هاني خليفة يكرر نفسه بشكل سيئ في "سكر مر"

في بدايات الألفية الثالثة اختار المخرج هاني خليفة السباحة ضد تيار الدراما الكوميدية السائد وقتها بتقديم اللون الرومانسي في فيلمه الأول “سهر الليالي”، وبعد أكثر من عشر سنوات أصر خليفة على مواصلة سباحته عبر فيلمه الجديد “سكر مر” الذي يستكمل فيه مناقشة ما طرحه من مشكلات عاطفية واجتماعية في فيلمه الأول، متحديا موجة أفلام الأكشن التي تغزو السينما المصرية حاليا.
الجمعة 2015/07/31
"سكر مر" تناول سطحي لمشاكل معقدة

رغم الجهد المبذول في الفيلم الجديد لهاني خليفة “سكر مر” إلاّ أنه لم يحقق المتعة الكبيرة للجمهور، ما جعله عبئا سينمائيا على هاني خليفة الذي ابتعد لسنوات تحوّل خلالها فيلمه “سهر الليالي” إلى واحد من أهم الإبداعات السينمائية، وهو أمر يفرض على الجميع مقارنة بين العملين لن تكون في صالح المخرج بالتأكيد.

فمن يشاهد “سكر مر” ينتابه شعور سريع بأنه ليس سوى نسخة سيئة من الفيلم القديم، وبين هذا وذاك يبقى الفيلم الجديد عملا يستحق التأمل والنظر عن بعد دون الاستعجال والمقارنة السطحية، حتى وإن اختلفنا حول بعض الرؤى المقدمة فيه.

مؤلف الفيلم محمد عبدالمعطي تميز بمناقشة الكثير من المشاكل التي تبدو ساذجة لا تستحق التوقف عندها، رغم أنها قد تكون سببا في إفساد العلاقات العاطفية وفتورها، مقدما العديد من الأمثلة، منها النمطية التي تصاحب بعض فتيات العصر الحالي من التحكم في الزوج وحياته اليومية التي اعتاد عليها “لا تأكل في الريسبشن.. أو لا ترتد الجلباب أمام صديقاتي في المنزل”، وقد يمرر الرجل هذه الأمور بسلاسة في البداية، لكن تحولها إلى عادة يزيد المخاطر على استقرار العلاقة الزوجية. كذلك ناقش المؤلف قضية الغيرة بشكل إيجابي وضرورتها لاستمرار الزواج، من خلال نموذج الزوجين مروان ونازلي أو نبيل عيسى وأمينة خليل، اللذين اتفقا على أن يحتفظ كل منهما بحريته الشخصية “يصاحب من يصاحب، ويسهر مع من يسهر” دون أي تحكم من شخص تجاه الآخر، حتى يستشعر كلاهما في لحظة معينة بعدم قدرته على تحمل الأمر، لأن بعض الغيرة تبعث الحياة في العلاقة الزوجية مهما طال تجاهلها.

القضايا الدينية الشائكة كان لها نصيب في الفيلم، الذي ناقش قضيتين معقدتين، الأولى أزمة الفتاة التي قررت التخلي عن مظاهر الحياة وارتداء الحجاب بعد تعرضها لموقف صادم، وهو ما يرفضه حبيبها لكونه يريد أن يستمتع بها وبقوامها الفتان، وشعرها المنسدل على أكتافها طيلة الوقت، وهو نموذج يلفت الانتباه لتوجه كثير من الفتيات في الوقت الحالي لخلع الحجاب من أجل الفوز بشريك الحياة. وصحيح أن فتاة الفيلم هنا لم تستجب لرغبات حبيبها بخلع الحجاب، لكن مناقشة القضية في حد ذاته أمر يستحق التأمل في كثير من الأمور التي نعيشها الآن.

القضية الثانية أكثر حساسية، عن مشاكل الحياة بين زوجين مسيحيين هما مريم ونبيل يرغبان في الانفصال بعد فتور العلاقة بينهما، لكن دينهما لا يسمح به فيلجآن إلى التفكير في اختلاق أكذوبة عن خيانة الزوج لزوجته حتى يمكن للكنيسة أن توافق على مبدأ الطلاق.

