هاني فحص يودع عالمنا بيد قابضة على جمرة الحرية وموقف أخلاقي لم يتزعزع

الجمعة 2014/09/19
لبنان والعالم العربي يخسران هاني فحص

لندن- رحل هاني فحص، فارس الكلمة وفارس الموقف، العلامة الذي مزج في شخصه بين الأديب بخياله الخصب وسعة اطلاعه وأريحيته، ورجل الدين برسالته وإنسانيته ونزاهته المطلقة. شخصية لبنانية استثنائية بأخلاقياتها الرفيعة ورحابتها الروحية والفكرية، تحدّر من سلالة الكبار الذين أنجبهم جبل عامل.

من رجال الدين القلائل الذين مزجوا الأدب بالعلم وبالأخلاق، مواقفه مشهود لها بالجرأة والشجاعة الأخلاقية، ناصر جميع المضطهدين عربا وكردا وعجما، وانخرط في صفوف المدافعين عن القضية الفلسطينية، ناصر الضعفاء والمظلومين وقارع بكلمته الحرة وقلمه الشجاع الطغاة والمتحالفين معهم.

آمن بالمقاومة لاستعادة الحق، وعندما ضلت البندقية طريقها وقف لها بالمرصاد. عاداه حزب الله من قبل حتى أن تندلع الثورة السورية ويتورط فيها “الحزب الإلهي”، وعندما وقع زلزال الحرية في سوريا أنشد لدمشق الأحرار، وأعلن انحيازه لثورة الحرية والكرامة. اعتبر دمشق عاصمة المظلومين، وشعبها أهله، واعتبر بندقية حزب الله في سوريا ضدّ شعبها سقطة أخلاقية وخيانة للأمانة.

كان آخر ما كتبه العلامة هاني فحص هذا العام رسالة موجهة إلى “الأخوة في حزب الله.. قد عرفنا قوتكم عياناً وبالملموس. وأردنا لها أن تتزين أو تتحصن بالعقل الذي يحرر فيتحرر، فإذا بها تصرّ على تحويل الحرية إلى ما يشبه القيد، عندما تخصص ذاتها بالثمرة وتصر على انتقاص حق الشركاء أو حرمانهم من حرياتهم، بالاستقواء على البعض واستتباع البعض، وتهز أعطافها، وتذهب في عُجب وتحديق نرجسي، في الزناد والزنود”.

من أبرز كتبه “ماض لا يمضي”، و”ذكريات ومكونات عراقية” و”الشيعة والدولة في لبنان” و”خطاب القلب”. “العرب” تعزي لحظة العقلوالقلب بغيابه، وتعزي الأجيال الطالعة التي ارتبط بأحلامها وتطلعاتها السيد الراحل، و”علامتنا الوحيد”. كما هتف غير أديب وشاعر ومفكر في لبنان وسوريا، ممن أصيبوا بفقدان هاني فحص.هنا شعراء وكتاب ومثقفون عرب يقفون بجوار اسمه في تلويحة الوداع.


رشيد الخيُّون:

هاني فحص وعن يساره الشيخ سارية الرفاعي والشاعر نوري الجراح وعن يمينه الفنان سميح شقير في افتتاح المؤتمر الفكري السوري نصرة لانتفاضة السوريين في القاهرة 2012

عمامة من نوع آخر


أرى العمائم نوعين؛ نوع يشبه سمك القرش، يبتلع ما يقدر عليه، مستغلا عقول البسطاء، فراية الله وكتابه في يده، لا ينطق عن الهوى في ما يتحدث عنه، والناس لديه مشروع تجارة وسياسة، يراهم جنودا مجندة له. النوع الآخر عِمامة العلامة هاني فحص ومثاله يشبه الدَّلافين، تراها بانتظار الغرقى عند سواحل البحار وأعماقها، تؤنسهم بحركاتها، وأن رؤيتها علامة على الأمان.

