هاني شاكر حارس الذوق العام يفرض وصايته على المستمعين

أزمة شاكر منذ وصوله إلى كرسي نقيب الموسيقيين، أنه غير مقتنع بأن كل شخص حر في الأغنية التي يريد سماعها، واختيار المطرب الذي يحب السماع له.
الخميس 2019/08/29
نقيب الموسيقيين وشرطي الفن المصري

أصبحت الشخصية المصرية كتابا مفتوحا لكل جهة أو شخصية مسؤولة تريد تمرير توجّه أو قرار بعينه دون أن يواجه بالرفض والنقد اللاذع؛ كل ما يتطلبه الأمر تغليف ذلك بغطاء أخلاقي، والتلميح أن الهدف إعادة الانضباط وحماية المجتمع وأفراده من التدني والانفلات والخروج عن النص وإلزام الجميع بقيم وثوابت صارمة، مع الإعلان عن محاسبة المتجاوزين.

طبّق هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية المصرية، وحامل لقب أمير الغناء العربي لدى محبيه هذه القاعدة بجدارة. في أغلب قراراته المرتبطة بتنظيم سوق الغناء والموسيقى وإقامة الحفلات يتحدث عن مبررات ودوافع أخلاقية بحتة، جعلته يحظى بدعم الكثير من أبناء جيله، بينما تعرض على إثرها للنقد والهجوم الشرس من جمهور ونقاد فنيين وزملاء مهنة.

انتحال صفة مطرب

مشكلة شاكر أنه يأتي من زمن الفن الراقي، لذلك يرى أن كل فن مضاد للفن الرومانسي الذي كان يقدمه، يمثل تدميرا للذوق والأخلاق والقيم.
مشكلة شاكر أنه يأتي من زمن الفن الراقي، لذلك يرى أن كل فن مضاد للفن الرومانسي الذي كان يقدمه، يمثل تدميرا للذوق والأخلاق والقيم

أزمة شاكر منذ وصوله إلى كرسي نقيب الموسيقيين، في أنه يعتبر نفسه حارس الذوق العام، ويتدخل في ما يجب على الناس أن يسمعوه ويتجنبوه، ولا يقتنع بأن كل شخص حر في الأغنية التي يريد سماعها، واختيار المطرب الذي يحب السماع له. يسعى لفرض نوعية بعينها من المغنين، وإقصاء آخرين بذريعة أنهم يغنون بلغة الشارع.

بلغت درجة الوصاية التي يفرضها على الفن والمجتمع، أنه أصدر قرارا بحظر أغاني المهرجانات، وهي “نوع من الأغاني الشعبية”، بحجة أنها “تهدد الهوية المصرية والعربية، وتسببت في إفساد أخلاقيات الشباب، وتقدم فنا هابطا وتشجع الناس على ترديد كلمات دخيلة”.

لم يكتف بقرار المنع، بل وصل الأمر حد مطالبة الجهات الأمنية والرقابية بإلغاء حفلات المهرجانات، وقام بتقديم بلاغات للشرطة بتهمة انتحال صفة مطربين، وعلى إثر ذلك اضطرت أجهزة الأمن إلى تنفيذ الطلب، وألغت الكثير من الحفلات في مناطق سياحية وشعبية وحضرية، وخرج بعدها يشكر أجهزة الأمن على سرعة الاستجابة والحفاظ على الذوق العام.

يربط كثيرون قرار منع هذه الأغاني باتجاه غالبية الشباب لها مقابل هجرة الطرب الذي يقدمه شاكر وأبناء جيله. فكيف تكون ردة فعل “أمير الغناء” عندما يجد مغنيا اسمه “شطة” وآخر اسمه “بيكا”، تتهافت عليهما القرى السياحية والفنادق والأفراح ويتراقص أمام المسرح الذي يعمل فيه الآلاف من الشباب، في حين يبقى مطربو الزمن الجميل في منازلهم دون عمل؟

