هاني أبو ريدة رياضي بدرجة دبلوماسي

السبت 2016/10/08
هاني أبو ريدة رئيس اتحاد الكرة المصرية الجديد يقود مستقبل "الفراعنة"

القاهرة- سؤال يطرحه المصريون على أنفسهم الآن، هل يمتلك هاني أبوريدة، الرجل القوى في الكرة المصرية، الذي اكتسب النفوذ من منصبيه الدولي في كل من اتحاد الكرة الدولي “فيفا”، واتحاد الكرة الأفريقي “كاف”، وامتلك القدرة على إيجاد حلول سريعة، لعلاج الأمراض التي انتشرت في جسد الكرة المصرية، بعد أن تولى رسميا منصب رئيس اتحاد اللعبة الشعبية الأولى عالميا، وهو المنصب الذي قال عنه السويسري غالياني أنفانتينو، رئيس الفيفا، إنه يوازي منصب رئيس الجمهورية.

شهدت الكرة المصرية، مرحلة صعبة طوال السنوات الأربع الماضية، منذ صيف العام 2012، فلم تعرف البطولات طريقها إلى فريق “الفراعنة”، بل إن المنتخب الحائز على النصيب الأكبر من مرات التتويج بكأس الأمم الأفريقية، (8 مرات)، فشل خلال تلك المدة، حتى في مجرد التأهل للبطولة، التي نال آخر ألقابها عام 2010.

ومنّت الجماهير المصرية النفس، بأن تكون السنوات المقبلة، وهي فترة الولاية للمجلس الجديد، برئاسة هاني أبو ريدة، سنوات رخاء وازدهار، تعود فيها مصر إلى منصات التتويج. العديد من الأزمات ضربت الكرة المصرية، منذ أحداث ثورة يناير 2011، بدءا من شغب الجماهير، الذي أعقبه تحول المدرجات إلى ساحات فارغة صماء، مرورا بتوقف المسابقات المحلية أكثر من مرة، وانتهاءً بتأخر المنتخب الوطني على المستوى القاري، بعد أن تأثر سلبا بعدم انتظام مسابقتي الدوري الممتاز والكأس.

نفوذ وأزمات

الأزمات ستقف وجها لوجه أمام مجلس اتحاد الكرة الجديد، الذي يقبع أعضاؤه في مكاتبهم بمقر الاتحاد على نيل مصر (الذي يطلق عليه الجبلاية)، يقلّبون في الملفات القديمة، ساعين للبحث عن حلول لهذه الأزمات، ويقع على عاتقهم أيضا تطوير كرة القدم المصرية، التي تخلّفت عن كثير من الدول العربية بسنوات.

العاملون بالوسط الكروي في أيّ دولة يطلقون على هذا المنصب “رئيس جمهورية الكرة”، لما له من قوة ونفوذ، فضلا عن الشعبية الجماهيرية الطاغية، ولأن تلك المناصب لا تعرف التكهّن بالنجاح أو الإخفاق، فإن المعطيات التي تتمثل في أداء أصحابها طوال فترة عملهم في الحقل الكروي، هي الخيط الذي نلتقط طرفه للوصول إلى النتائج المحتملة.

أول تلك المعطيات، نجاح أبو ريدة في الدفاع عن مصر دوليا، والتدخل بحكم منصبه لإنقاذ مصر من العديد من الأزمات التي كادت تكبدها أثمانا باهظة، يضاف إلى ذلك، الطريقة التي يفكر بها الرجل، وخبرته في التخطيط ووضع الاستراتيجيات، فضلا عن تصريحاته ووعوده عقب نجاحه باكتساح في الانتخابات التي أجريت في 30 أغسطس الماضي، وكلها عوامل تشي بقدرته على قيادة كرة القدم في مصر إلى طريق التعافي والإصلاح.

لا يمكن إنكار الظروف القاسية التي عمل فيها المجلس السابق، برئاسة جمال علام، والتي حالت بينه وبين التقدم خطوة واحدة في حلّ الأزمات، وتأتي على رأسها أزمة عودة الجماهير، التي ظلت حائرة بين الجهات الأمنية ووزارة الرياضة والاتحاد، غير أن أبو ريدة أكد في تصريحات لـ”العرب”، سعيه الحثيث من أجل بث الروح في ملاعب الكرة، وأنه سيواصل عقد الاجتماعات مع القيادات الأمنية في مصر، من أجل الوصول إلى حلّ سريع.

