هامش الحرية في مصر يصطدم بالخطوط الحمراء

بلاغات ضد فيلم تسجيلي ومسرحية وديوان شعر تثير إشكالية التأويل السياسي للنصوص في مصر.
الخميس 2018/03/08
هل يمكن حبس المبدع في إطار (لوحة للفنان أنس سلامة)

القاهرة - مفارقات كثيرة في الثقافة المصرية، فالمؤسسة الثقافية في مصر تتسم بالبيروقراطية والافتقار إلى الخيال، وفي الوقت نفسه تفتح ذراعيها لمبادرات تنويرية مبتكرة للنهوض بالقوة الناعمة، وتوفر دعمًا معنويًّا وماديًّا لا بأس به للهامش بفعالياته الأهلية المتطورة من مؤتمرات ومهرجانات، لكن قضية الحريات تبقى الأكثر تعقيدًا.
أعادت بلاغات جرى تقديمها للنائب العام بمصر المستشار نبيل صادق في مطلع مارس الجاري ضد فيلم تسجيلي وديوان شعري وعرض مسرحي، فتح ملف العلاقة الشائكة بين الثقافة والسلطة، وجاءت هذه البلاغات متزامنة مع تصريح للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأن هناك فرقًا بين حرية الرأي والإساءة. ووصف السيسي الإساءة للقوات المسلحة والشرطة بأنها “خيانة عظمى تستوجب المحاسبة.. ولن يسمح بذلك مطلقًا”، ودعا وسائل الإعلام إلى التصدي للمسيئين، وهو ما استجيب له من كتّاب وإعلاميين مقربين من دائرة السلطة.
في الآن ذاته، انتفض مبدعون ومثقفون مستقلون ليفتحوا ملف الحريات من جديد، منادين بقراءة الأعمال الإبداعية في سياقها، وعدم تأويلها سياسيًّا على نحو يظلمها ويفسدها.

ثلاثة أعمال متهمة

على الرغم من أن الرئيس المصري لم يذكر أعمالًا محددة في حديثه، فإن بعض التقارير ذهبت إلى أنه كان يقصد ثلاثة أعمال بعينها، ويدعم هذه الفرضية تقديم بلاغات ضد هذه الأعمال، فضلًا عن مهاجمتها إعلاميًّا في توقيت متزامن بما يشبه حملة موجهة.
تتمثل هذه الأعمال في الفيلم التسجيلي “سالب 1095” للمخرجة سلمى علاء الدين، وديوان “خير نسوان الأرض” للشاعر جلال البحيري، ومسرحية “سليمان خاطر” للمخرج أحمد الجارحي.
يتناول فيلم “سالب 1095” ما حققه الرئيس السيسي خلال 1095 يومًا على ألسنة معارضين ونشطاء سياسيين، منهم شادي الغزالي حرب وممدوح حمزة وعمرو بدر ومحمد أنور السادات وعزة سليمان، وغيرهم.

 

الثقافة كحالة أمر، والثقافة كوزارة أمر آخر، وفي المشهد المصري المتشابك يتجلى الفصام أحيانًا بين الثقافتين، ويحدث التصالح في أحوال أخرى، ويبقى صوت السلطة فارضًا نفسه كضابط للإيقاع، تحت مسمى “ضوابط حرية الرأي والإبداع”، ومع زيادة “الخطوط الحمراء” يتصاعد الجدل

ويتعرض جلال البحيري في قصائده لمنجزات القوات المسلحة بالتشكيك “ما تصدقوش كدبنا.. ما تصدقوش يا ولاد، لا كسبنا يوم معركة.. ولا حمينا بلاد”. أما مسرحية “سليمان خاطر”، فتتناول قصة أحد جنود القوات المسلحة الذي نفذ الأوامر بمنع تخطي الإسرائيليين الحدود المصرية بسيناء وقام بقتل سبعة منهم في أكتوبر 1985.
وأمرت نيابة أمن الدولة العليا بضبط وإحضار سلمى علاء الدين مخرجة فيلم “سالب 1095 يوم”، بتهمة تعمد نشر أخبار كاذبة للتحريض ضد الدولة، وتم حبس المونتير طارق زيادة 15 يومًا على خلفية إنتاجه الفيلم.
كما تقدم المحامي سمير صبري ببلاغات عاجلة للنائب العام ونيابة أمن الدولة العليا والمدعي العام العسكري، متهمًا جلال البحيري صاحب قصيدة “خير نسوان الأرض” بالطعن في حديث النبي محمد والتطاول على القوات المسلحة، ومتهمًا أحمد الجارحي مخرج مسرحية “سليمان خاطر” ومؤلفها وليد عاطف بالتهكم على الجيش المصري والنيل من دوره في محاربة أعداء الوطن.
من الأمور اللافتة والمثيرة، أن دار “ضاد” التي نشرت ديوان جلال البحيري، سارعت في فسخ تعاقدها معه، معتذرة عن الديوان، كما أوقف نادي الصيد عرض مسرحية “سليمان خاطر”، على الرغم من تصريح محسن طنطاوي رئيس النادي بأن المسرحية لا تحمل أي تطاول على القوات المسلحة، لكن قرار وقفها يأتي “منعًا للمزايدات”، على حد قوله.
في توضيحه للأمور، أشار أحمد الجارحي مخرج مسرحية “سليمان خاطر” في مداخلات تلفزيونية إلى أن العرض لا علاقة له بالقوات المسلحة، ويجب أن يُشاهَد في سياقه الفني والتاريخي، كما صرح جلال البحيري بأن ديوانه عمل ساخر يناقش القضايا المطروحة بطريقة تصل إلى الكوميديا.
بالتوازي مع التحقيقات، هاجم كتاب وإعلاميون الأعمال الثلاثة محل الجدل، فيما يرى المتابع للمشهد بوضوح أن موقف وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم جاء منحازًا إلى المعنى السلطوي للثقافة، إذ قالت إن مسرحية “سليمان خاطر” لم تحصل على تصريح رقابي، وتحقق في الواقعة، كما تحقق في توزيع ديوان جلال البحيري في معرض القاهرة الدولي للكتاب مؤخرا.