عرفتُ العلامة هاني فحص فقيها وأديبا، لكنه ليس ككل الفقهاء، يبحث عن المناطق الحرة التي يلتقي فيها النَّاس خارج المؤثرات الأيديولوجية، ويُضفي وجوده، في جلسة أو احتفال، جوا من الشفافية لا ترى الناس فيه غرباء. يبحث عن اللقاء في تضامن مع أهل دين أو مذهب أو حتى حزب، لكنه يرى أن العمائم، على اختلاف مذاهبها، بعد أن اُحتكرت لرجال الدِّين كزي رسمي، يتلوث نسيجها في الحزب والعقيدة السياسية، فظل محافظا على عمامته من تلك اللوثة.

كان شجاعا في خطابه، عندما يتطلب الأمر موقفا صريحا في ما يفعله الإسلام السياسي، وما يمنع من تحرر الناس من قيودهم، وكان دقيقا في ما يقول ويكتب عن الطائفية التي يراها كشرت عن أنيابها، وهي عنده ليست مقيدة في مذهب دون آخر. قرأتُ له وسمعتُ منه، ولشغفي به واجلالي له أخذت أبحث عنه، حتى التقيته فوجدت عِمامته ظلا في هذا الهجير، فقلت له ممازحا، وكثيرا ما أجده يخفف شدة الجدل بمزحة: إياك تخلعها! فردّ عليّ: هم يتمنون ذلك، كي يجعلوني خصما مارقا! أستعير من محمد مهدي الجواهري في ما فقدناه من لسان وقلم هاني فحص ضدّ الطائفيين القتلة: “أوسعتهم قارصات النّقد لاذعة/ وقلت فيهم قولا صادقا عجبا”.


* باحث من العراق


يحيى العريضي:

حبيب المستضعفين


قبل أعوام ودّعنا الأقرب والأحب إلى قلبه -الشيخ الجليل محمد مهدي شمس الدين- واليوم نودعه.. إنه صوت الحق ونصيره، إنه حبيب المستضعفين وحبيب الله، صاحب التاريخ السياسي الذي لا تشوبه شائبة، وأحد فرص خلاص لبنان، إنه العلامة هاني فحص الذي دوّى صوته بالحق عندما صمت الكثيرون. هو من مدّ الجسور عندما كان حزب الله يحرقها. هو من دعا وعمل على وحدة الحال عندما استثمر حزب الله في الخوف والحقد مختطفا أهله في لبنان ومجيّشا إياهم في حالة ريعية عماها المال الإيراني في عزلة “الغيتو” على الطريقة اليهودية.

لقد كان الصوت الأقوى في نفوس وعقول المستضعفين وذوي الضمائر الحية عندما رفض احتكار حزب الله للحق الحصري في التحدث باسم شيعة لبنان ورفض قمع الحزب لكل من يرفض هذا الاستحواذ القسري. هو الذي قال إن كان لا بد لإيران من دور في لبنان فإننا نرفض أن يتحوّل إلى نفوذ. هو الذي رأى في “النظام السوري” مجلبة للعار بقتل شعبه.. نظام يرى أن الاستبداد أضمن من الحرية. إنه الذي دعا نظام الاستبداد إلى التوقف عن الفتك بالوطن والمواطن السوري. وداعا أبا الحسن كنت الكبير وستبقى.


* كاتب من سوريا


ناصر العايد:

هاني فحص كان مشغول بالنقد العميق والجدي وليس بالعداوة والقسوة

الرجل الحكيم يتوارى


إنه ليس رجل دين، بل مثقف ومفكر كبير، منحه نقاؤه هالة روحية شفافة. مستقيم ولا يخلط السم بالدسم، قال لي حين سألته عن الحكم الفقهي لتدخل حزب الله في سوريا: “الحكم الفقهي! أيّ حكم فقهي؟ نحن الفقهاء ندير الحكم على هوانا وهوى حكامنا، ونحوّل الرذائل الطائفية إلى مقدسات. وما كان حراما هنا نجعله حلالا هناك أو واجبا. أنا لا أريد أن أدخل إلى الحدث من المدخل الفقهي، بل من المدخل القانوني، لأنه انتهاك لسيادة سوريا لصالح نظام انتهك سيادة لبنان دائما. لا أريد أن أؤصّل فقهيا أمورا كالديمقراطية أو الدولة المدنية، ويمكن أن أجد لها أصلا. ولكن فقيها آخر، أقوى مني أو أفقه أو أغنى أو من حزب قوي، يجد أصلا للدولة الاستبدادية. ويبقى الالتباس بين الحق والباطل قائما ومن دون حل. أنا مرجعيتي مختلفة، وليس في الدين الإسلامي وصف للدولة. الدولة من ضرورات المجتمع، والقانون هو قوام الدولة. قانونيا تدخُّل حزب الله في سوريا سواء كان شيعيا أو سنيا ليس قانونيا. أما الحرام والحلال فأمر يمكن اللعب عليه دائما، وكما حصل دائما”.