العديد من الأزمات تضرب الكرة المصرية، منذ ثورة يناير 2011، بدءا من شغب الجماهير، الذي أعقبه تحول المدرجات إلى ساحات فارغة صماء، مرورا بتوقف المسابقات المحلية أكثر من مرة، وانتهاء بتأخر المنتخب الوطني على المستوى القاري، بعد أن تأثر سلبا بعدم انتظام مسابقتي الدوري الممتاز والكأس

نجاح دولي

قوة شخصيّة الرجل ومقدرته القيادية، من أهم الأسلحة في تحقيق هذا النجاح، والتغلّب على المشاكل، وتجلّت قوته في نجاح أغلب أعضاء قائمته الانتخابية، بل حتى من نجحوا من خارج القائمة، يطلق عليهم “رجال أبو ريدة”، ومثّل هذا المشهد رسالة للجميع، بأن الجالس على مقعد الرئيس، يمتلك النفوذ، ويتسم بالشراسة المغلّفة بالدبلوماسية.

في وقت تتحمل فيه الأندية المصرية، عناء السفر من مدينة إلى أخرى، لخوض مبارياتها بسبب أزمة الملاعب التي تعد نتاجا طبيعيا لأزمة الجماهير، يسعى أبو ريدة إلى وضع جدول مباريات ثابت، بالمواعيد وأماكن إقامة المباريات، أسوة بالدول الأخرى، والتغلب على كثرة التوقفات للمسابقة المحلية الأهم.

ونجح الرجل في أغلب الاختبارات التي خاضها لصالح مصر، قبل أن يأتي على رأس المنظومة الكروية، ما يبشّر باحتمال نجاحه على المستوى المحلي، فقد تدخل لتخفيف عقوبات الفيفا على الاتحاد المصري، في أعقاب أزمة مباراة منتخبي مصر والجزائر، في تصفيات كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، والتي أطلق عليها “موقعة أم درمان”.

وقتها تقدم الاتحاد المصري، برئاسة سمير زاهر، بشكوى رسمية إلى الفيفا، لإعادة المباراة التي خسرها بهدف نظيف، وحرمته من المشاركة في المونديال، وأرفق مجلس زاهر في شكواه، ما يفيد تعرض اللاعبين والجماهير للترهيب من قبل جمهور الجزائر، في المدينة السودانية، غير أن الملف المصري في هذه القضية لم يكن مقنعا، وتنبأ أبو ريدة وقتها بتعرض مصر للعقوبة، وهو ما حدث بالفعل.

في العام 2006، كان الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، يرغب في نقل مقره بعيداً عن العاصمة المصرية القاهرة، إلى وجهة أخرى، بداعي مصاعب إدارية تضعها مصر. وقتها اتخذت الحكومة المصرية خطوات جادة، للإبقاء على مقر “كاف” بالقاهرة، وكان أولها الترحيب بعقد جلسة مع قيادات الكاف برئاسة الكاميروني عيسى حياتو، للتأكيد على حرص مصر على بقاء الاتحاد في أرضها كدولة مقرّ، وظلت القاهرة مستضيفة للمقر منذ تأسيس الاتحاد قبل أكثر من نصف قرن، كما أعلن نظيف عن الموافقة على تفعيل ميثاق اتفاقية التأسيس.

أزمة عودة الجماهير إلى المدرجات تظل حائرة بين الجهات الأمنية ووزارة الرياضة والاتحاد

تدخّل أبو ريدة يومها، وتحدث بصفة شخصية مع حياتو، وأخذ منه وعدا ببقاء الاتحاد في مصر باعتبارها إحدى الدول المؤسسة للاتحاد مع السودان وإثيوبيا وجنوب أفريقيا، كما أنها الدولة التي احتضنت الاتحاد بحبّ ورعاية على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان، ومنحته امتيازات كبيرة، من أجل إقامة مقره الجديد في مدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، بدلا من المقر القديم الكائن حتى الآن في منطقة الجبلاية، ولا يفصله عن مقر الاتحاد المصري لكرة القدم سوى جدار.

