هاني أبوأسعد: لم أخطط للوصول إلى العالمية

الزخم الذي استعاده مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الحالية، بدا ظاهرا في طرحه لقضايا كثيرة، منها ما يتعلق بالتنوع اللافت في الأفلام المشاركة والتي جاءت من بلدان مختلفة، ومنها ما يتعلق بالموضوعات التي تتناولها، ومنها ما يخص التوسّع في فكرة الإنتاج المشترك، لكن الأهم أن نجم المهرجان في أيامه الأولى كان المخرج الفلسطيني هاني أبوأسعد.
الثلاثاء 2017/11/28
ظروف مناخية قاسية رافقت تصوير فيلم "الجبل بيننا"

القاهرة - أكد المخرج الفلسطيني هاني أبوأسعد في حوار مع “العرب”، أنه لم يخطط طوال حياته للوصول إلى العالمية والعمل في صناعة السينما بهوليوود، وتقديم فيلم مثل “The Mountain Between Us” “الجبل بيننا” الذي كانت بطلته الفنانة كيت وينسلت وإدريس إلبا وعرض على هامش فعاليات الدورة الـ39 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وأوضح أنه سعيد بتقديم مجموعة من الأفلام تناقش القضية الفلسطينية، ويكون فيلمه الشهير “الجنة الآن” الذي قدمه عام 2006 نقطة التحول في مشواره الإخراجي الذي لفت به أنظار الكثيرين في الغرب، وجعلهم يهتمون بتجربته التي حفر اسمه فيها ضمن مجموعة من الرموز العربية التي وضعت بصماتها في السينما العالمية، مثل المخرج السوري مصطفى العقاد والمصري يوسف شاهين.

وقال أبوأسعد، الذي يبلغ من العمر 56 عاما، إن نجاح “الجنة الآن” جعل لديه الكثير من العلاقات مع صناع السينما الهوليوودية والتي يستطيع المخرج من خلالها أن يقدم مشروعه للجهات الإنتاجية أو يقومون هم باختياره، وهو ما حدث في فيلمه الأخير “الجبل بيننا” والذي أحبه لإعجابه بالقصة التي أكد أنه لم يشاهدها من قبل في السينما، حيث صراع التمسّك بالبقاء في الحياة والحب.

لا للإغراءات الأميركية

تحدث أبوأسعد، الذي حصل على جائزة غولدن غلوب عن فيلمه “الجنة الآن” وجائزة العجل الذهبي في هولندا عن العمل ذاته، مع “العرب” عن تجربة الدخول في السينما العالمية، قائلا “الأمر يرجع إلى نجاح تجربتي في هذا العمل ‘الجنة الآن’، خصوصا وأن غالبية المنتجين في هوليوود يدعون أصحاب التجارب الناجحة للعمل معهم”، معبّرا عن احترامه لعدد من هؤلاء الموهوبين الذين تتم دعوتهم ولا يخضعون للإغراءات الأميركية، فهي وجهات نظر تُحترم أيضا.

هاني أبوأسعد: التعامل مع إدريس ألبا وكيت وينسلت كان أكثر من رائع

وحضور اسم أبوأسعد في السينما العالمية كمخرج عربي ينحدر من جذور فلسطينية ربما يحمل معه وجهة نظر مختلفة من الغرب، لأن هناك الكثير من الفلسطينيين الذين نجحوا في اختراق الحواجز والمشاركة في العديد من المهرجانات الدولية وحصلوا على جوائز، ما جعل الغرب يحترم بروزهم كمخرجين فلسطينيين.

ويؤمن أبوأسعد بأن الفنان يلعب دورا هامّا، وصفه بأنه مثل “حبات الرمل” التي تملأ الشاطئ، وهو محمّل بالصراع على الهوية والمستقبل.

وعن الاهتمام بتجارب السينما الفلسطينية ومخرجيها قال أبوأسعد لـ”العرب” “العالم لديه اهتمام بالسينما الفلسطينية لأنها جزء من الاهتمام بالقضية كموضوع سياسي وإنساني في حقيقته وليس عربيا فقط، فكيف نصبح دون أرض، وهو ما يحيل إلى حجم الازدواجية الحاصلة في الغرب الذي ينادي بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان”.

وأضاف “القضية الفلسطينية لا تزال حيّة، وهناك تعاطف معها ما يدلّ على إنسانيتنا، ولو كف العالم عن الاهتمام بالقضية سوف تبقى فلسطين محتفظة بتأثيراتها في وجدان الكثير من الناس، لأنها بيتهم في النهاية”.

ونوّه أبوأسعد إلى أن فلسطين تتمتع بامتلاك حركة سينمائية كبيرة تحديدا من ناحية التجارب النسائية، مشيرا إلى مجموعة منهنّ مثل: مها الحاج، ومي مصري، وسها عراف، وأماني جاسر، حيث يتمتعنّ بمكانة عالمية عالية ما يشجّع على وجود حركة فنية إيجابية، وهي علامة على تعدد أسماء المخرجات أكثر من المخرجين.