وحين سألته إن كانت لديه مخاوف من الاغتيال أو التصفية، من طرف حزب الله، صاحب الباع الطويل في هذا المنهج مع خصومه ومخالفيه الفكريين والسياسيين، ردّ: “كل الإسلاميين أو الإسلامويين أو حملة السلاح والإسلام السياسي يمارسون الإعدام من دون مرجع شرعي أو قانوني، ويأخذون حقوقهم المدّعاة أو الباطل بأيديهم، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا تحت سقف القانون والحق في الحرية والتعبير والحق في ارتكاب الخطإ والمعصية تحت طائلة المحاسبة بمعناها الشرعي والقانوني المسؤول. أنا لا أقول بأني لا أخاف، ولكني عاقل وخوفي خوف العقلاء وليس جزعا أو رهابا، وأنا حذر جدا، ومشغول بالنقد العميق والجدي وليس بالعداوة والقسوة، ولا أعتقد بأن حزب الله قد وصل إلى حدّ الاضطرار لتهديد أمثالي، غير أن هناك سفهاء يمكن أن يرتكبوا الحماقة، وحزب الله مضطر أن يغطيهم ويبرر لهم، لأنه، في حالة الفتنة، بحاجة إلى السفهاء أكثر من العقلاء. وفي الوقت المناسب، سوف نتوارى لنستمر في موقفنا”.

في حياتي تعرفت على رجلي دين، من الضفاف الأخرى كما يمكن أن يقال، وأحببتهما بصدق، لكنهما كانا شجرتين وحيدتين هناك، لم يصبحا غابة، وها إن الضفاف الأخرى تبدو لذاتي عارية جرداء، بعد غياب الأب باولو في عتمة المجهول، فيما هو يبحث عن أنوار الحقيقة ويصنعها، وها هو الرجل الحكيم هاني فحص يتوارى، فيما يتكاثر السفهاء كالبقول.. إنه ليس الوقت المناسب يا سيّد.


* كاتب من سوريا


عناية جابر:

ابتسامته المحيرة


لم يكن يصافحني لكن قلبه كان يهجم ويلامس حضوري في المكتب حيث يأتينا زائرا، متواضعا يدّعي أنه أتى لاستزادة في الشعر والمعرفة ويبتسم ابتسامته المُحيّرة التي تستفزني، الأمر الذي كان يروق له. كان يقرأ قصائدي ويستمع إلى صوتي في حفلات أقيمها هنا وهناك فأعجب العجب الذي نعجبه حيال ظواهر لا تنتمي إلى ما عرفناه وسمعناه. واثقة أنه كان يتشهى أن يعيش بعد ذلك، ثمة مشاريع كتاباته التي كان يُحدّثني عنها، لكنه رحل! عليّ أن أقبل خسارتي في أديب كبير ورجل ما انفك يسأل ويبحث، في المسلمات أيضا.


* شاعرة من لبنان


الهادي غيلوفي:


كان مثال العالم الفاضل والأديب المتقد والباحث العميق في قضايا الدين والوطن والحوار

خسارة للجميع


خسرت الأمة العربية الخميس 18 /9 /2014 علما من أعلامها وهو الشيخ هاني فحص العالم والشيخ والشاعر اللبناني وهو يمثل التيار المعتدل والخط العروبي لدى الشيعة اللبنانيين.

