هاملت جديد يسافر بأقنعته بين الماضي والحاضر

هناك قول شائع إن الروايات باتت أغلبها تتخذ من المدينة أُطرا لها لما توفره من ثراء في الشخصيات والعلاقات التي يمكن حبكها من خلال فضائها الواسع والمتداخل، لكن أن تكتب رواية تتخذ لها القرية عالما فهذا يستدعي حبكة متقنة تتمكن من الغوص في أعماق الشخصيات.
السبت 2016/08/20
الخيبات والهزائم

يقول نيتشه «الألم هو أكبر مُساعد على تقوية الذَّاكِرة» وبناء على هذه المقولة يَنصح الطبيب النفسيّ المهدي بنهاشم مراد الوعل بطل رواية طارق بكاري «نوميديا» بأن يذهب إلى قريته إغرم، ليواجه الذاكِّرة/ ألمه في صيغة ماضيه، يعود الرَّاوي مراد/ أوداد الأمازيغي إلى القرية التي طُرد منها وهو صَغير، محمَّلا بآثام لم يرتكبها، وقد فَقَدَ كلَّ أحبته (مصطفى/ خولة).

هكذا يَتحرك بطل الرواية إلى مواجهة أناته المنفصلة عنه / أوداد، في شبه استعادة لهذه الأنا المغتربة عنه، والتي أخذت اسم وعل جَبلي صاحَبتها لعنة لكلّ مَن اتّصل بها، فكان قرار طرده من القرية، يعود هذه المرة بعد أن تغيّر كلّ شيء، لا اسمه صَار كما خرج منها، ولا حالته استمرتْ على ما كانتْ عليه، ولا حبيبته مازالت على قيد الحياة. ومن ثمَّ يلوذ بالذاكّرة في تذكُّر هذا الماضي الأليم الذي يجتره لما فيه سلوته رغم قسوته. فتتداخل حالة الحب التي منحها لخولة التي انتحرت وتركت له مذكراتها، مع حكاية خروجه من القرية بعدما عرف أنه لقيط.

شهرزاد الجديدة

ما بين نصيحة الطبيب وعودة مراد إلى القرية، ثمة حكايات تجعل من الرواية، الصّادرة عن دار الآداب ـــ بيروت (قائمة البوكر القصيرة 2015)، توليفة روائية تتداخل في نسيجها ثلاث حكايات مضفورة بثلاثة أشكال سردية تتداخل وتتقاطع في ما بينها، فتجمع بين الرواية والسيرة والمذكّرات، ومن هذه التداخلات وتداعي الحكايات وتوالدها كأننا إزاء استعادة ألف ليلة وليلة، بتقنيات توالد الحكايات وأيضا عبر وظيفة ساردتها شهرزاد؛ الحكاية الأولى حكاية المستعَمِر الجديد في صورة جوليا ابنة الإمبريالية القديمة صاحبة التاريخ البشع المحفور المتمثّل شاهدة في قلعة الرومي القديمة، عندما جاء السّفاح وراح يَصطاد ضحاياه من أبناء القرية، حتى تمّ فداؤهم بابن سيدي موسى الشيخ عيسى.

الرواية توليفة من ثلاث حكايات تتداخل في نسيجها مضفورة بثلاثة أشكال سردية مختلفة تتداخل وتتقاطع في ما بينها

الحكاية الثانية عصب الرواية وتتمثّل في حكاية مراد الذي يسعى إلى استعادة أناته / أوداد عبر رحلة انتقاله إلى القرية لاستعادة ماضيه المؤلم وطفولته البائسة، فيقدّم تاريخا من الألم له منذ أن التقفه أمحند من على جانب الطريق، ثم اللعنة التي لحقت به بعد احتراق أم أمحند التي كانت تضطهده، وهو ما أصاب القرية بخوف كبير من أن تصيبها لعنته خاصة بعد تكرر الحوادث المرتبطة به، فيلوذ بالجبال حتى يأتي خلاصه على يد الحسين الذي أراد أن يتخذ منه ولدا، وما عاناه من زوجته صفية، بسبب تفوقه، إلى المرحلة الأهم في حياته وهي مرحلة الدراسة الجامعيّة فيظهر المهراز، ثمّ علاقاته المتعدِّدة بحياة الغانية وليلى الطالبة التي ألقمته أول طعنة، ثم خولة القروية ونضال اليسارية.