يحسب للمؤلف دقة اختيار الرابط الزمني لفيلمه وهو يوم رأس السنة، حيث تبدل العلاقات، ومن يتبدل مع من، ومن تتغير مشاعره تجاه من، ربما كان موفقا لكون هذا اليوم مناسبة لكثيرين لمراجعة علاقاتهم العاطفية سواء بالاستمرار أو الانفصال. ورغم أن الأحداث السياسية كانت حاضرة في أغلب مشاهد العمل، لكنها بدت مقحمة على النسيج الدرامي في بعض المواقف، مثل تكرار الإشارة إلى الثورة الشعبية في مصر، حيث لم تعط الأحداث سببا منطقيا لطرحها سوى أنها صرعة جديدة يلتزم بها صناع الدراما في السينما والتلفزيون في السنوات الأخيرة.

كذلك هرب المخرج والمؤلف من مناقشة الأحداث السياسية بوضوح عبر اللجوء إلى الرمزية والدلالية، مثلما يظهر في إقدام البطل حسام (هيثم أحمد زكي) على حلق ذقنه بعد سقوط حكم الإخوان، في رصد لتحول بعض الشباب بين الرؤى والتيارات السياسية دون وعي.

التركيز الأكبر في الرصد السياسي كان من خلال بطل العمل حسام، لكن دون عمق في التناول، فلم يظهر لنا سبب حرصه على الاستماع إلى الراديو لأخبار الدولة، ولا مباغتة زوجته بزواجه من لاجئة سورية، في إشارة غير مباشرة أيضا إلى ظاهرة زواج السوريات من المصريين التي انتشرت بقوة في الفترة الأخيرة.

اختار خليفة بعضا من القضايا التي ناقشها في “سهر الليالي”، ليعيد طرحها في “سكر مر” بما يتناسب مع متغيرات العصر، فالارتباك الذي شاهدناه من قبل في توتر العلاقة بين الزوجين حنان ترك وأحمد حلمي في “سهر الليالي”، وكيف تنازل الأخير عن كرامته من أجل حبيبته، لكونه يحبها بصدق وليس من أجل مالها، يأتيك من جديد عبر نموذجين أحدهما لرجل والآخر لامرأة.

فالرجل هو علي (كريم فهمي) الذي تقبل علاقات زوجته السابقة لأنها تساعده في نفقات المنزل، وشراء لوازمه الشخصية كالملابس، إضافة إلى معاونته في توسيع قاعدة عمله عن طريق علاقاتها الشخصية، لكنه لم يستطع تجاوز الأمر، حيث تطارده الهواجس بين حين وآخر.

أما المرأة فهي عليا (أيتن عامر) التي تزوجت سليم (أحمد الفيشاوي) بحثا عن مستوى مادي أفضل، وهي تمثل نموذجا في الأنانية، حيث لا تريد أن ترهق نفسها بالتزامات الحياة كزوجة، ولا تشغل بالها بالاهتمام بعمل زوجها، فكل ما تبحث عنه متعتها الشخصية.

بين نموذج علي وعليا تقف المادة حاجزا منيعا في استمرار علاقات زوجية ناجحة، وهو ما يشير لتغيرات العصر وتبدل الأدوار، حيث أصبحت السمة الغالبة في العلاقات العاطفية.

فالرجل في العقد الثاني من الألفية الجديدة قد يحمل معه تنازلات في قناعاته الذكورية حتى لا يخسر أحد مصادر دخله، وكذلك في نموذج الفتاة التي ترجئ فكرة الزواج حتى تعثر على الرجل الخارق الذي نكتشف أنه ليس من يحملها على حصانه الأبيض، ويلون حياتها بألوان الطيف، وإنما الثري الذي يحقق لها أحلامها في السهر والعيش بعيدا عن فكرة الزواج التقليدية بواجباتها.

16