وقد دفع ثمن مواقفه هذه الكثير وآخرها موقفه من تدخل حزب الله في الأزمة السورية فقد كان شوكة أمام الطائفية ووقف في وجه التيار الذي يريد استثمار الشيعة العرب في الصراعات الإقليمية ودافع عن خط عروبي يقول إن الشيعة هم عرب وليس من حق أحد أن يجتثهم من بيئتهم ويجعلهم في خدمة إيران تحت مسمى ولاية الفقيه الإيرانية وكان موقفه الأخير يحذر من ردود الفعل من المقلب الآخر أي التطرف السني التكفيري وما ظهور داعش وغيرها من التعبيرات العنيفة إلا وجه من وجوه الشحن الطائفي ضد الشيعة المتأتي بالدرجة الأولى من التدخل الإيراني الذي أقحم حزب الله في حرب قذرة فبدل الوقوف على الحياد أو مناصرة الشعب السوري تدخل حزب الله لقمع السوريين تحت راية.. يا علي.. يا حسين.. مما ساهم في توسيع الشرخ.

هذا الموقف عبّر لي عنه في آخر لقاء جمعنا في مدينة مراكش ضمن مؤتمر حول “الخطاب الديني: إشكالياته وتحديات التجديد”، والذي قدم فيه ورقة مميزة نالت إعجاب جل الحاضرين حتى أن البعض تساءل هل هذا الخطاب يمكن أن يصدر عن شيخ شيعي. فالسيد هاني فحص إلى جانب أنه عالم دين فهو شاعر لديه العديد من الإسهامات ويعتبره البعض من المتحاملين عليه شيخا علمانيا ويصل البعض إلى نعته بأنه شيخ بعثي لحبه الكبير للعراق وللعروبة ولأنه لم يقف في الصف الإيراني خلال حربها مع العراق.

اليوم يودّع لبنان والأمة العربية شيخا مستنيرا حارب الطائفية وحاربه مستثمروها وحاصروه وكالوا له شتى التهم لكنه لم يتراجع وبقي صامدا، لقد شكلت وفاته خسارة للجميع وللتيار المدني في لبنان والعالم العربي.


* باحث وأكاديمي من تونس


نسرين بلوط:

حب الله وحب الإنسان


حين تنهال النصوص رذاذا في قلب الورق. مترنمة بالحب الصوفي وبعرق الكادحين والفقراء وبابتهالات تصدح بها حنجرة طرية تخشى من عظمة الرحمن. وتعرج على الأرق الاجتماعي والفلسفي وتتأمل ريح المسافات. وتأبى التملق والتسلق على أكتاف الغير. فهي نصوص عملاقة ترقى إلى هامات الغيوم ونصاعة بياضها الثلجي.

هاني فحص كاتب عرّج على مفارق البين وتنهيدات الأرواح الحائرة وضمّ لمملكته حب الله ليمزجه مع حب الإنسان. آمن بأن للقدر الإلهي هباته ومواسمه فابتسم لكل فصول الحياة أحيانا بنظرة واهية من آلام الغير وأحيانا أخرى ببسمة متوارية وراء غلالة من الأمل.

سعى إلى الاعتدال كما سعى إلى أن ينضح فكره بكل ما يزكيه في إيمانه حبا وشعرا وتقربا إلى الله. لم يكن رجلا كغيره من الرجال. وربما سعى هو نفسه إلى ذلك من دون أن يدري بعد أن جعل فلسفته وكتابته وأفكاره وأحلامه تدور حول هالة من الإيمان الشجي الذي يسطع من الروح وليس من تكديس أوراق التحريم والتحليل.

لقد سبر غور الكون بتلك الابتسامة التي لم تفارق محياه وهو يتبادل في مآدب الرحمة كؤوس المحبة ويقحم الظلمة في النفوس الضعيفة ليشعل فيها بعضا من بريق روحه. هناك حكاية عشق طويل تظلل دربه مع الجنوب. الجنوب الذي منحه صموده المزيد من الإيمان وثباته المزيد من الصبر وعنفوانه المزيد من الشغف. تلك الحكاية الجنوبية حكايته التي تمرغ قلبه فيها حتى وافته المنية وهو يزداد تيها في عشقه ويزداد عطشا لرحيقه. رحم الله السيد هاني فحص الذي عاش في النور ومات في ظل الحق حتى يقتات جسده كما اقتاتت روحه من رحمة الرحمن ومن حكاية عمر له في آخرته بقية.