العالمون بما يدور داخل الغرف المغلقة في مبنى اتحاد الكرة، لا يكفون عن التأكيد على أن أبو ريدة، هو المحرك الأساسي لمنظومة الكرة، منذ رحيل سمير زاهر، على خلفية أحداث إستاد بورسعيد، التي نشبت في الأول من فبراير عام 2012، عقب مباراة بين فريقي الأهلي والمصري بالدوري المحلي، وراح ضحيتها 74 مشجعا من جماهير الأهلي.

وقبل رحيل زاهر، لم يكن أبو ريدة بعيدا عن المشهد، بل إن درايته بالقوانين واللوائح التي تخرج من المنظومة الأمّ، وهي “الفيفا”، جعلته يمتلك أداة للتحكم في الكرة المصرية عن بعد، لسببين، أولهما حاجة زاهر ومجلسه الماسة إلى نصائح عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي، والثانية علاقات أبو ريدة الدولية، والتي أنقذت اتحاد الكرة في بلاده من أزمات مختلفة.

خارطة الشارع

منذ أكتوبر 2012، وبعد نجاح جمال علام في انتخابات اتحاد الكرة على منصب الرئاسة، فإن جميع السيناريوهات تؤكد سيطرة أبو ريدة التامة على زمام الأمور، وامتلاكه كافة أدوات التحكم، وقد كان يتولى فعليا إدارة الاتحاد من خلف ستار، بل إن قصة صعود جمال علام إلى مقعد الرئاسة، لعب أبو ريدة دورا محوريا فيها، وأكد البعض على أن علام لعب دور “المحلل”.

شرح المروّجون لهذا السيناريو الطريف كالتالي: أديرت الأمور في هذا التوقيت، على طريقة الفيلم السينمائي “زوج تحت الطلب”، والذي لعب الفنان عادل إمام فيه دور البطولة، حيث كان إمام موظفا صغيرا، استخدمه بعض الأغنياء ورجال الأعمال، ليكون “المحلّل”، بعد أن وقعوا في يمين الطلاق البائن (ثلاث مرات) الأخير مع زوجاتهم، واتّبع أبو ريدة السيناريو نفسه، فبحث عن شخصية غير معروفة لأداء المهمة.

قبل رحيل زاهر، لم يكن أبو ريدة بعيدا عن المشهد، بل إن درايته بالقوانين واللوائح التي تخرج من المنظومة الأمّ، وهي "الفيفا"، جعلته يمتلك أداة للتحكم في الكرة المصرية عن بعد

وقع اختياره على رجل حسن السمعة، يتولّى منصب الرئاسة بأحد أندية الصعيد، ولم تكن الأضواء تعرف طريقها إليه، وبين عشية وضحاها وجد علام نفسه معتليا كرسي رئاسة اتحاد الكرة، ومتفوقا في الانتخابات على أسامة خليل، أحد نجوم فريق نادي الإسماعيلي في فترة السبعينات من القرن العشرين.

ذكاء أبو ريدة، دفعه لتأجيل وجوده على الكرسي والدفع بعلام، ولأنه قرأ خارطة الشارع الكروي جيدا، فقد فضل إرجاء النزول إلى المعركة الانتخابية، ليس خوفا من عدم النجاح، بل لأنه فضّل اتخاذ دور المشاهد، في فترات عجاف تمر بها الكرة المصرية.

كان المنتخب المصري، صاحب النصيب الأكبر من الألقاب القارية، قد فشل في التأهل إلى بطولة كأس الأمم الأفريقية في مناسبتين متتاليتين، عامي، 2012 و2014، كما فشل المنتخب في الصعود إلى نهائيات كأس العالم 2014 بالبرازيل، وعمل علام خلال فترته الرئاسية المقررة (4 أعوام) في ظروف قاسية لا تساعد على تحقيق أيّ نجاح.

