هاني لاشين: مصر اليوم تقصي عباقرة الإبداع

مع مطلع العام الجديد فاجأ المخرج السينمائي المصري هاني لاشين، جمهوره بالعودة إليه من خلال تصوير وإخراج أغنية المطربة نجاة التي عادت هي الأخرى إلى محبيها، بعد انقطاع عن الغناء دام 15 سنة كاملة، لذلك كان من الأهمية بمكان أن تلتقي “العرب” لاشين ليجيب عن تساؤلات تتعلق بمحاولات هدم الهوية المصرية بشكل غير مباشر، من خلال إغراق الجمهور في سينما “البيزنس” وإفشاء الفن الرديء.
الأربعاء 2017/02/08
لاشين أعاد نجاة بالصوت

ارتبطت بدايات المخرج السينمائي المصري هاني لاشين بالفنان العالمي الراحل عمر الشريف الذي أعاده لاشين إلى السينما المصرية في مطلع ثمانينات القرن الماضي، بفيلمي “أيوب” عام 1983، و”الأراجوز” 1989، ثم عاد فكرر التجربة مرة أخرى مع نجاة، لتُطل على جمهورها بأغنية “كل الكلام” التي أخرجها تلفزيونيا من كلمات الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي وتلحين الأمير خالد بن فهد بن عبدالعزيز الشهير بطلال والتوزيع الموسيقي ليحيى الموجي.

السينما بالنسبة إلى لاشين ليست حرفة يقتات منها، بل رسالة كبيرة وأمر مقدس تشبه قدسيتها عنده الصلاة، لكنه يشترط “يجب أن لا تكون السينما متعالية على الجمهور، بل بسيطة مع احترام عقلية المشاهد والسعي للارتقاء به”. لا ينكر لاشين أن السينما لا تنفصل عن كونها تجارة وصناعة وفنا معا، إلا أن التجارة أصبحت حاليا هي السائدة، بدليل أن المحاولات الجادة التي بذلت لإصلاحها لم تلق أي نجاح جماهيري، بينما تحقق الأفلام المُسفة نجاحا منقطع النظير.

وهناك نوعية من الأفلام لا يستطيع المنتج الخاص -الباحث عن المال- التصدي لها، ومن ثم لا تنتشر طالما أن هناك غيابا واضحا من الدولة، ومثال على هذه الأفلام تلك التي تحمل القضايا والهموم المجتمعية والتي نادرا ما نجد منتجا يقبل عليها. ويؤكد أن ما يحدث في مصر الآن إقصاء لعباقرة الإبداع في السينما والتلفزيون لصالح الفن الرديء بحجة قديمة كاذبة، هي أن الجمهور “عايز كده”، (الجمهور يريد هذا) والادعاء بأن هذا هو حال مصر الآن، لكن الحقيقة أن هناك رغبة من البعض في إفساد الذوق العام وتغييب العقول، ويشدد “لا بد أن تعود قطاعات الإنتاج التابعة للدولة كقطاع الإنتاج وصوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي لتقديم الأعمال المميزة، لأنها هي التي تقود الوطن وتحافظ على قيم المجتمع”.

هاني لاشين: الممثل كالبيانو مكتمل النغمات، وعلى المخرج أن يعزف عليه أعذب الألحان

ورغم إعلان وزارة الثقافة المصرية مؤخرا إنشاءها صندوقا لدعم السينما، إلا أن هاني لاشين يجد ذلك مجرد تصريحات لا أساس لها على أرض الواقع، وهكذا فإن الدولة، من وجهة نظره، تركت الفنان وحده ليظل مهموما بمضمون ما سيقدمه وكيف سيقدمه. ويجد لاشين أن السينما العربية انحرفت منذ وقت طويل جدا عن المسار الطبيعي لها ولم تعد كما كانت من قبل، مرآة لما يحدث في الشارع العربي، ورغم ذلك “لا يمكن أن ننكر وجود جهود فردية تحاول أن تشكل تيارا مختلفا، سواء من مخرجين أو من البعض من المؤلفين الشبان”.

ولاشين منبهر جدا بمصر القديمة وتاريخها ويجد أنه يمكن صناعة عدد كبير من الأفلام عن الكثير من فتراتها التاريخية، ويحلم بأن يخرج إلى النور فيلمه “خوفو” المأخوذ عن رواية “عبث الأقدار” أولى روايات أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ والتي نشرت عام 1939، ويتمنى لو أنه وجد جهة إنتاجية تتبنى المشروع لتحويل الحلم إلى حقيقة. ويقول لـ”العرب”، “هو مشروع لعمل غنائي استعراضي بدأت في إعداده منذ عام 1990 وانتهيت قبل سنوات من كتابة السيناريو والحوار له، ويدور حول عبقرية بناء الجيش المصري والاعتماد في تكوينه على أبناء الشعب، وكيف قامت المؤسسة العسكرية المصرية منذ الآلاف من السنين على الكثير من القيم والمبادئ التي يحتاجها المجتمع الآن، ويتضمن الفيلم ثماني وعشرين أغنية قصيرة، كتبها الشاعر بهاء جاهين ولحنها الموسيقار الراحل محمد نوح قبل وفاته”، ويبدي لاشين دهشته من “لا مبالاة” المؤسسات في مصر بمشروع يراه هو أكبر من مجرد فيلم، بل “رسالة حضارية” إلى العالم.