* شاعرة من لبنان


باسم فرات:

هاني فحص كان الصوت الأقوى في نفوس وعقول المستضعفين

رجل في أمة


مات هاني فحص، يا لها من جملة قاسية، الرجل الذي كان يردّد أن “العراق وطني ولبنان بلدي، حافظوا على وحدته وتراثه وتاريخه ومنجزه فهو ليس لكم فقط، بل لنا جميعا”، كما ذكر مَن التقاه من العراقيين.

في خضم التطرف الطائفي كان هاني فحص رمزا حقيقيّا للوسطية والاعتدال، مؤمنا بالتنوع وحق الآخر بالاختلاف، لم يقف مع أنظمة حتى رحيله بل كان مع الشعوب في حقها بالكرامة والتداول السلمي للسلطة والحياة الكريمة.

كعراقي كنتُ أرى في الراحل شخصية يمكن أن ينطبق عليه القول المأثور “رجلٌ في أمة” فعمامته السوداء كانت مع لبنان وليس مع فئة ضدّ بقية الفئات، وكان مع العراق الأمة والشعب والتاريخ والحضارة والتنوع، ضدّ جلاديه وطغاته وانتهازييه.

حينما كنت أقرأ له أو عنه، يحزنني أن هذه العمامة لا تكون غالبية في المنطقة، العمامة التي وصفها الباحث والعلامة أسد حيدر حين رفض أن يرتديها بـ”تاج رسول الله” هذا التاج الذي أساء له غالبية معتمريه، ليبقى هاني فحص مع ثلة يتيمة تعي خطورته فكانوا أهلا له، فهذا التاج- العمامة جحيمها يصيب الجميع حين تتحوّل بيد طاغية أو دكتاتور أو إلى سلطة تنطق بالحق بالإلهي من وجهة نظر معتمريها. هاني فحص أيّها الرجل- الأمة ما أحوج هذه الأمة إليك ،وهي ضحية طغاة ومعممين غمسوا تاج رسول الله بالدم والجريمة.


* شاعر من العراق


هيثم حسين:


يغيب القلم الرحب العطاء ولا تغيب، تمضي المواضي لكنك لن تمضي

صوت الضمير اللبنانيّ


لم ينطلق من مركزيّة طائفيّة أو دينيّة أو قوميّة ليناصر القضايا الإنسانيّة العادلة، لم يقف ضدّ رغبة الشعوب في تغيير مصيرها، والخروج من مستنقع الطغيان والاستبداد، قرن القول بالفعل في الوقوف في وجه الظلم والظلاميين، لم ينْسَق وراء العصبيّات الضيّقة، ظلّ الإنسان الحرّ، والباحث المتنوّر، ومارس أعظم أنواع الجهاد؛ المتمثّل في إدانة سلطان جائر، وهو يعلم مدى خبث النظام وأزلامه.

السيّد هاني فحص يظلّ علامة فارقة في الحوار المنشود بين الطوائف والأديان، وهو بحكم موقعه العلميّ والبحثيّ والدينيّ، يعتبر أحد أركان التلاقي وسط حقول الألغام الاجتماعيّة المتفشّية، والمتّسعة باطّراد بفعل تذكية النيران بناء على نزعات عصبويّة ومصالح سياسيّة آنيّة تتجاهل الحقائق التاريخيّة والمبادئ الإنسانيّة.

ساهم السيّد فحص بقسطه الحياتيّ والبحثيّ، ممارسة وتنظيرا، بتغيير النظرة الضيّقة وتبديد الاستعداء المتراكم بين “الإخوة الأعداء”، وبفضله لم يعد المشهد الإعلاميّ بوجود علّامة شيعيّ وسط معارضين سوريين في مؤتمرات للمعارضة هنا أو هناك غريبا أو مستغربا. كما أنّ ظهوره الإعلاميّ أكثر من مرّة للدفاع عن الثورة السوريّة وحقّ السوريّين في اختيار مستقبلهم بعيدا عن سلطة الإجرام والتدمير، أثبت أنّه لا يخشى في الحقّ لومة لائم طائفيّ أو عنصريّ أو متحزّب.

