هالة الفيصل ترسم هواجس نسائها القلقات في معرض دمشقي

الفنانة السورية تعود إلى العرض في بلدها بعد غياب طويل، معبّرة في لوحاتها عن الاحتراق الداخلي الذي يعيشه الإنسان المعاصر.
الجمعة 2021/07/23
فنانة شاملة

دمشق – بعد انقطاع عن إقامة المعارض بسوريا دام ثلاثة عشر عاما عادت الفنانة التشكيلية هالة الفيصل إلى العرض في بلدها عبر معرض فردي ضمّ لوحات جديدة وأخرى قديمة، انطلقت في الاشتغال عليها منذ بداية الألفية الثالثة إلى غاية العام الجاري 2021.

والمعرض الذي استضافته قاعة المعارض في فندق “جوليا دومنا” بالعاصمة السورية دمشق، ويستمر حتى الخامس والعشرين من يوليو الجاري، اتخذ طابعا استعاديا وضمّ لوحات جديدة عن سوريا والمرأة وجوليا دومنا التي حكمت الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى بورتريهات وأيقونات عن الإنسان بهواجسه المختلفة.

وليس من باب العبث أو المصادفة أن تختار الفنانة السورية ابنة مدينة حمص إقامة معرضها الجديد في صالة معارض فندق “جوليا دومنا” الدمشقي، إذ يرمز اسم الفندق إلى شخصية امرأة سورية استثنائية ولدت عام 170 ميلاديّا في إميسا (حمص حاليا). وهناك تلقّت تعليمها وثقافتها الرفيعة، وبعد سنوات من زواجها باتت إمبراطورة روما، واستمرت في ريادتها الثقافية والفنية والاجتماعية.

هالة الفيصل: ظلت روح الإنسان تشدّني دائما للتعبير عنها في لوحاتي
هالة الفيصل: ظلت روح الإنسان تشدّني دائما للتعبير عنها في لوحاتي

وقصة الفيصل الفنانة التشكيلية الشهيرة تتقاطع في أجزاء منها مع قصة دومنا السورية، وتحديدا في الميل إلى الثقافة والفن والتميّز، فضلا عن كونهما من مدينة حمص.

والفيصل فنانة شاملة، فهي إلى جانب كونها تشكيلية لها العديد من المعارض الفنية في سوريا وخارجها. وهي أيضا مغنية وممثلة، حيث مثّلت في فيلم “وقائع العام المقبل” للمخرج السوري سمير ذكرى (إنتاج 1986)، كما أنها تتحدّث بأكثر من لغة من بينها العربية والروسية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية، وعاشت سنوات طوالا من عمرها متنقلة بين الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

وهي التي شغلت الرأي العام العالمي عام 2005 وأثارت جدلا واسعا عندما خلعت ملابسها وتعرّت في ساحة “واشنطن سكوير بارك” في نيويورك بعد أن وشّمت جسدها بعبارات مندّدة ومطالبة بوقف الحرب في العراق وفلسطين، ما أثار عاصفة لا تزال تداعياتها ماثلة حتى الآن وولّد ردود فعل متباينة بين مؤيّد ورافض.

واستطاعت الفيصل آنذاك أن تستثير حساسية الأميركي تجاه العري الأخلاقي في سياسة بلده وذكّرت العرب ببؤسهم الأخلاقي والأميركيين بعريهم الجسدي.

وضمن هذا التوجّه أتت لوحات معرض الفيصل الجديد كعادة الفنانة سردا لمعاناة الإنسان والعالم بشكل عام عبر أسلوب أقرب ما يكون إلى التعبيرية لترصد من خلاله العوالم الداخلية للبشر وتحكي آمالهم وطموحاتهم وهمومهم في الحياة والمجتمع، فالكائن البشري كان ولا يزال محور اهتمام الفنانة السورية في معظم أعمالها الفنية منذ انطلاق رحلتها مع الفن قبل أكثر من أربعة عقود.

وقالت الفنانة عن معرضها الحالي إن الإنسان هو موضوعها الأساسيّ وشغلها الشاغل في جميع معارضها. وأضافت “رسمت الطبيعة الحية والصامتة، ولكنْ ظلت روح الإنسان تشدّني دائما للتعبير عنها في لوحاتي”.