ولدى لاشين مشروع فني آخر هو فيلم “العاشق” الذي يحكي قصة المؤرخ المصري الراحل جمال حمدان الذي يراه مثالا يُحتذى به، وقدوة لجيل جديد من الشباب لترسيخ الكثير من المبادئ المفقودة، وكتب المادة العلمية له اللواء عبدالمنعم حمدان شقيق الراحل، والسيناريو لهشام أبوسعدة، إلا أنه يقول “فوجئت عندما أعلنت عنه بأنه لا أحد يرغب في إنتاج مثل هذه النوعية من الأفلام”. عندما سألناه عن كيفية تعامله مع ممثليه، كانت لدى هاني لاشين وجهة نظر مختلفة في ما يتعلق بمنهجية التمثيل، حيث يرى أن الممثل هو آلة موسيقية مكتملة النغمات مثل البيانو، والممثل المكتمل النغمات يعزف عليه المخرج ليؤدي ألحانا جميلة، فيؤدي كلاهما الدور المنوط به على الشاشة.

ويتابع “المخرج عندما يجد ممثلا مكتمل الأدوات يستطيع أن يخرج منه أي شيء، أما إذا كان الممثل محدود الإمكانيات فنحن أمام إشكالية بالطبع”، ومنهج المخرج لاشين، هو ضرورة دراسة إمكانيات الممثل أولا للحكم على قدراته، وبناء على ذلك يوكل له حمل عبء عمل بأكمله، أو تجسيد شخصية وكفى. ويشبه لاشين الممثل وما يمتلكه من قدرات برافع الأثقال، فهناك من لديه القدرة على رفع ألف كيلوغرام، بينما آخرون لا يستطيعون حمل مئة، لذلك فإن المخرج يتحرك مع الممثل في حدود ما يستطيع تحمله.

لاشين أعاد عمر الشريف بالصوت والصورة

يؤكد لاشين لـ”العرب”، “إن الدخلاء على المجال الفني حاليا لا يختلفون كثيرا عن جمهورهم من حيث رداءة الفكر، أو انعدام الثقافة، وإن ما نراه نحن ضررا يرونه هم فائدة، وفي النهاية لا يصح غير الصحيح، فمثلا عندما شرعت في تصوير أغنية الفنانة نجاة، وجدت نفسي أمام مطربة حقيقية، وبالتالي فإن الناس تسعى لسماعها وليس الانشغال برؤيتها، عكس ما يحدث الآن من انعدام الموهبة عند الكثير من المغنيات، اللاتي يلجأن إلى الجسد لتفادي انعدام الموهبة”، ويقول “نحتاج إلى منظومة متكاملة وتوجه عام للقضاء على انحراف مسار الفن المصري”.

ولا يمانع لاشين في أن تتم الاستعانة أو عرض الأعمال الأجنبية في الدول العربية، سواء كانت عن طريق “الدوبلاج”، أو إعادة السيناريو وتعريبه، في حال ما إذا كان ذلك سيمثل إضافة للمجتمع، باعتبار أن الفن رسالة عالمية لا تتوقف على مجتمع بعينه، أما إذا كان الهدف من إذاعة هذه الأعمال هو التغييب والتسطيح، فإن ذلك مرفوض رفضا قاطعا لديه. يقول لاشين لـ”العرب”، “الفن بالنسبة إلي ‘حياء’، وليس كل ما في الواقع ينقل إلى الشاشة، ولكن ما يجب أن يُنقل هو الفكرة، حيث لا يجوز أن أقوم بتصوير سيدة تضع مولودها بحجة أن هذا هو الواقع، ومع ذلك يمكنني أن أنقل هذه الفكرة من خلف باب غرفة العمليات، وصوت طفل يبكي”.

ويبرر لاشين تجاربه السابقة في كتابة سيناريوهات البعض من أعماله مثل أفلام “ليه يا دنيا”، و”الأراجوز”، و”في العشق والسفر”، ومسلسل “باقي من الزمن ساعة”، بأن هناك البعض من الموضوعات شعر إزاءها بأنه لا أحد آخر يستطيع كتابتها مثله، ويضيف “في حين أن هناك أعمالا أخرى كان من الضروري أن يكتبها غيري، وقد أحتاج إلى شخص يشاركني الكتابة في موضوع ما، لذلك فإن الفيصل هو المشروع الذي أعمل عليه، وليس هذا تشكيكا في قدرات المؤلفين الجدد”.

ويرى لاشين في توجه نجوم السينما إلى الدراما التلفزيونية أمرا طبيعيا، لأن التمثيل هو مهنة الممثل، ولا يمكن وصف ذلك بالهجرة من السينما، لكن شريطة أن يحترم الفنان ذاته وتاريخه، وما قدمه من قبل وليس بحثا عن مكسب أو انتشار. والدراما التلفزيونية، في رأيه، رغم ما حدث فيها من تطور كبير في التقنيات، إلا أنها تعاني من تدهور في الأفكار، ويصف تناولها القضايا العربية الراهنة بـ”الحالة المأساوية”. وأخيرا، يرى هاني لاشين أن توجه مخرجي السينما إلى التلفزيون يعد مكسبا للتلفزيون، لأنه يسهم في تغيير الشكل التقليدي للدراما التلفزيونية.

16