هاملت في ثوب جديد بين التقليد والتجريب

المخرج الفرنسي جيريمي لو لويت يتلاعب بالمفارقات التاريخية لـ"هاملت" ويقحم البطل في فوضى مدروسة مؤلفة من أشياء تنتمي إلى عصر ولّى.
الاثنين 2019/01/07
انتقال سلس بين الخيال والواقع

في نطاق تناول الأعمال الكلاسيكية برؤية جديدة تنزلها في عصرنا الحاضر، أقدم الفرنسي جيريمي لو لويت على إخراج “هاملت” أشهر مسرحية ألفها شكسبير، لمعالجة قضايا الراهن، في مزج شيق بين التقليد والتجريب.

تُطرح أمام كل راغب في إخراج “هاملت” مسألة تجديد الأفكار والأشكال والمقاربة الركحية، فالمسرحية التي تعد من أعمق الكلاسيكيات خضعت منذ تأليفها في القرن السابع عشر للنقد والدراسة والتحليل والمقارنة، حتى لَيصح التساؤل عن الإضافة التي يمكن أن يقدمها هذا المخرج أو ذاك.

اختار المخرج الفرنسي جيريمي لو لويت أن يتلاعب بالمفارقات التاريخية، ويقحم البطل في فوضى مدروسة مؤلفة من أشياء تنتمي إلى عصر ولّى كالحجب الساترة والشِّمال (جمع شَملة) والدروع والواقيات المعدنية، ومن عناصر أخرى هي من عصرنا الحاضر كالبذل والميكروفونات والمسدسات ليجعله بطلا معاصرا، يقف هو أيضا عاجزا أمام مصير لا يرغب فيه.

وكما هو الشأن في “هاملت” الأصلية، يتبدى شباب اليوم مهووسين بالحنين إلى مرحلة لم يعيشوها، متسائلين بدورهم “كيف نكون؟” وهل ينبغي أن يختار المرء “ألاّ يكون؟” هل ينبغي التخلص من كل شيء، أو تمجيد كل شيء، أو إيثار الانتظار على حافة الطريق في خمول تامّ؟ فجاء العمل صدى لتلك التساؤلات.

ذلك أن المخرج لم يلتزم بنص شكسبير، بل عمد إلى تطعيمه بنصوص سابقة ولاحقة، من “الملحمة الدانماركية” Gesta Danorum للراهب الدنماركي ساكسو غراماتيكوس (1150-1622) التي نهل منها شكسبير بعد أن نقلها الكاتب الفرنسي فرانسوا بيلفوريست (1530-1583) من اللاتينية إلى الفرنسية، وصولا إلى فرويد الذي تساءل عن الدافع النرجسي والناقم لدى ذلك الأمير الدنماركي التراجيدي، أي أن المخرج جعل أول مسرحية تنهض فيها الأشباحُ بدورٍ مسرحيةً تسكنها أشباح الماضي، ولكن دون أن يطمس حضور البطل.

والمعروف أن “هاملت” تدور حول خيانة كلوديوس لأخيه مرتين، الأولى عندما قتله واعتلى عرشه، والثانية عندما تزوج أرملته جرترود، ولم يعلم هاملت إلاّ عن طريق شبح أبيه، الذي جاء يدعوه إلى الثأر من الخائن وغض النظر عن أمه، فتصنّع الأمير جنونا عزاه بعضهم إلى تعلقه بأوفيليا ابنة بولونيوس مستشار الملك، وظل يتردد في الانتقام من عمه، حتى صار العم يدبر له المكيدة تلو المكيدة للتخلص منه.

كما هو الشأن في "هاملت"الأصلية، يتبدى شباب اليوم مهووسين بالحنين إلى مرحلة لم يعيشوها، متسائلين "كيف نكون؟"

ولكن تنتهي المسرحية بمقتلهم جميعا، هاملت وحبيبته التي تمنعت عليه، وأبيها بولونيوس، وأخيها لارتي، وكلوديوس وجرترود.. لتشكل مأساة خلّدها شكسبير في هذه المسرحية الشعرية التي يحفظ الإنكليز أهم مقطع فيها، ذلك الذي عرف بـ”أكون أو لا أكون ذلك هو السؤال”.

يقول جيريمي لو لويت “هاملت ليست خلقا خالصا، بل هي مسرحية هجينة، متعددة الأخلاط، وفي الوقت نفسه تفتح على كتابة نصوص أخرى وإضافات وارتجالات قامت على نصوص سابقة، ولكن أكثرها تماسكا واكتمالا هو الذي تداوله الناس نقلا عن شكسبير منذ نشره عام 1603، هذا النص الشكسبيري هو مادة عرضنا الأساس، ولكننا نفعل ما كان يمكن أن يفعله هو مع فرقته، فالغاية ليست إخراجها على منوال المسرح الإليزابيثي ومن حذا حذوه في العالم، بل فهم وقعها في حاضرنا اليوم، ومعرفة أي جسر يمكن أن نمدّه بين ما تقوله وما نعيشه حاليا”.

أول تلك الجسور أنه عندما يكون حضور الآباء طاغيا، يغدو بروز الأطفال أمرا عسيرا، والمعروف أن زمن شكسبير شهد تحولات عميقة، اتسمت بصعوبة الخروج من القرون الوسطى والرهبة من الدخول في الحداثة، وفي هذا ما يشبه عصرنا، حيث ينبغي طي صفحة الماضي حتى وإن كان المستقبل يبعث على القلق.

ومن ثَمّ عمد المخرج إلى جعل العرض في تحول مستمر، كما هو الشأن في واقعنا اليوم، وخلق نوعا من الفوضى الدلالية بتكثيف الدوال والمدلولات، كالموت والتابوت وأزهار المقبرة، وعلامات الفرح نظرا لانطلاق المسرحية بحفل زفاف، مثلما ركز على اللحظة الفارقة بين عهدين، بين التقليد والتجديد، تلك اللحظة التي يوجد فيها هاملت، كشخصية تبحث عن موقعها في واقع يمر بالمتقلبات، فهو لا يتوصل إلى المرور من النية إلى الفعل ليثأر لأبيه، ولذلك جعله المخرج رمزا لشبيبة حائرة، تجد صعوبة في ابتكار صيغة فعل وسط اللامبالاة المهيمنة.

تراوح العرض إذن بين نص شكسبير والتأليف الجماعي، بين المدونة الكلاسيكية والخلق والابتكار، ذلك أن جيريمي لو لويت، الذي تقمص دور هاملت أيضا، خيّر العدول عن المسرح التقليدي لينشئ نصا حديثا، ينهل من التراجيديا الأصلية جانبا من فظاعاتها، ويضفي عليه ما يجعله عرضا حداثيا، تستعمل فيه أجهزة الفيديو والكاميرات في فضاء تبث على جوانبه لقطات متنوعة، مسجلة حينا، ومباشرة حينا آخر، ويتبدى على خشبته الممثلون في أزياء قديمة مرة، وحديثة مرة أخرى، يغيرونها كما يغيرون أدوارهم، أمام أعين المتفرجين، فالكواليس هنا جزء من الخشبة.

وفي خضم القراءات التي لا تحصى عددا لهذا النص الكلاسيكي، توخى جيريمي لو لويت مسلكا خاصا به، تميز بالنسق السريع والطرافة وحتى بالسخرية الذاتية، متنقلا بين الخيال والواقع، ليجعل الممثلين شخصيات تخييلية وواقعية في الوقت نفسه.

16