هاني خليفة مسيرة نجاح ثم غياب يعقبه تألق

منذ اللحظة الأولى لرؤيتنا أفيش فيلمه الأول “سهر الليالي”، عرفنا أننا أمام مخرج مختلف. ففي خضم موجة أفلام جيل جديد من نجوم الكوميديا اجتاحت السينما مع مطلع الألفية، وفي واقع سينمائي كان يعتمد في الأساس على نجم “يشيل الفيلم وحده”، جاء المخرج هاني خليفة ليقدم لنا حالة سينمائية مختلفة جعلتنا نعيد حساباتنا بشأن بعض اعتقاداتنا السينمائية الخاطئة.
الثلاثاء 2015/08/18
هاني خليفة مخرج لا يزعجه لقب العلاقات العاطفية المشوهة

قدم المخرج هاني خليفة في أول أفلامه “سهر الليالي” فيلما رومانسيا مختلفا تماما عن تركيبة السوق السينمائية حينها، إذ ينجح الفيلم ويحقق أعلى الإيرادات ويتحول إلى ما يشبه الظاهرة، فيلم واحد يمكنه الجمع بين 8 نجوم ونجمات دون مشاكل وصراعات على الأفيش وعلى مساحات الأدوار وترتيب الأسماء وحجم الحروف الذي ستكتب به الأسماء، وكل تلك التفاصيل التي لا تمت بصلة إلى النجومية الحقيقية. ولأول مرة ينسب الجمهور الفيلم إلى صناعه الحقيقيين، مؤلفه تامر حبيب، ومخرجه هاني خليفة.

نجاح باهر في أولى تجارب خليفة الإخراجية، وصل إلى حد تحول تجربته السينمائية الأولى “سهر الليالي” إلى أبعد من مجرّد فيلم، لتصبح ظاهرة سينمائية. ثم، اختفاء تام لعدة سنوات بعدها، قطعته عودة تلفزيونية مع مسلسل “الجامعة”، ثم ظهور أول كممثل في رمضان الماضي من خلال المسلسل الناجح “تحت السيطرة”.

وهو الظهور الذي أعقبته عودته السينمائية كمخرج مرة أخرى من خلال فيلمه الجديد “سكر مر”، الذي لن تستطيعوا منع أنفسكم من الشعور عقب مشاهدته بأننا أمام مخرج حقيقي له مشروع فني متكامل، يبحث طوال الوقت عمن يمكن أن يساعده على إبرازه من خلال الدراما، وإذا لم يجد اختفى، مفضلا عدم العمل على تقديم عمل لا يرغب في تقديمه، إنه هاني خليفة.. أرجع هاني خليفة غيابه طيلة السنوات العشر الماضية إلى عدم توافقه مع السيناريوهات التي تم عرضها عليه، وإلى طموحه الفني الذي قد يصل به أحيانا إلى حدّ الطمع كمخرج لا يقبل بأنصاف الحلول، فإما تقديم رؤيته بشكل كامل أو عدم تقديمها على الإطلاق.

تلك الفترة الفاصلة بين فيلميه لم يقطعها إلاّ إخراجه لمسلسل “الجامعة”، أول عمل درامي تلفزيوني يتناول مشكلات الشباب العربي من جنسيات مختلفة، حيث يحكي حكاية أربعة مراهقين حديثي العهد بالجامعة من مصر والسعودية ولبنان وفلسطين.

10 شخصيات يقدمها فيلم "سكر مر" من المجتمع المصري متأرجحة بين الانفلات والتدين

تحت سيطرة التمثيل

عن دوره الذي قام به من خلال تجسيد شخصية “هشام” في مسلسل “تحت السيطرة” من إخراج تامر محسن، وعن إحساسه كمخرج يود تعديل بعض المشاهد وهو أشبه بتوتر سائق محترف يجلس بجانب آخر لا يقل عنه احترافا.

إلاّ أنه في النهاية قرر ترك مشاعره لتقوده إلى حيث يشير له المخرج تامر محسن الذي وصفه هاني بالمخرج قوي الشخصية والمسيطر إلى أبعد مدى، وقد ساعده ذلك على الانفصال عن كونه مخرجا ليتحول أثناء أوقات التصوير إلى ممثل فقط. وهي التجربة التي لا يرجح خليفة تكراره لها مرة أخرى.. “هي مرة وخلاص”. خطأ بشري يحدث في ليلة رأس السنة تترتب عليه تغيرات جذرية في حياة مجموعة من الأشخاص في الأعوام التي تليها.