مطاردة المغنين

لهجة الغضب ضد "نقيب الأخلاق"، أو "ناظر مدرسة الأخلاق الحميدة"، كما يصفه البعض، تتصاعد يوميا لأنه يكيل بمكيالين، ويرفض تطبيق القرارات على الجميع دون تمييز
لهجة الغضب ضد "نقيب الأخلاق"، أو "ناظر مدرسة الأخلاق الحميدة"، كما يصفه البعض، تتصاعد يوميا لأنه يكيل بمكيالين، ويرفض تطبيق القرارات على الجميع دون تمييز

صحيح أن شاكر غلّف قراره بمطاردة مطربي المهرجانات بغطاء أخلاقي، لكن الدوافع الخفيّة للقرار ربما ظهرت في تصريح سابق له عندما قال إن “توفير الشغل لأعضاء النقابة الذين لا يعملون” سيكون في صدارة أولوياته، لأن هناك موسيقيين ومطربين رائعين يجلسون في بيوتهم، وللأسف تم استبدالهم بـ”الدي جيهات” (هذه الجهات) والمهرجانات.

لا يحتاج التعمق في التصريح كثيرا لتفسير الهجمة التي يشنها نقيب الموسيقيين على المطربين الشعبيين، فهو يعتبرهم سببا في “قطع أرزاق” مغنين لهم اسم وتاريخ، لذلك من الطبيعي أن يغضب بعدما سحبت أغانيهم البساط من تحت أقدام القدامى، وأولهم شاكر، لصالح مجموعة من مغنين لا يجيد أكثرهم القراءة والكتابة، وبدأوا الغناء بالصدفة.

مشكلة شاكر أنه عاصر زمن الفن الراقي، وظهر على يد الموسيقار محمد الموجي وسط عمالقة الغناء أمثال عبدالحليم حافظ ومحمـد ثروت ومحمد عبدالوهاب، لذلك يرى أن كل فن مضاد للفن الرومانسي الذي كان يقدمه، يمثل تدميرا للذوق والأخلاق والقيم، فهو يريد أن تستمر الأغاني على نفس المنوال، ولا يقتنع بتغيّر الأجيال والمستمعين والأذواق والمطربين.

ولأنه ما زال يعيش في جلباب الأغنية الرومانسية فإنه يرفض التجديد، ومواكبة العصر الذي يعيشه، وحتى عندما أراد تغيير جلده وتقديم لون جديد اتجه إلى الأغنية الوطنية، وكلّ من اللونين “الرومانسي والوطني” لا يعيشان مع الجمهور طويلا، ولا ترددهما أو تسمعهما سوى فئة بعينها من الناس.

على عكس الأغاني الشعبية التي يتعاطى معها السواد الأعظم من الجمهور، ولاسيما الفئات الشبابية، تكاد لا تمر مناسبة أسرية أو اجتماعية من دونها، ويرددها الناس في الحواري والأزقة والفنادق ووسائل المواصلات، أيّ أنه تصعب المنافسة بين الطرب الذي يقدمه شاكر وجيله، وأغاني الجيل الحالي التي أصبحت جزءا من مزاج الجمهور.

القليل فقط من الأجيال الجديدة، تستمتع إلى شاكر، فهو يقدم فنا لا يلامس الشارع وسريع الاحتضار ولم يعد قابلا للتوريث مثلما كان في وقت نجوم الزمن القديم، ويسير على نهج وإيقاع أغاني عبدحليم دون أن يشعر الناس بالملل، عكس الوضع الراهن، فالعبرة في جذب الانتباه أن يخالف المطرب مسار سابقيه، وتكون لديه شجاعة التجديد والمغامرة.

يسير شاكر بوتيرة واحدة ذات إيقاع هادئ، ويعطي لنفسه الحق، كنقيب للموسيقيين، أن يقف في وجه كل إيقاع فني سريع يتمايل معه الجسد، ويرى ذلك تشويها للفن والطرب يستدعي التدخل الأمني.

عندما تستمع إلى كلامه عن الأغنية بشكل عام، تفاجأ بأنه ما زال يعتبر الطرب عبارة عن “استمتاع بكلمات رصينة على نغم موسيقى هادئة تصاحبها ابتسامة من المستمع تتمايل معها الرأس عند الاستمتاع والانسجام”. ولا يدرك أنه يتحدث عن أغاني تراثية توقفت عند أم كلثوم.

