هاني أبوأسعد الفلسطيني الذي استحق ثقة هوليوود

سينمائي مهاجر هواجسه الشباب والحب والضياع.
السبت 2021/05/29
أفلامه خالدة في ذاكرة النقاد ومحبي السينما

قليلون هم المخرجون الذين تتاح لهم فرصة العمل في هوليوود من خارجها، فما بالك إذا كان المخرج عربيا بل وفلسطينيا أيضا. صحيح أن هاني أبوأسعد قد هاجر منذ سنوات إلى هولندا وحمل جنسيتها، ولكنه لطالما قدم نفسه معتزا بأصوله الفلسطينية، وهو المخرج الذي كرّس مجمل أعماله السينمائية التي أخرجها، وربما شارك في إنتاج بعضها لخدمة قضايا الشعب الفلسطيني الإنسانية التي شغلت حيزا كبيرا من أعمال الفنانين والمبدعين الفلسطينيين، ويعتبر أبوأسعد نموذجا لهؤلاء الفنانين الذين حاصرتهم هواجس الوطن منذ فيلمه الروائي الأول الذي قدم في العام 2005 تحت عنوان “الجنة الآن” ولعب بطولته كل من قيس ناشف، علي سليمان، إضافة إلى لبنى أزابال، وكانت أحداثه تدور حول شابين فلسطينيين من سكان نابلس هما خالد وسعيد، تم تجهيزهما لتنفيذ عملية إرهابية ضد مدنيين في مدينة تل أبيب، لكن تشاء الظروف ألا تتم العملية، وأن يتراجع الشابان عن الفكرة برمتها.

في ذلك الفيلم تطرق أبوأسعد لمعالجة مشكلة يعاني منها ليس فقط الشباب الفلسطيني بمفرده، وإنما كل شباب الشعوب المقهورة، حين يتبدّد الأمل وتصبح اللا جدوى وانعدام الكرامة هما سمة الحياة، عندها يصبح الموت أمرا محتما عاجلا أم أجلا، الأمر الذي يجعل من هؤلاء الشباب عجينة سهلة يمكن تشكيلها لتضحي بحياتها في عمليات انتحارية ضد العدو أو حتى الذات.

جرأته بتقديم ممثل شاب ليلعب لأول مرة دور البطولة جعلت من فيلمه "عمر" واحدا من بين الأفلام الأجنبية المرشحة لجائزة الأوسكار، الفيلم الذي حصل بعد عام من إنتاجه على جائزة الغولدن غلوب

البعض اعتقد أن الجواب على تلك العمليات الجنونية يرجع دوما إلى فكر ديني تكفيري يسلب الشباب عقولهم، ويعدهم بالجنة المفقودة، لكن فيلم “الجنة الآن” وكما يوحي به العنوان، حاول تقديم إجابة وتفسير مختلف، وربما صورة أكثر وضوحا وصدقا، فحتى العمليات الانتحارية العادية التي يُقدم عليها الشباب بكثرة  في أماكن متعددة من هذا العالم، تأتي  نتيجة اليأس والفقر والأوضاع المتردية.

جرأته بتقديم ممثل شاب ليلعب لأول مرة دور البطولة جعلت من الفيلم واحدا من بين الأفلام الأجنبية المرشحة لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار للدورة الثامنة والسبعين. الفيلم حصل بعد عام من إنتاجه على جائزة الغولدن غلوب، وأثناء تسلم أبوأسعد الجائزة ناشد العالم من أجل الاعتراف بفلسطين قائلا “إن الجائزة تمثّل اعترافا بأن الشعب الفلسطيني يستحق الحرية والمساواة”، كما حصل الفيلم على جائزة مهرجان برلين للسينما العالمية، وجائزة العجل الذهبي من هولندا وغيرها من الجوائز.

المهاجر

ولد أبوأسعد عام 1961 في الناصرة، وهاجر إلى هولندا وهو لا يزال دون سن العشرين، ليدرس الديناميكا الهوائية، وعمل كمهندس طيران في هولندا لسنوات عديدة قبل أن يتجه نحو عالم السينما، وعبر فيلمه “عمر” ذهب إلى واقع رآه قبل مغادرته بلاده، طارحا أسباب تجنيد الشباب الفلسطيني لصالح العدو، فقدم في الفيلم قصة الحب التي جمعت بين عمر، وهو عامل في مخبر لعب دوره آدم البكري الابن الثاني للفنان الفلسطيني محمد البكري، وناديا التي لعبت دورها الممثلة الناصرية الشابة ليم لوباني في تجربتها السينمائية الأولى وهي لا تزال في الـ18 من عمرها.

وقد صور أبوأسعد معظم مشاهد الفيلم عند جدار الفصل العنصري الممتد والمتعدد الانحناءات والذي كان عمر يحاول مرارا وكلما سنحت له الفرصة تسلقه للقاء حبيبته ناديا، متفاديا رصاص القناص الإسرائيلي. وقد أنتج هذا الفيلم بتمويل كامل من صناعة السينما الفلسطينية الناشئة وعرض في مهرجان كان السينمائي الدولي في قسم “نظرة ما” وفاز بجائزة النقاد، ورشح أيضا لنيل جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

الجبل بيننا

Thumbnail

نجاح فيلم “الجنة الآن” كان وجه خير على أبوأسعد لأنه وبحصوله على جائزة الغولدن غلوب فتح الباب لنفسه ليدخل عالم هوليوود، إلا أن هوليوود لمن لا يعرف، هي من تبحث عن الوجوه الجديدة في عالم السينما وخاصة من لمع اسمه في أفلام وجوائز وليس العكس، بل إنها أيضا تسعى  لتستثمرها في إنتاجاتها، وإلا لكان بمقدور أبوأسعد أن يقدّم فيلما هوليووديا عن القضية الفلسطينية بإمكانيات استثنائية وربما ضخمة، لكن هوليوود وكما يقول أبوأسعد نفسه “ليست جمعية خيرية لتنتج أي موضوع، فهي تضع نصب عينيها مسألة الربح والخسارة، وإنتاج فيلم عن فلسطين بالنسبة لها فيلم خاسر”.