تلك هي الفكرة الرئيسية لفيلمه الثاني “سكر مر”، الذي تم طرحه بدور العرض في موسم عيد الفطر الماضي، والذي وصفه خليفة بأنه محطة مهمة على طريق تجربته، حيث اقتنع بفكرة السيناريو منذ اللحظة الأولى التي قدمها له فيها السيناريست محمد عبدالمعطي.

ويصف خليفة النص بأنه محكم، لافتا إلى أن السيناريو كتب كاملا بواسطة السيناريست دون تدخل منه، بخلاف بعض التغييرات الإخراجية المرتبطة بمكان التصوير أو بزاوية الكاميرا. أما عن الاتهامات الموجهة للفيلم في ما يخص الألفاظ الخشنة التي احتوى عليها، خاصة في البرومو، أكد هاني أنها كلمات عادية تستخدم يوميا بين طبقات المجتمع المختلفة، مؤكدا على كونها كلمات خشنة ومشوهة، تشبه إلى حد كبير التشوه الذي يعتري العلاقات في الفيلم.

وأوضح هاني خليفة أن فكرة تصنيفه كمخرج للعلاقات العاطفية المشوهة لا يؤرقه على الإطلاق، كما أكد أنه لا يقلل من آراء النقاد واتهامهم له بتكرار نفسه من خلال اتباع ثيمة درامية واحدة متشابهة.

اسم الفيلم، واجه اتهاما بالتشابه بينه وبين فيلمه السابق “سهر الليالي”، فالأول اسم أغنية لفيروز، والثاني اسم أغنية لماجدة الرومي. لهذا كان خليفة مستعدا للنقد منذ عرض البرومو والحديث عن تشابه موضوعي بين الفيلمين، واسميهما.

هاني خليفة بالتجهيز لعدة أعمال حاليا، بين الدراما التلفزيونية والسينمائية، ولا يستبعد إطلاقا قيامه بإخراج فيلم كوميدي

تشابه غير متطابق

لا يرى هاني أن هناك تشابها بين فيلميه “سهر الليالي” و”سكر مر”، إلاّ أن الفيلمين يتحدثان عن بناء العلاقات الإنسانية ما بين مجموعة من النساء والرجال، وهذا هو مصدر التشابه. فمن خلال 10 شخصيات من مجتمعنا، متأرجحة طوال الوقت بين الحرية المطلقة والتزمت، بين الانفتاح والتقوقع، بين الانفلات والتدين، نجح فيلم “سكر مر” في كشف الكثير من الخلل في علاقاتنا ببعض.

بخلاف فيلم “سهر الليالي” الذي كان يناقش رياح التغيير عندما تمر على ثلاثة من المنتمين إلى مؤسسة الزواج، وصديقهم الرابع الذي يخشى ضياع حبه بعد الزواج.

وعن أساسيات اختيار فريق العمل، فقد كان يتم بالمشاركة مع السيناريست محمد عبدالمعطي لاقتناعه بآراء الكُتاب في اختيار شكل الشخصيات التي كتبوها وشعروا بها ومنحوها الحياة على الورق في البداية.

ويبرر خليفة وجود الخلفية التلفزيونية في العديد من مشاهد الفيلم بأنها تعبير عن الوضع السياسي المضطرب الذي كان يسود الشارع المصري وقتها، ويقوم بإسقاط ذلك الاضطراب السياسي على الاضطرابات النفسية للشخصيات، فأحداث الفيلم بأكمله تدور خلال خمس سنوات، لهذا كانت تلك هي الطريقة المثلى للتعبير عن انعكاس اضطرابات الزمن على اضطرابـــات الشخصية.

يقوم هاني خليفة بالتجهيز لعدة أعمال حاليا، بين الدراما التلفزيونية والسينمائية، ولا يستبعد إطلاقا قيامه بإخراج فيلم كوميدي، حيث يؤمن تماما بأن العبرة ليست في ما سيُنجز، بقدر ما هي في كيفية إنجازه.

16