هاملت الآن

السبت 2014/11/15

يمكن التحدّث عن شكسبير "1564-1616" الذي ينتمي إلينا ثقافيا في حدود معيّنة، أو ننتمي إليه ككاتب متعدّي الحدود بصورة أوضح، وأن نركّز ضمنا، هنا، على رائعته المسرحية والتاريخية “هاملت” (1601)، كما لو أننا متداخلون، أو نتبادل الأدوار مع بعض التحويرات المتناسبة ومستجدّات المرحلة.

يعني ذلك أن هاملت إذا كان باسمه وتاريخه ولغته أوروبيا “دنماركيا تحديدا”، فإن شكسبير ما كان له أن يستعيره لو يتلمس في المثار من خلاله ما يعبُر حدود الدولة، ولولا هذا العمق المأساوي والوجداني والذي يستشعره كل منا في نفسه، لما عُرِف بيننا، أي لا يكون محصورا في نطاق ما كتبه الناقد الأميركي هارولد بلوم فيه: “إن الأمير هاملت مفكر المفكرين، النبل والكارثة في الوعي الغربي”. هاملت أكثر من هاملت، ودونه، تبعا لكيفية الذهاب إليه، واستعادته ليكون هاملتـ”ـه ” الخاص به، كما هي الميزة الكبرى للكثير من مسرحيات شكسبير، سوى أن هاملت، ربما، بزّ جلّ مسرحياته، لأنه استقطب الجهات الأربع من الحياة في نفسه.

وربما -أيضا- كان النفاذ داخله، أو الانخراط في لعبة غوصية، ككائن حي ويتنفس بكامله أمامنا، اكتشافا له، أعني لنا، في تكوين يتجاوب مع ما نعيشه.

لا يعود هاملت هنا الأمير الدنماركي، والمعذّب بصوت عمه وأمه قاتليْ أبيه، وهاتف الانتقام، عبر صيحة جارحة رحالة في الزمن “نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة”، إنما يكون هاملتـ”ـنا “، وهو فيما كان مأساويا، قد ارتدّ من خلال إعادة إحيائه مسرحيا وعلى الأرض نقيض ما عُرف به كثيرا، ليكون كوميديا، وللتصويب “في غاية المهزلة”، لحظة مقاربة الجاري من حولنا:

كم من هاملت، مُثّل في أبيه، وأكثر من أبيه، ومن قبل عمه وأمه وأكثر منهما ؟

كم من دخيل في التاريخ، استبدّ بالحكم، وبالناس باعتباره أميرا، ومن سلالة الأمراء، ليكون كابوسا من حوله ليل نهار؟

كم من وجه ملثّم يصعب تحديد جنسه، ونوعه أحيانا، بات يُرى هنا وهناك في عالمنا المزلزَل، إلى درجة أنه من الصعب الوقوف على القدمين والاقتراب منه، لأن ثمة أكثر من خط أحمر، أو تهديد بالقتل، كما هو الإرهاب الكارثي القياماتي الاستثناء تاريخيا ؟

حتى هاملت المعتَدّ به، لم يعد هاملت شكسبير، لم تعد التراجيديا التي تقبل بالانفتاح، وتطهّر الروح، بقدر ما تكون حوار ذوي النفوس العليائية، أو المهيأة لأن تكون مرتقية بكينوناتها، وما فيها من إمكانية الانجراف في الحياة، لم تعد تراجيديا، إنما ما يمسخها، ما يحيلها إلى مفهوم يجرّدها من فكرتها التي كانت سبب وجودها.

يجدر هنا، بكل معنيّ بالجاري من حولنا، وبعيدا عن السياسة الافتئاتية والتكتلية، كاتبا أو سياسيا “مع تحفظ شديد” وفنانا، أن يمعن النظر في المرآة التي ترافقه أو المعلقة على جدار لا يتوقف عن الاهتزاز، كما لو أن المرآة ذاتها مصدومة بما يحدث، ليتمّ التعرّف عن هذا المدعو “هاملت”: القزم، أو الجاري تقزيمه، أو ما ينسّبه إلى “السيمولاكر: النسخة المشوّهة”.

المسرح بوصفه مفهوما مائيا ينظَر فيه من خلال وعائه، لكم بات مغتربا عن اسمه، وقد تعكّر ماؤه وتسمّم، أم ترانا نسمّمه لأننا بتنا، في نسبة كبيرة منا، فيروسات تسميم وتسمّم؟

كل الأسئلة قابلة للتداول والتحاور حولها، بغية تلمّس هذه الجروح التي استحالت دمامل وتقيّحات ظاهرة غطت على مجمل ما يتقدمنا وجهيا. إنه هاملت في نسخته، بدعته الأخيرة، هاملت الذي نتهجّاه دون أن نجرؤ، كما ينبغي على النظر إليه، ومعاينته، حيث لا وجود لهاملت هذا إطلاقا، ولا لمن هم حوله، إنما لنا كمشاريع قتل، أو شهود على قتل مفتوح، وموتى يشجعون على القتل، والقاعدة تكاد تلفظ الاستثناء في ضوء المتاح التعرّف إليه، ولعل القدرة على إضاءة هذا المشوّه هاملتيا تمكّننا من تحديد نوع التيه المريع فينا!


كاتب من سوريا

16