من أزماته أيضا أنه يرفض الاعتراف بأن التدخل لإسكات أصوات المطربين ومنع أغانٍ بعينها يمثل وصاية على الفن، ولا يدرك أن هذا التصرف يتشابه إلى حدّ بعيد مع ما يقوم به من يطلقون على أنفسهم “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. لِمَ لا وهو الذي يعتبر الأغاني الشعبية “فسادا”، وإقامتها “انحلالا”؟

اعتاد شاكر التحدث عما يصفه بـ”الفساد الغنائي”، كأب من حقه التدخل في كل شيء يتعلق بأبنائه. ولا تشعر عندما يتحدث في لقاء تلفزيوني عن واقع الفن والغناء، إلا أنه رب أسرة وليس نقيبا للموسيقيين، طوال الوقت يحكي عن الزمن الجميل، بأغانيه المؤثرة وكلماته المعبرة وألحانه الهادئة، ويعتبر كل جديد كارثة وخيبة أمل تنذر بمستقبل مظلم.

ما صعد لهجة الغضب ضد “نقيب الأخلاق”، أو “ناظر مدرسة الأخلاق الحميدة”، كما يصفه البعض، أنه يكيل بمكيالين؛ ويرفض تطبيق القرارات على الجميع دون تمييز. فهو الذي رفض منح تصاريح عمل لمطربي المهرجانات بذريعة أنهم ليسوا مغنين، أو أعضاء في النقابة، في حين أعطى للفنان الشاب محمد رمضان أكثر من تصريح بالغناء الشعبي، مع أنه ليس عضوا أصلا في النقابة.

ورغم تقدم الكثير من المطربين الشعبيين لاختبارات نقابة المهن الموسيقية، إلا أنها رفضت عضويتهم أو منحهم تصريحا بممارسة الغناء، ومنعتهم من تقديم الحفلات العامة وإحياء الأفراح، وتمسكت بحقها في مطاردتهم رقابيا وأمنيا.

حبر على ورق

إصرار شاكر على الكيل بمكيالين يفضحه قراره بوقف ست راقصات عن العمل، بسبب {ارتدائهن ملابس مثيرة}، وغضه الطرف عن الملابس شبه العارية التي ارتدتها جينيفر لوبيز في حفلها الذي أقيم في مصر
إصرار شاكر على الكيل بمكيالين يفضحه قراره بوقف ست راقصات عن العمل، بسبب {ارتدائهن ملابس مثيرة}، وغضه الطرف عن الملابس شبه العارية التي ارتدتها جينيفر لوبيز في حفلها الذي أقيم في مصر

يدرك شاكر ومجلس الموسيقيين، أن قرار المنع “حبر على ورق”، لأن هذه النوعية من الأغاني تدخل كل بيت بوسائط التقنيات الحديثة. هم يفكرون بنفس طريقة الجهات التي تحجب صحيفة بعينها عن الصدور في الأسواق، علما بأن نشر عدد الجريدة على صفحات التواصل الاجتماعي سوف يحقق نسبة قراءات ومشاهدة تتخطى معدلات التوزيع.

يقول طارق مرتضى الناطق باسم نقابة الموسيقيين، في تصريحات إعلامية، إن “النقابة لها حق التصدي لأي مغنٍ لا يحمل تصريحا منها في حال اعتلائه المسرح، لكنها لا تملك ذلك على شبكة الإنترنت التي كانت وراء انتشار أغاني المهرجانات، إلى درجة أن مغنيا مثل حمو بيكا لديه 11 مليون متابع على حساباته في مواقع التواصل”، ما يؤكد أن مثل هذه القرارات تهدف إلى “الشو” الإعلامي، أو إلهاء الناس عن قضايا أخرى. فكيف تقول النقابة إن الأغنية ضد الذوق العام، وتعترف بأن صاحبها يستمع إليه الملايين؟

دفعت الازدواجية، الفنانة مي كساب، وهي زوجة المطرب الشعبي “أورتيجا”، إلى شن هجوم حاد على هاني شاكر، وقالت على حسابها في تويتر

“عايز تمنع أغاني المهرجانات يبقى ترجع كل جنيه نقابة الموسيقيين كسبته منها، لأن النقابة في عهدك 80 بالمئة من دخلها كانت من فرق المهرجانات.. احتووهم وحددوا شروط العضوية واللي يخالفها اشطب عضويته لكن ما تاخدش ناس بذنب ناس، التعميم مرفوض”.