الإخفاقات المتوالية دفعت الجماهير للترحم على فترة سمير زاهر، التي عرفت فيها الكرة المصرية معنى كلمة الاستثمار الرياضي، حيث حقوق البث ووجود رعاة ينفقون الملايين من الدولارات على المنتخبات الوطنية، خاصة المنتخب الأول، الذي ذاع صيته بعد نيل اللقب القاري ثلاث مرات متتالية، ثم تحقيق إنجاز ضخم بالفوز على المنتخب الإيطالي بهدف بلا رد في بطولة كأس القارات 2009، ما دفع كبار القارة الأوروبية لأن يبادروا بإقامة مباريات ودية مع منتخب الفراعنة. بخطى واثقة خاض أبو ريدة الانتخابات، وكان الرجل على دراية تامة بفارق الإمكانات الشاسع بينه وبين منافسيه، حيث يسبقهم بالعشرات من السنين في علم الإدارة نظريا وعمليا، لذا كان النجاح ساحقا بعدد ضخم من الأصوات بلغ (198 صوتا).

مقومات الفوز

هاني أبو ريدة يؤكد سعيه الحثيث من أجل بث الروح في ملاعب الكرة

ما أكد نجاح أبو ريدة في التعامل مع معارضيه قبل مؤيديه داخل المنظومة الكروية، ذكاؤه في إدارة الأزمات التي وقعت مع بعض رجال الرياضة، وهي الطريقة التي تعامل بها في أزمة حافلة المنتخب الجزائري، التي تعرضت للهجوم من قبل بعض الجماهير المصرية، وهي في طريقها إلى فندق الإقامة، حيث كانت تتواجد في القاهرة لخوض مباراة أمام منتخب الفراعنة، في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا.

وأظهرت الأزمة نقطة مهمة جدا في شخصية الرجل، وهي أنه لا يكشف عن جميع أوراقه، ويحتفظ ببعضها لنفسه، للتلويح بها في الوقت المناسب، فقد حذر أبو ريدة رئيس اتحاد الكرة المصري آنذاك (زاهر)، من محاولة إرضاء نظيره الجزائري، محمد روراوه، وتدخل هو شخصيا لإنهاء الأزمة. إلا أن أزمة التصنيف الدولي للمنتخب الوطني، والتي نشبت قبل إجراء انتخابات اتحاد كرة القدم بأشهر قليلة، نالت من شعبية الرجل صاحب العلاقات الدبلوماسية، والأكثر فهما وحفظا ودراية بقوانين الفيفا، واعتبروا أنه خدع المصريين، إذ طمأنهم بأن منتخبهم في التصنيف الأول، فإذا بالموقع الرسمي للاتحاد الدولي (فيفا) يعلن تراجع مصر للتصنيف الثاني في التصنيف التراكمي.

ما حدث، وإن كان أثّر على شعبية أبو ريدة، إلا أنه لم يسحب منه البساط في الانتخابات، فتلك الانتخابات أيضا لعبة يجيدها أبو ريدة، وقد نجح في جعل أغلب ممثلي قائمته الانتخابية، ينالون مقاعد داخل مجلس الجبلاية، ووضعه هذا النجاح أمام اختبار حقيقي، بعد أن وجد نفسه وجها لوجه أمام أزمات متشابكة يعيشها الشارع الكروي في مصر منذ سنوات.

الآن، فإن أزمة عودة الجماهير، هي المحك الحقيقي، والتي لو نجح في التغلب عليها، لاكتسب رضا وثقة قطاع عريض من الجماهير المتعطشة للمدرّجات، إضافة إلى الحاجة الملحّة لعودة المنتخب الوطني إلى مكانته الحقيقية على المستوى القاري، والفوز ببطولة كأس الأمم 2017 بالغابون، والتأهل إلى مونديال 2018 في روسيا، وهي البطولة التي غاب المنتخب المصري عن منافساتها 26 عاما، منذ مونديال 1990 بإيطاليا. كشف أبو ريدة عن خطته لإصلاح منظومة الكرة، والتي تبدأ بإصلاح بطولة الدوري المصري في الموسم الجديد، وعلاج الأزمات التي تعاني منها البطولة في السنوات الأخيرة.

12