كان من المقرر لفيلم “الجبل بيننا” الذي صنعه أبوأسعد في هوليوود، أن يكون فيلم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في إحدى دوراته، خاصة أن مخرجه كان حاضرا حينها لشغله العضوية في واحدة من لجان تحكيم المهرجان، لكن ولظروف متعلقة بمكان الافتتاح ولتغّيب الجمهور وانصرافه كما هي العادة  فور انتهاء حفل الافتتاح، أوقف المخرج عرض فيلمه لليوم التالي. وكانت المرة الأولى التي يشاهد فيها الجمهور العربي فيلما عالميا من إخراج فلسطيني رصدت له شركة “فوكس للقرن العشرين” وهي واحدة من أكبر شركات الإنتاج الفني والتوزيع حول العالم ميزانية كبيرة.

أفلام أبوأسعد الكاتب والمخرج والمنتج، تحفر مكانها في ذاكرة النقاد ومحبي السينما، وتحضر في وجدان الجمهور الفلسطيني والعربي ما دامت تدور على قلتها في فلك قضايا فلسطين الإنسانية قبل السياسية.

تدور أحداث الفيلم حول “أليكس” المصورة الصحافية الأميركية التي تلعب دورها النجمة كيت وينسليت التي تستعد للسفر للاحتفال بزفافها، والطبيب “بن” المتخصص بالأعصاب يلعب دوره إدريس ألبا المسافر أيضا لمهمة طبية، حيث يلتقيان في المطار وقد وقعا في نفس الإشكال والظرف، ولن يتمكنا من السفر في الوقت المحدد إلى نيويورك، ولكن “أليكس” والتي سمعت صدفة ما دار بين “بن” وموظف الحجز في المطار تقترح على المسافر استئجار طائرة خاصة، فيوافق ولأن قائد الطائرة الذي اتفقا معه على الرحلة برفقة كلبه الذي لا يفارقه كان مريضا فإن أزمة صحية ستنتابه في الأجواء، ما سيتسبب بوقوع الطائرة وسط سلسلة جبال يوتا المغطاة بالجليد، وقد فقدا أي وسيلة للاتصال حتى عبر الهاتف المحمول ولم يحظيا بأي علامة تدل على وجود حياة إنسانية في تلك المنطقة.

ثلج وطير

صحيح أن قصة فيلم “الجبل بيننا” تعتبر من الأعمال التقليدية المعتادة التي سبق وشاهدناها في العديد من الأفلام السينمائية، إلا أن المساحة البيضاء التي تجمع بطلي العمل لأيام في مكان ضيق، هي بذاتها البيئة المثلى التي خلقت علاقة روحية وجدانية بينهما، والتي  قد لا تكون مناسبة لعمل عربي على سبيل المثال، ولكنها في الفيلم كانت سببا حقيقيا في بقائهما على قيد الحياة حتى الوصول للنجاة.

وعلى الرغم من نجاح الفيلم إنتاجيا وجماهيريا، إلا أنه يبقى في النهاية فيلما يشبه جلّ الأفلام الأميركية التي تتوفر لها ميزانيات ضخمة، ويحظى مخرجوها وممثلوها بأجور عالية، ويبقى فيلما هوليووديا له ما له وعليه ما عليه ويحمّل أبطاله العبء الأكبر في نجاحه أو فشله، وهي تجربة تشبه إلى حد كبير التجارب الكثيرة التي خاضها المخرج السوري الراحل مصطفى العقاد في إنتاجه  لسلسلة أفلام الرعب هالووين، التي نجحت نجاحا باهرا وسجلت مبيعات كبيرة لكنها لم تصنع للعقاد مجده الذي حققه في أفلامه العربية كمخرج لفيلمي “الرسالة” و”عمر المختار”.

ومن أعمال هذا المخرج الفلسطيني أيضا فيلم روائي قصير بعنوان “منزل ورقي” في العام 1992، بالإضافة إلى فيلمه “لا تنسيني يا إسطنبول” الذي كتبه وأخرجه في العام 2011، كما قدم في العام 2016 فيلما بعنوان “يا طير الطاير” عن سيرة حياة نجم آراب آيدول محمد عساف. وتبقى أفلام أبوأسعد الكاتب والمخرج والمنتج، خالدة في ذاكرة النقاد ومحبي السينما وحاضرة في وجدان الجمهور الفلسطيني والعربي ما دامت تدور على قلتها في فلك قضايا فلسطين الإنسانية قبل السياسية.

قصة فيلم "الجبل بيننا" تعتبر من الأعمال التقليدية التي سبق وشاهدناها في العديد من الأفلام، إلا أن المساحة البيضاء التي جمعت بطلي العمل لأيام في مكان ضيق، خلقت علاقة روحية بينهما.
قصة فيلم "الجبل بيننا" تعتبر من الأعمال التقليدية التي سبق وشاهدناها في العديد من الأفلام، إلا أن المساحة البيضاء التي جمعت بطلي العمل لأيام في مكان ضيق، خلقت علاقة روحية بينهما.

 

12