ويخوض أبوأسعد في فيلمه الأخير “الجبل بيننا” مغامرة الابتعاد عن القضية الفلسطينية التي تعمّق فيها وقدّم لها عددا من الأعمال مثل “الجنة الآن”، و”عمر”، مؤكدا أن الأمر لم يكن له تخطيط مسبق وأن الحياة قد تفاجئنا بخططها، وهو ما حدث عندما عرضت عليه شركة الإنتاج العالمية “فوكس” التعاون معها ولم يكن يستطيع الرفض.

والرابط المشترك بين صراع أبناء فلسطين للتمسّك بأرض الوطن وما عاشه أبطال فيلمه “الجبل بيننا” في التمسك بالحياة يبدو متقاربا إلى حد كبير، الأمر الذي يشدّد عليه أبوأسعد الذي يتحدّث في أعماله عن أشخاص عاديين في ظروف غير عادية، وهنا لا تختلف قضية الفيلم كثيرا عن هذه الفكرة ذاتها.

ويبدو أن دراسته لهندسة الطيران بالأساس دعمته كثيرا في تجربة فيلمه الأخير، وهنا يقول “دراستي للطيران أفادتني بالفعل في مشاهد سقوط الطائرة، لأنني كنت حريصا على أن يكون الأمر واقعيا، ولأنني مهندس، فأنا أعرف كيف يبدو الحدث حقيقيا أم لا، والحقيقة أنه لا يوجد شيء واقعي في تصوير الأفلام، لأن هناك صعوبة في تصوير ذلك بنسبة مئة بالمئة”.

شاعرية واقعية

كشف هاني أبوأسعد أن هناك عدة تعديلات أجريت على أحداث فيلمه لعدة أسباب، أهمها أن كاتب الرواية يستطيع كتابة الأفكار التي تدور في عقول الأشخاص، لكن الأفلام تترجم بالصورة فقط، فيكون هناك تغيير في الأحداث ليقوم المخرج مسنودا بمعاونيه بعمل تصور لها.

كيت وينسلت وإدريس ألبا في مشهد من فيلم "الجبل بيننا"

والرمزية الكبيرة التي استخدمها أبوأسعد في فيلمه “الجبل بيننا” في استخدام الكلب والمكان المعزول كانت لها دلالة واضحة على الفكرة التي يتناولها العمل، وهو ما وصفه بـ”أنه اختيار مقصود، إذا اعتبرنا أن الكلب هو الشخصية الثالثة التي تعبّر عن مستقبل الأبطال، خاصة وأن الحيوان لديه استشعار بالخطر قبل أن يحدث، وهو الدور الذي كان يلعبه الكلب في أحداث الفيلم”.

ورغم أن المخرج الفلسطيني وصف فيلمه بأنه يعد “مشروعا شاعريا واقعيا استعمل فيه عددا من تلك المشاعر الضخمة”، إلاّ أن هذه الشاعرية خلّفت وراءها الكثير من القسوة التي عاشها صناع العمل، كيت وينسلت وإدريس ألبا، اللّذان كانا يصوّران مشاهدهما تحت درجة حرارة منخفضة جدا.

وتابع “قاموا بالتصوير في درجة حرارة وصلت إلى 38 درجة تحت الصفر في أحد أيام التصوير”، واصفا الأمر بالقسوة الشديدة التي قد تجعل الكاميرات تتوقّف عن العمل، ولم يلجأ للاستعانة بمشاهد اصطناعية، مؤكدا “في النهاية الشخص الذي يعمل في فرن 24 ساعة يعاني أكثر منا، لكنه مضطر، لأنه دون خبز لن يستطيع الحياة”.

وعن تغيير نظرة المجتمع الدولي لقضية العنصرية التي ناقشها أبوأسعد في فيلمه دون قصد، أكد لـ”العرب” “الغرب مع كل اختلافنا معه، لكن لديه تاريخ طويل في مناهضة العنصرية، صحيح ليس كل الغرب، لكن هناك الكثير من الفنانين والكتاب ناقشوا العنصرية بكلّ أشكالها”، ورغم أنه ليس عنصريا، غير أنه سعيد بمناقشة الأمر دون قصديّة مباشرة في فيلمه.

وروى أبوأسعد، الذي ينتظر إعلان قائمة النتائج النهائية لترشيح فيلمه ضمن مسابقة الأوسكار العالمية، جانبا من كواليس عمله مع أبطال فيلمه، قائلا “التعامل مع إدريس ألبا وكيت وينسلت كان رائعا، وكان بينهما احترام متبادل ومقدّس، والأخيرة تحديدا سبق لها العمل مع مدارس إخراجية كبيرة مثل بيتر جاكسون في فيلمها ‘المخلوقات السماوية’، وأيضا مع وودي ألن في فيلمه ‘مقهى المجتمع’، بالإضافة إلى زواجها سابقا من المخرج سان مندينز”.

وتتمتع وينسلت، بحسب هاني أبوأسعد، بتجربة هامة مع مخرجين عالميين، ولم تكن لتأتي إليه إن لم يكن هناك احترام متبادل بينه وبينها، مضيفا “هي ليست من الفنانين الذين يبحثون عن المال، لأن هؤلاء يذهبون للعمل فقط من أجل حفنة من الأموال”.

16