ما يعزز إصرار شاكر على الكيل بمكيالين، أنه عندما أصدر قرارا بوقف ست راقصات عن العمل، بسبب “ارتدائهن ملابس مثيرة، ورقصهن الخليع، واستخدامهن الإيحاءات الجنسية”، غض الطرف عن الإدلاء برأيه في الملابس شبه العارية التي ارتدتها المطربة العالمية جينيفر لوبيز، خلال حفلها الذي أقيم بمدينة العلمين الجديدة، على البحر المتوسط، عشية عيد الأضحى الماضي.

التهديد بالحبس

لقد توقف أكثر من ممثل ومطرب وناقد أمام قبول شاكر اعتذار الفنانة اللبنانية ميريام فارس عن تصريحات لها فهمت على أنها تقليل من قيمة مصر، وتحدثت فيها عن أن أجرها لم يعد أحد يقدر عليه، ورفض شاكر معاقبتها لأنها اعتذرت، في حين رفض كل اعتذارات المطربة شيرين عبدالوهاب، بعد أن قالت خلال حفل أقيم في الأردن “اللي بيتكلم في مصر بيتحبس”، وقرر وقفها عن العمل، واتهمها بزعزعة الأمن القومي.

يلتمس الكثير من معارضيه له العذر، بعدما أصبح أسيرا لمواءمات سياسية في الكثير من قراراته، إذ لم يكن بمقدوره لعب دور الوصي أو يقوم بالتعليق على حفل جينيفر لوبيز، لأن جهات رسمية رتبت الحفل للترويج لمدينة العلمين الجديدة، وحضره عدد من أعضاء الحكومة.

لا ينكر شاكر أن الدولة تدعمه، ويقول عن ذلك “لو كنت فاشلا لما تلقيت دعما من الدولة، لكنها دعمتني بعدما حققت نجاحات وإنجازات كثيرة”. ويبدو سعيدا بالدعم الحكومي، ويعتبره شهادة اعتراف بنجاحه في مهمته كنقيب للموسيقيين، والوصي على الفن والأخلاق.

يحتم منصبه عليه أن يكون مستقلا، ويبتعد بقراراته وتحركاته عن أي توجيه أو مواءمة سياسية، لأنه كلما طغى الحس الرسمي على تصرفات النقباء المهنيين، فإنهم يفقدون المصداقية والاستقلال والشفافية المطلوبة.

يرى البعض أن حملة شاكر ضد كل مطرب يعمل خارج الإطار القانوني لنقابة الموسيقيين، تبدو جزءا من تحركات تقوم بها الحكومة للسيطرة على مجال الإنتاج الفني والغنائي والتوزيع، بحيث يكون كل مطرب أو فنان له شعبية وجمهور تحت أعينها، تنتج له وتراجع كلماته وتسمح بانتشاره.

وتبرر بعض الدوائر هذه المساعي بأن كل عمل فني، في النهاية كلمات تحمل رسائل ضمنية، لا بد من مراجعتها، ومواجهة السلبي منها لتجنب استخدامه في تكوين ثقافة أو توجه مناهض يمكن أن يضر بمصالح الدولة.

استمرار هاني شاكر على المنوال ذاته، وموافقته على أن يكون وصيا على الغناء، بذريعة حماية الأخلاق والذوق العام، يعني أن النقابات الفنية على أعتاب التحول إلى نقاط لمطاردة المبدعين، ومنع أعمالهم من أن تصل إلى الجمهور العام، فلا يمكن أن يكون دور نقابة المهن الموسيقية تحديد إطار عام لكلمات الأغنية، أو التدخل لوضع تصميم قانوني لشكل بدلة الرقص، فمهمتها أكبر من ذلك، ودورها أن تسمح بالطرب والموسيقى والجمهور العام يختار ما يرضيه ويلفظ ما يراه بعيدا عنه، لأن شاكر أو غيره من المسؤولين لن يستطيعوا ممارسة دور الاحتكار.

12