أقرّ السيّد فحص أكثر من مرّة أنّ دورة الاحتقان التي يمرّ بها لبنان تعتبر من أشدّ الدورات خطورة وعنفا، ولا سيّما أنّ زلزال الثورة السوريّة ألقى بظلاله على الأوضاع في لبنان، ناهيك عن الانقسام اللبنانيّ التاريخيّ، والشروخ التي خلّفتها الحروب الأهليّة المتعاقبة، ما فرض نوعا من التعاطي بين أبنائه، حيث التقوقع والاحتراس، إلى جانب تلغيم الكلام، وحتّى التحيّة والسلام.

أشار السيّد فحص إلى العلل والأدواء الطائفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، تحدّث عن اختلاف الأمزجة والحساسيّات المتباينة، وخطورة تنظيم الإرهاب باسم المقاومة والممانعة. بحيث أنّ تحريف المقاومة عن مسارها، وتجييرها في خدمة نظام يمارس إبادة بحقّ الشعب والبلد، يساهم في زيادة العنف وتأجيج نيران الثأر.

لم يرتكن السيّد فحص لمقولات وسمت/ وصمت سلوكيّات وممارسات عدد من اللبنانيّين، كتعبيرات من قبيل: “النأي بالنفس”، “مصادرة الطائفة”، “احتكار التمثيل”، بل واظب على التعبير عن رأيه الحرّ. أدان الانتهازيّة السياسيّة، وكتب وقال وكرّر بجرأة موقفه المعلن، فكان صوت الفئة التي يراد تهميشها وإسكاتها وفرض الوصاية عليها. وظلّ صوت الضمير اللبنانيّ الذي يرى الآخر أخا لا “جحيما” أو عدوّا.

لاشكّ أنّ الثورة السوريّة فقدت صوتا معتبرا برحيل العلّامة هاني فحص، وهو الذي ما فتئ يدعم نضال السوريين في التخلّص من الطغيان، ويبقى الأمل في أن تنتشر أفكار السيّد الإنسانيّة بين اللبنانيين، من مختلف الطوائف، بعيدا عن الانتهازيّات والعصبويّات، بغضّ النظر عن المصالح السياسيّة والافتئات الطائفيّ.


* كاتب من سوريا



أحمد برقاوي:

هاني فحص كان شجاعا في خطابه، عندما يتطلب الأمر

رحيل الأنا الحر


كتبنا حتى الآن عن عمائم ست، بروح الاحتفال بفكرها وسلوكها بعقلها وتحررها. كتبت عن الكواكبي وحلمه الإنساني، كتبت عن الزهراوي شهيد الحرية، وعن الأفغاني مصلحا دينيا وعن محمد عبده ودعوته لقلب السلطة الدينية وعن علي عبدالرازق ودعوته إلى الحكم المدني وعن القسام الفدائي الذي ضحى من أجل فلسطين.

وها أنا أكتب اليوم عن عمامة سابعة كانت عقلا نضرا وروحا سمحة وصوتا قويا في وجه الاستبداد وفي وجه كل من ناصره. أكتب عن هاني فحص وقد غادر الحياة تاركا خلفه قولا جميلا وموقفا أخلاقيا نبيلا.

هاني فحص هو القائل “المواطنة هي أن تتحول الأرض التي نقيم عليها إلى وطن الإنسان الذي يعيش فيها ويشارك في صوغ حياتها إلى مواطن يوثق هذا الواقع في دستور، تلك هي المواطنة أي مشاركة المواطن الأصيل في صنع القرارات مما يتيح له تكوين نظرة متوازنة إلى ذاته وبلده وشركائه في صفة المواطنة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات”.