المؤسسة على المحك

يضع المشهد السابق، وقضايا الحريات عمومًا، المؤسسة الثقافية على المحك في علاقتها بالسلطة، وتبدو التوجيهات الرسمية- الأمنية هي المتحكمة في أداء الوزارة، كما في واقعة مسرحية “سليمان خاطر” على وجه الخصوص، التي انبرى نقاد ومبدعون للدفاع عنها، في حين خذلتها الوزارة.
التأويل السياسي المباشر -الناجم ربما عن وشايات أمنية ودعوى عدم وجود تصريح بالعرض، وعلو الصوت الإعلامي الأجوف- يندرج في إطار الأمور غير الفنية التي شكّلت رؤية الوزارة للمسرحية، في حين راح نقاد ومبدعون مستقلون يناصرون المسرحية، ويهاجمون قرار وقف عرضها.

بلاغات جرى تقديمها للنائب العام بمصر ضد أعمال إبداعية أعادت فتح ملف العلاقة الشائكة بين الثقافة والسلطة

بل إن عددًا من النقاد، منهم عصام السيد، ذهبوا إلى أن مسرحية “سليمان خاطر” تستحق التكريم لا المنع، بوصفها عملًا يتحدث عن بطولات الجنود، ولا يسيء إلى الجيش، كما أن عرضها لليلة واحدة بنادي الصيد الاجتماعي لا يستوجب الحصول على تصريح.
واعتبر هؤلاء وقف المسرحية وتقديم بلاغات ضدها مزايدة غير مقبولة على المواقف الوطنية، وقراءة سطحية لنص يتجاوز التفسير السياسي البحت، مطالبين بتشكيل لجنة من المسرحيين لتقييم العرض فنيًّا، وتبيان ما إذا كانت به إهانة للقوات المسلحة أم لا.
في الوقت الذي أدينت فيه أعمال إبداعية، وتحركت ضدها بلاغات، كرست المؤسسة الرسمية لتكريم عرض مسرحي آخر، هو “سلم نفسك” الذي حضره الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي بدار الأوبرا المصرية مساء الإثنين 5 مارس، وهو من بطولة مجموعة من الشباب الهواة الدارسين بمركز تنمية الإبداع.
جاءت إشادة الرئيس المصري بالعمل انطلاقًا من موضوعه في المقام الأول قبل فنياته، ويتقصى المستجدات المجتمعية ويناقش قضايا راهنة منها الإرهاب والعنف ضد المرأة، وعلق الرئيس السيسي على العرض بقوله “تحدثتم عن مشاكل مجتمعنا، وحين تحدثتم عن الوطن والدفاع عنه نسينا المشاكل”، وأوصى بدخول أبطال المسرحية الأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب للحصول على التأهيل المناسب.
من تناقضات “المؤسسة” في ما يخص تجسيداتها الثقافية، أنها حين تتناسى الخطوط الحمراء تأخذ على عاتقها رعاية مبادرات تنويرية غير نمطية، فضلًا عن دعم فعاليات أهلية متطورة في الفنون والآداب.
من هذه المبادرات التي تتبع آليات مبتكرة وأساليب شيّقة بهدف مساندة القوة الناعمة في استعادة دورها الإشعاعي: عاش هنا، حكاية شارع، إنقاذ السينما وإصلاحها، أكشاك الثقافة، المكتبات المتنقلة، الدوري الثقافي، نادي القرّاء المحترفين، ضع كتابًا وخذ كتابًا، وغيرها. 
ومن الفعاليات الأهلية الناجحة جماهيريًّا وفنيًّا التي تدعمها وزارة الثقافة دون فرض وصاية على برامجها: مهرجان القاهرة الأدبي، مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة، مؤتمر قصيدة النثر، مهرجان طنطا الدولي للشعر، مؤتمر شعر العامية، وغيرها.
هكذا تبقى الثقافة كمؤسسة على تأرجحها وتذبذبها بين الانتصار للثقافة كقيمة وإفساح المجال لها للانطلاق نحو آفاق أرحب، وبين التضييق عليها وفق محاذير مجتمعية ودينية وسياسية، أو تحت مسمى “ضوابط حرية الرأي والإبداع”، وهي مفاهيم نسبية فضفاضة قد يساء استخدامها مع تعذر التقييم الفني المتخصص للنصوص الأدبية.

15