وبين نيويورك وبرلين ودمشق وحمص لم تتوقّف الفيصل عن إنتاج لوحات مختلفة رفدت فيها الحركة التشكيلية بإبداع مستمر لتصوّر جزءا منه في لوحاتها بمعرضها الأخير الذي حفل في جانب كبير منه بفن البورتريه عبر اعتمادها آلية عمل خاصة، مُبرزة في لوحاتها اللحظات التأملية أو زوايا النظر المُغايرة للحياة والموت، والتي تسيطر عليها عادة حالة من الجمود والشرود التام.

وتركّز الفيصل في مجمل لوحاتها المحتفية بالوجوه على العين، وهي التي تقول في هذا الخصوص “العين نافذة الروح وانعكاس للمعاناة الداخلية التي يعيشها الإنسان”.

وتستخدم الفنانة في أعمالها العديد من المواد الصباغية كالأكريليك والألوان الزيتية والمائية، كما تستخدم أيضا ألوان الباستيل وحتى الأحبار الصينية كي تمنح وجوهها ألوانا جديدة غير مألوفة، ليستحيل الوجه أزرق أو رماديا أو مزيجا بين هذا اللون وذاك، ومعبّرا عن الاحتراق والاختناق الداخلي الذي يعيشه الإنسان المعاصر نتيجة تخبّطه غير الواثق بين الأمل والألم.

الفنانة السورية تعود إلى العرض في بلدها بعد غياب طويل، معبّرة في لوحاتها عن احتراق الإنسان المعاصر
الفنانة السورية تعود إلى العرض في بلدها بعد غياب طويل، معبّرة في لوحاتها عن احتراق الإنسان المعاصر

وإلى جانب الوجوه تركّز الفيصل على الجسد الأنثوي لتحوّله إلى تحفة جمالية ذات دلالات عديدة بأكثر من معنى، فقد يكون في شكل شجرة والعصافير من حولها، أو عازفة تحمل آلة موسيقية تجعل الناظر إليها يسمع أنغاما تنبعث من بين ألوان اللوحة.

فالجسد عند الفيصل أرض خصبةٌ وآلةٌ تُجيد الفنانة العزف عليها، خاصة حينما ترسم المرأة، لتُبدي كشفا إستيتيقيا لماهية جسدها وتغيّراته الجمالية بين النتوء والانخفاض، والظهور والاختفاء.

وهي إلى جانب ذلك تشتغل على ثيمة الجسد العاري عند الرجل والمرأة على حد السواء، محتجّة بذلك على قمع الجسد العربي؛ فقدّمت العديد من الموضوعات الجريئة في أعمالها التي اشتهرت بألوانها الزاهية وتعشيقها مع مناخات أسطورية، حيث كان أبرزها “سليمان وملكة سبأ” و”المرأة والضابط” و”الولادة”.

ووسط الحروب الدموية والنزاع المسلح الذي يجتاح العالم العربي تواصل الفيصل مسيرتها الفنية متسلحة بفني الرسم والموسيقى، فهما بالنسبة إليها فنان يملكان سحرا وفيضا غريبا، لهذا تأتي محمولات لوحتها وكأنها تدفّق ومزيج بين الرسم والموسيقى.

وعن ذلك تقول “مع كل الحروب التي يتسبّب فيها الجنس البشري، لم يبق لديّ سوى الرسم والموسيقى”.

وعن سوريا كما تراها اليوم تقول “من الضروريّ الوقوف إلى جانب سوريا، بلد الرقي والتاريخ ومهد الحضارات، وصدّ العدوان المستمر الذي تتعرّض له من خلال تجسيد عراقتها عبر الفن التشكيلي”.

وهالة الفيصل فنانة تشكيلية سورية من مواليد مدينة حمص في عام 1960، تخرّجت في كلية الفنون الجميلة بدمشق في عام 1983، ودرست في فرنسا (كلية الفنون الجميلة في باريس) وفي نيويورك، كما تخرّجت في المعهد العالي للسينما في موسكو (1985 ـ 1989). درست الرسم في نيويورك ودمشق، وسافرت كثيرا وأقامت في ألمانيا وفي الولايات المتحدة لعدة سنوات، حيث تابعت مسارها المهني.

أقامت أكثر من ثلاثين معرضا فرديا لأعمالها في سوريا منذ عام 1983، كما أقامت معارض أخرى في لبنان وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، وخاصةً في نيويورك. وأعمالها مقتناة وموجودة في العديد من المجموعات العامة والخاصة عبر العالم.

بورتريه ذاتي لهالة الفيصل يشي بعشقها للرسم والموسيقى
بورتريه ذاتي لهالة الفيصل يشي بعشقها للرسم والموسيقى

 

17