هذا القول الفصل في المواطنة يظهر انتماء هاني إلى قيم الحرية والمساواة والحق، ولأنه على هذا النحو من الوضوح دافع عن الاختلاف ووقف ضدّ الفهم الأرسطي للهوية ناظرا إليها على أنها صيرورة، أليس هو القائل “البعر الواحد قاتل في الفرد والجماعة”.

يعرّف هاني نفسه بالقول: “أنا هاني فحص من قرية جبشيت في جنوب لبنان. لبناني مسلم عربي شيعي إنساني. الآخر ليس عابرا في وعيي وتكويني المختلف هو ساكن ومقيم في عقلي ومقيم في قلبي هو سؤال يلازمني يوميا، أن أتعرف إلى ذاتي وأن أفكك الصورة النمطية عن لذاتي عن ذاتي، وأؤهلها لأن تصبح شرطا للآخر فهذه هي الهوية المركبة وهذه هي مصدر الحيوية”.

هذه النظرة الفلسفية إلى المواطنة والاختلاف عبرت عن نفسها سلوكا عمليا، وموقفا مرافعا عن الربيع العربي وموقفا مؤيدا لثورة الشعب السوري وموقفا رافضا لطائفية حزب الله وسلاحه القاتل في سوريا. موقفا مع فلسطين وكفاح شعب فلسطين وموقفا مع الحوار وممارسة الحوار.

رحل هاني تاركا خلفه معنى أن تكون إنسانا وضميرا حيا وموقفا فلسفيا، نظريا وعمليا، مدافعا عن الحرية والتحرر والاختلاف ضد سكان الكهوف القتلة. رحل هاني وله في قلوب أهل الشام مكانة لا تزول.


* كاتب وشاعر من فلسطين


حسين الموزاني:

في خضم التطرف الطائفي كان هاني فحص رمزا حقيقيّا للوسطية والاعتدال

لسان الحق


رحل صاحب لسان ناطق بالحق، السيد هاني فحص، عن عالم اليوم الذي يكاد يختنق زيفا وكذبا. لن تكفي عدة سطور في وداع رجل ثوري لطالما كان شغله الشاغل أن ينصر المظلومين، دونما أن يُفكّر في مصالح مذهبية أو سياسية. لدرجة أنّ أنصار الظُّلّام، رعاة الطائفية في المنطقة، من المذهب الشيعي نفسه الذي ينتمي إليه السيد هاني فحص يحسبونه على الوهابية، وكان كل همهم أن يلفقوا الأكاذيب في حقّه. كيف لا، وهو من القلائل الذين استطاعوا بنفاذ بصيرتهم أن يفصلوا بين الثورة الإيرانية وبين النظام الإيراني المستبد، فدعم الثورة ضدّ الشاه ثم دعم الثورة الشعبية الخضراء في عام 2009. ويكفي ما تحمّله من مضايقات بسبب موقفه الداعم للثورة السورية، ورفعه الصوت عاليا، عندما طأطأ كثيرون رؤوسهم، في وجه حزب الله الذي دأب على زجّ الشيعة في الطرف الظالم من المعركة بين الأسد والشعب السوري. برحيل السيد هاني فحص، خسر التعايش في المنطقة واحدا من أبرز أركانه. أتأمل مُبشّري الشرخ في إيران وسوريا ولبنان وهم ينامون قريري الأعين اليوم، وأتمنى بكامل الحرقة ألا يستيقظوا أبدا.


* كاتب من العراق


مريم حيدري:

فريد بين الجميع


قلما أجد بين الشخصيات الدينية من يعجبني، فما عدا الدكتور علي شريعتي والذي يعتبر مصلحا دينيا، والذي تابعت كتاباته وأفكاره في سنيّ مراهقتي، وقلائل آخرين، وجدت في فكرهم الضوءَ، وبريق الحرية، والانفتاح، لم أنجذب لعلماء دين آخرين. وكان السيد هاني فحص فريدا بين الجميع. وأظن أن عددهم قليل جدا أولئك المتدينون الذين لا تقبل أرواحهم القيود، الذين يفقهون أن الجنة، وجهنم، توجدان هنا، في هذا العالم، فيتجنبون الجحيم الذي يرونه في هذا العالم، وفي أي مكان منه، ويشعرون به في قرارة أنفسهم بحسّهم الروحي العالي، ويسعون إلى تبديده، ويجهدون في بناء الجنة، لأنفسهم، وللآخرين. الجنة التي عرفوا دلالاتها الحقيقية، وأكبرها حرية الإنسان التي لم يعرف البشر قيمة أكبر منها. أدرك السيد هاني فحص السرّ هذا، وبات يبوح به، قولا، وعملا.