أما الحكاية الثالثة فهي حكاية مذكرات خولة وحكاية حملها حتى هروبها ثم انتحارها. في حكاية جوليا التي جاءت واستغلت الطبيب بالمال ليمنحها ملف مريضه، هي نموذج للدور الجديد للقوى الإمبريالية الغربية التي تجاوزت وسائل النهب القديمة للأراضي، إلى نهب العقول وتسخيرها لخدمة أغراضها، فهي روائية تُريد أن تكتبَ رواية عن هذا الشرق الذي صاغ الغرب حكاياته وفق مروياته، فتتبدّل الأدوار وتمنح مراد دورَ شهرزاد الذي يحكي لها عن نفسه، ومثلما استحلت شهرزاد الغواية في الماضي، لوقف نزيف الدم، تلجأ جوليا إلى حيلة لتدفع شهرزادها إلى الحكي، ويستمر نزيف الدم والألم معا، عبر المحلول الذي قال له الطبيب «إنه كفيل بتحريض ذكرياته عليه إلى درجة تجعله يبوح بكل شيء».
لكن غواية الشّر تتحوّل إلى قصة حبّ، وتتعلّق بمراد الذي كشف مؤامرتها مبكّرا منذ أن عَثَرَ في مفكرتها على رقم طبيبه، ثمّ ملفه الطبي، إلا أنّه يستمرُ في خداعها بالوقوع تحت غوايتها، ويحكي عن أوداد كلما مرّ في شوارع القرية، أو رأى أطفالها، يستعيد ماضيه بحثا عن هويته المفقودة وانتمائه الضائع.

القرية والهزيمة

يُضفي السّارد الأنا الكثير من الصّفات على القرية التي يخلق منها أسطورة خاصة أشبه بأسطورة نوميديا التي تخيّلها عِوضا عن خولة، فهي «أرض البدايات» و«هي أمه الوحيدة»، ويراها «شامخة كجبل عيّاش ومناورة كطائرة حربية»، وفي كبريائها «متكبرة كإناث الوعول وأيضا غامضة كنوميديا»، فإغرم بالنسبة إليه «عروس مجلّلة بعبق سحري»، كما أن صورتها لا تُفارقه عندما يتأمّل جسد جوليا فيراه جميلا «كخوخ إغرم» أمّا صدرها فـ«شامخ كتفاح إغرم»، فكانت القرية الظل الذي لم يجده في البشر، فيهرب من الوحدة إلى «حقول إغرم ومراقبة وعولها، وهي تتسلق الجبل بمهارة عالية، وتقاوم بمهارة عالية إغراءات الهاوية».

"نزيف على حواف الخيبة"

هكذا عنون الكاتب الفصل الثالث من الرواية «نزيف على حواف الخيبة»، ليجتر الراوي الغائب أو الراوي الأنا الذي يتقاسمه مراد ونضال وجوليا وكذلك خولة، تلك الخيبات والهزائم التي سقطوا فيها جميعا، خيبات وهزائم مراد بدأت منذ طفولته، وعندما فشل في مقاومتها قرّر الانتحار في عمر الثانية عشرة، ثم توالت هزائمه بطرده من القرية، ثمّ من أسرة الحسين التي زادت في خيباته، مرورا بالعنف الذي استشرى في الجامعة، وأودى بصديقه مصطفى، ثم هزيمته من جوليا التي خانته، ونضال التي تبرِّر خيانتها لزوجها بأنّها خيانة مشروعة.

وبالمثل نضال التي سعت فرارا من الهزائم المتلاحقة إلى الجنس لاستنزاف أكبر قدر من جسديهما لترتوي من ذلك العطش الذي خلّفَتُه الخسارات المتتالية وهزيمتها من زوجها المتزوج بأخرى. أما جوليا فكانت هزيمتها مع ماضي أبيها الذي هَرَبَ، ثمّ ما حَدثَ مع أخيها الذي اختطفه الإرهابيون، وفي النهاية هزيمتها مع الحبّ الذي اكتشفته مع مراد، ورَفْضه اعترافها.

برع الكاتب في استخدام لغته التي جاءت معتمدة على المجازات الكلاسيكية من تشيبهات واستعارات، كما أنها مزينة ومهجنة بأبيات من الشعر القديم وُظِفَتْ في سياقات مغايرة أَعطت دلالتها ومنحت النّص دلالة التناص مع النصوص التي اقتبسها الكاتب، كما غَلَبَ الوصف على السَّردِ، خاصة في وصف القرية وخولة ونوميديا، ووصف الشّبق الجنسي الذي كانت عليه نضال وأيضا جوليا، كما مال السرد في الكثير من مواضعه إلى الغنائية التي عكست صورة البطل المهزوم المازوخي وهو يؤنب نفسه، وكأننا إزاء هاملت جديد البطل التراجيدي لشكسبير.

17