحدد مقومات التقاليد، فإنها تفرض كل ما تريد “من دون أن تقوله”.

وهي التي تنتخب الحزب الحاكم طبعا. كل ما يتعلق بالتصويت في الانتخابات مجرد شيء أقرب إلى “عُدّة الشغل”. العملية الانتخابية تبدو حرة طبعا. إلا أن مسارات هذه العملية، والانطباعات عنها، مصممة بحيث يفوز من يتعين أن يفوز. وإلا تنقلب الدنيا على رأس “أبو الذين” خلفوا رئيس وزراء لا ترضى عنه “المؤسسة”، أو يتبع برنامجا لا يتلاءم مع التصميم المسبق الذي تراه مناسبا.

عودة حزب المحافظين إلى السلطة، والهزيمة الكاسحة لحزب العمال، والخروج من الاتحاد الأوروبي، وقبل ذلك الاستقبال الملكي الحافل للرئيس دونالد ترامب، قضايا كانت ميغان ترى كيف يتم طبخها. هاري يعرف أكثر، ورأى ما هو أكثر ترويعا، فزادها ذعرا من كل تلك الكائنات التي تحيط بها.

وعندما اختارا لدى إعلانهما الرغبة بالاستقلال، القول إنهما يرغبان “القيام بدور تقدمي”، فإنهما قالا ما لا يمكن أن يقال في زوايا القصر ولا في صالاته. وعندما شعر هاري بأنه بات مهمشا حتى من جانب أخيه، وتهاجمه الصحافة كل يوم، فقد أدرك أن اللعبة انتهت، وأن التحرر من قيود القصر بات أمرا حتميا.

وهناك شخوص، كل يلعب دوره في مسرح شكسبيري على خشبة التقاليد. وهناك جمهور، هم في الغالب من الرعاع الذين يتعين أن يظلوا رعاعا، إلا إذا انتسب القليل من نخبتهم إلى القالب وتحولوا إلى تماثيل شمع. والكل يعيش في سجن ما تفرضه “المؤسسة”.

إنها متحنطة، إلى درجة أنها تضع أي بشر يقترب منها بين خيارين، إما أن يتحنط، أو يطلب الفرار إلى أبعد مكان ممكن. وآخر شيء يمكن أن تفعله أي امرأة من جنس البشر هو أن تتزوج واحدا من ذكورها. إنهم قوالب، بملابس أنيقة، وأدوار كارتونية، فقط. ومن ثم لينتهي الأمر بمأساة.

الأمير هاري انشق على هذه “المؤسسة” منذ أن فقد أمه. الأميرة ديانا نفسها كانت نموذجا للتمرد المطلق على مؤسسة توريات منافقة. وكان من الطبيعي أن ينتهي الأمر بها إلى موت لا تزال تحوم من حوله الشبهات.

حاولت جدته الملكة إليزابيث الثانية أن تغدق عليه بالحنان، إلا أنه ظل متمردا. لم يجد في صدرها حنان أمه وعفويتها.

البراءة الإنسانية في ديانا كانت هي آخر شيء يمكن لـ”المؤسسة” أن تتحمله. وهذه البراءة هي التي ظل هاري يفتقدها. وهي الجمرة التي ظلت تتّقد في صدره.

كيف عالجت “المؤسسة” بحنانها الخشبي تمرده المبكر؟ حركت عليه متابعات الصحافة وانتقاداتها. ولكنه ظل متمردا. ذهب إلى الولايات المتحدة ليمارس مقدارا من الحرية يفتقده في بلده.

هناك شعر بأنه إنسان وليس تمثال شمع في متحف “المؤسسة”. وسرعان ما عثر على امرأة جسدت له الانشقاق التام. ممثلة، أمها “ملونة”، أكبر منه سنا بثلاثة أعوام، أميركية، وخارج كل قالب.

ومن الواضح أنها أحبته بعمق وبساطة. يمكن لأي أحد أن ينظر في الصور التي ظهرت فيها ميغان معه. ولسوف يرى ابتسامة عريضة. هذه هي السمة الطاغية على كل الصور. وهي دليل على شيء مؤثر في العلاقة بين صبيين متمردين.

المعروف عن ميغان أقل بكثير من الحقيقة. صلاتها القوية بأسرتي باراك أوباما وبيل كلينتون، تعني شيئا لجهة ميولها السياسية. وتحديها لرئاسة ترامب، الذي ذهب بها إلى القول إنها لن تعيش في الولايات المتحدة إذا أصبح رئيسا، يكشف وجها آخر من طبيعتها القوية، كما يكشف لماذا أصبحت كندا، وليس الولايات المتحدة هي المستقر.

هذه بعض الأسباب التي جعلت العيش في محيط منزل محافظ، مغلق، متكتم، ويتحكم بتفاصيل التفاصيل، ولا يسمح حتى بالكلام، أمرا مستحيلا. وكان قالب الشمع أقسى من أن يُطاق، رغم أنه يبدو شديد الأبهة والثراء.

بإعلانهما المشترك، الخروج من الدائرة الملكية، أصابا “المؤسسة” بصدمة. هكذا قالت “المؤسسة”، التي قالت أيضا إنها شعرت بالحزن. إنه حزن خشبي طبعا. وسرعان ما قرر متحف الشمع أن يُخرج هاري وميغان من الدائرة الملكية.

بفعلتهما الخارجة عن التقاليد، أعلنا انتسابهما إلى عالم البشر. خرجا من السجن. وذاب الشمع.

9