هالا محمد: فراشة تدهس دبابة

السبت 2013/11/02
حوار شعري بين هالا محمد والفراشة

باريس- ترصد الشاعرة هالا محمد في مجموعتها الشعرية "قالت الفراشة" مشاهد من يوميات السوريين في ثورتهم، وفي ساحات الحرب. كما لا تخفي الفراشة تفصيلاً واحداً من رحلتها إلى كافة المدن السورية، ولا تخبئ شيئاً من غربتها داخل مخيمات اللجوء السوري. تقول: "حبل غسيل بالألوان/ يرف في هذا العدم/ معجزة".

الصورة الشعرية/السينمائية عند هالا محمد لا تستكين لمفرداتها البصرية أو اللغوية، فتمتاز بقدرتها على الإحالة إلى مشاهد وأحداث أكثر وطأة، فحبال الغسيل أمام خيم اللاجئين السوريين تغدو أكثر اخضراراً. كما أن الفراشة المتنقلة بين جرح وآخر، بين بسمة وأخرى، تطابقت ألوانها مع ألوان تلك الثياب المعلقة هناك، في العراء، كما لطخت بشرة معظم أصحابها بكثير من الحنين: "الطفل الفلسطيني الضليع في فقه الخيام/ استدار صوبها/ وبكى".

صخب الحياة اليومية يتجلى باستحضار الذاكرة السورية، عبر تقديم بعض من مفرداتها داخل النص الشعري "البطانيات، صناديق الأعراس، الحجاب، الخرزة الزرقاء ". المفارقات الحاصلة لا تشذ عن الواقع، بل تلتصق بطريقة فصامية لا تمتثل صاحبة "كأني أدق بابي" لغرائبية الصورة العامة، لمآسويتها، فالاقتراح المقدم يبدو كأنه ضرباً من ضروب المستحيل: قصيدة تواجه كل هذا الموت، فراشة تتحدى الدبابة، ليس كذلك فحسب، بل إن الكائنات الضعيفة الممتلئة بالقصائد لابد لها أن تنتصر.

كذلك، على صعيد التيمات تحضر "الأمومة، الاغتراب، الشهادة.. إلخ" ضمن قالب تخيلي ذي مستويات متعددة. الفرضية الأساسية هنا: مستوى أول عماده ارتحال مخيلة الشاعرة السورية لتبدو كأنها فراشة تطوف بأماكن عدة، لتشهد على أحداث موجعة حدثت في الواقع السوري "المجازر العديدة، استشهاد حمزة الخطيب وتعاطي إعلام النظام مع موته، طفل الشهيد غياث مطر".

أما المستوى الثاني هو مستوى حواري بين الشاعرة والفراشة "مخيلتها". ضمن هذه الحوارات تؤسس الشاعرة السورية لرصد الخراب الذي يتركه الخراب في المخيلة، فتارة تكون الشاعرة/ الفراشة تقضم الرصاص، وتارة أخرى تصعق بالكهرباء لحظة احتفائها بالحياة، تقول في قصيدة أهدتها في نهاية مجموعتها لعدد من أمهات الشهداء الذين أضحوا أيقونات في الثورة السورية والموسومة بـ"إلى أمهات الشهيد" : "غياث مطر، باسل شحادة، حمزة الخطيب". لتغدو الصورة العامة على هذا النحو: أمٌ تتذكر أمها، لتخفف عن أمهات الشهداء. دائماً وأبداً، الفراشة هي الأم الحالمة التي حملت كافة الألوان على جناحيها أملاً في الغد، لكن، الموت المتربص في بلادها جعل ألوانها بالأبيض والأسود. جعلها موسومة بالحزن الدائم، إلا أنه ثمة صوت يعلو هناك : "الأحزان على شط الفرات/ أجمل".

الثورة التي بدأت بكتابة شعارات على الجدران، ومن ثم تحولت لافتات وجدران مدن سورية إلى إيقونات ثورية، لابد لها أن تجد ظلالها على الجملة الشعرية عند صاحبة "على ذلك البياض الخافت".

فما بعد "الشعب يريد إسقاط النظام" خرجت الكلمة من سياق لغة رثة معتادة، لغة خطابات رنانة، لتغدو أكثر قرباً من مفردات الحياة المعيشة، كما في كل الأماكن التي تتوافر فيها فرص الحياة.

هكذا، يترك صوت الرصاص المنهمر منذ أكثر من ثلاثين شهراً أثره في آخر إصدارات المخرجة السورية لتكون الجمل الشعرية المنطوقة على لسان الفراشة: صادمة، مكثفة، مختزلة، كأنها تحضيرات أولى لطقس جنائزي، أو إشارات هدوء مخيف قادم لا محالة، عقب مجزرة مضت: "لم يمت/ الرصاصة/ رنت فوق جبهته/على قبلة أمه".

16