يحتاج المتدينُ لنور كبير في روحه ليدرك أنه حتى المظاهر الكبرى لمعتقداته، قد تكون طريقا صوب الجحيم، وكان لهاني فحص هذا النور الكبير، إذ يذكر في مقابلة له إنه حين وصل إلى النجف، وإلى الحوزة العلمية هناك، “أن هنا يمكن أيضا أن يكون طريقا نحو جهنم”. وبإمكاني أن أدرك كم من الشعور بالسعادة والانطلاق يمكن أن يعتري الشخص الحرّ، حين يبوح بما يؤمن به، ويُطرَد. ثم يرى أنه لا يحبه إلا الأحرار، دون أيّ نفاق، وأيّة شائبة. ولذلك كان يروقني دوما أن أرى مشاعري مطلقة، لأني أحب هذا الرجل الغريب، وروحه الحرّة، -ذلك أن الغربة، والحرية صفتان لكلّ مؤمن حقيقي-، وأشعر بالكبرياء لأن “روحي، عرفت روحه، فأرواح المؤمنين تألف بعضها”، كما قال صديقنا القديم قبل قرون “أويس القرني”.


* شاعرة من إيران


أحمد بيضون:

هاني فحص كان شوكة أمام الطائفية ووقف في وجه التيار الذي يريد استثمار الشيعة العرب في الصراعات الإقليمية

غياب عصيّ على التصديق


أقول صادقا أن غياب هاني فحص يبقى عَصِيّا، في شعوري، على التصديق… فمن يومِ أن عرفتُه، قبل عقود، يطغى على صورته، في خاطري، فيض الحيوية والحضور. وقد كانت حيويته وكان حضوره شهوة متّقدة لمعرفتك، إلى أيّ صنف من الناس انتميتَ، ومتّسَعا من النباهة والإقبال لا يضيق بك كائنا من كنتَ بل يستدرج منك النباهة والإقبال.


* مؤرخ وباحث وكاتب لبناني


نهلا سكر:

صوت الاعتدال


صوت من أصوات الاعتدال انضمّ إلى قافلة الراحلين، في زمن نحن بأمس الحاجة فيه إلى أصوات الاعتدال، في ظل الهجمة التكفيرية والتطرف المتنقل بين العواصم العربية والإسلامية، محاولا طمس حضارات بنيت بالعقول النيرة والسواعد المشرفة.. العلامة السيد هاني فحص في ذمة الله بعد صراع مع المرض، طاويا سنوات من النضال، ليرحل بصمت الكبار المتعالين عن نزوات الدنيا، وببصمات راسخة في العقول الممتدة من فلسطين إلى إيران، هو الذي رافق الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في سنوات النضال، ومن أوائل الداعمين للثورة الإيرانية قبل انطلاقها، متمردا على حكم الشاه، ليرافق عرفات على متن أول طائرة تحط في مطار طهران بعد الثورة الإيرانية.

لم تؤطر العمامة والعباءة مسيرة السيد هاني، بل كانت ممرّا لعبوره فوق عراقيل ومعوقات الطائفية والمذهبية، فتميز أديبا ومفكرا ومتبصرا، وحمل لواء الحوار الإسلامي- المسيحي في القلب كما العقل والفكر واللسان، حتى أنه لم يوفر جهدا للتقريب بين وجهات النظر بين الطائفتين. من عرفوا الرجل أجمعوا في غير مرة وغير مناسبة أنه لا يعرف مللا أو كللا، هو المتنقل بين العمل الحزبي ودوره البارز في المجتمع المدني، إلى التنظير.


* كاتبة من لبنان

14