هاني مظهر عراقي مبتكر أحوال وصانع صور

الأحد 2015/06/21
هاني مظهر الذي حمل إرثه الجمالي بين المدن

رغم أنه عاش الجزء الأكبر من حياته خارج العراق فإنه لا يزال يجد متعة كبيرة في أن يمد يده ليلتقط من بين صفحات معجم الجمال الرافديني المفردة التي يشعر أن جزءا من سطح لوحته كان موجودا من أجلها.

علاقته التلذذية بالمفردات التي يستلهمها من تراث بلاده الجمالي لا يمكن أن تنسب إلى النوع العقائدي السائد في التعامل مع ذلك التراث فنيا. فرغبة الرسم لديه تسبق كل رغبة أخرى، بالرغم من أنه ينتمي إلى القلة المفكرة من الرسامين العراقيين.

لقد علّمته تجربته المبكرة في الانتقال من بلد إلى آخر أن الرسم هو ضمانته الوحيدة في الحياة، لذلك عمل على ألاّ يبقي الرسم في منأى عن طريقته في التفكير. التفكير في الحياة كما التفكير في الفن وهو ما حصّنه بالمعرفة، الأمر الذي دفعه إلى أن يضع موهبته على ميزان، طرفاه الحرفة (الإتقان) والخيال، وهاجسه في ذلك الابتعاد قدر ما يستطيع عن الوصفات الجاهزة والقوالب التي سقط فيها الكثير من الجهد الفني العربي.

هاني مظهر عاش مستقلا ووجد في الفن التعبير الأمثل عن حريته التي لم يخذلها، حين نأى بها عن كل ما يمكن أن يلحق بها الضرر، وهو ما حمى لوحته من أن تكون ناقلة أفكار أو تعبيرا عن فكرة طارئة، فكان أن أخلصت لوجودها كيانا جماليا خالصا.

ولأن هاني إنساني في نزعته الجمالية فقد ارتقى بفنه بعيدا عن المضاربات العقائدية، وهو ما يخشى القيام به الكثيرون. هل وصف نفسه بالعنيد؟ نعم كان الرجل عنيدا.

المقيم بين لحظتين

ولد هاني مظهر عام 1955. أنهى دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1976 بعدها خدم في التعليم لسنتين ثم غادر العراق عام 1978 إلى المغرب ومن بعدها إلى الكويت التي قضى فيها وقتا طويلا، حيث عمل في صحافتها وكانت علاقته بالرسام الفلسطيني ناجي العلي مثار اهتمامنا في بغداد. عام 1990 غادر الكويت إلى لندن ليستقر فيها.

ولأن هاني، حين يلتفت إلى الماضي يوزع حياته بين محطات هجرته فإنه يقف أما لحظتين فارقتين. لحظة لندن عام 1990 ولحظة طوكيو عام 2002. في اللحظة الأولى تمكن من أن يكون رسّاما خالصا، من غير التزامات وظيفية، تكبّله بها ضرورة العيش كما أن لندن أهدته فرصة الاطلاع على الأعمال الأصلية للفنانين العظام في الناشيونال غاليري على سبيل المثال، أما اللحظة الثانية فقد انتقلت به إلى مفهوم الجمال الخالص، وهو المفهوم الذي كان يلحّ عليه في ماضي أيامه، من غير أن يتمكن من الامساك بعناصره بطريقة واثقة، كان الفنان وفيا للحظة العيش، وهي نعمة ستفتح أمامه دائما أبواب التعلم.

تجربته المبكرة في الانتقال من بلد إلى آخر تجعل الرسم ضمانته الوحيدة في الحياة، لذلك عمل هاني مظهر على أن لا يبقي الرسم في منأى عن طريقته في التفكير. التفكير في الحياة كما التفكير في الفن وهو ما حصنه بالمعرفة

يعترف أنه تعلم من اليابانيين الشيء الكثير. ومَن لم يتعلم من اليابانيين إن وهب فرصة اكتشافهم؟ لقد أسندت تجربته اليابانية قناعاته الأولى وانفتحت بها على الطبيعة، وهي العنصر الذي كان مهتمّا به من خلال الدراسة فقط. أعادته تجربته اليابانية إلى أسئلته التي تتعلق بوظيفة الرسم، بمصيره، بمصير الذاهبين إليه شغفا. وهو أمر يتعلق جوهريا بمصير اللوحة. وهنا بالضبط وضع هاني يده على المنطقة الحرجة التي تقيم فيها الثقافة العربية. انفصالها عن الحياة. “نحن نعيش انفصالا لغويا” يقول.

اليائس في الحياة، المتفائل في الرسم

“إنك كمن يؤذّن في مالطا” كتب إليّ ذات مرة تعليقا على عدد من المقالات التي كنت قد كتبتها في وصف رثاثة المشهد الفني في العالم العربي. يمكنها أن تكون جملة حزينة، غير أنها أضحكتني. ذلك لأنها تعبر عن فكر ثاقب هو وليد تجربة ضنى في عالم عربي لم يعد قادرا على استعمال حواسه المباشرة. من خلال تلك الجملة وضع هاني مظهر خلاصة تجربته في خدمتي. أكان يائسا؟ لنذهب إلى رسومه.

ما من شيء في ما يرسمه هذا الفنان السعيد يدعو إلى التشاؤم. في لوحاته عن الأندلس لم يكن نادبا، لم يكن البكاء وسيلته، بل إنه وجد في ثمرة شجرة الرمان رمزا لخلود غرناطة، فكانت نزهته في قصر الحمراء مناسبة لاختراق الحدود بين المدارس والأساليب الفنية. فكان واقعيا بما لا تقبله التعبيرية وكان تعبيريا بما ترفضه الواقعية، غير أنه أيضا لم يخف في تجربة أخرى انهماكه في التجريب التجريدي.

يقول هاني “ليس الموضوع سوى ذريعة أو حجّة أو مفتاح للدخول إلى عالم اللوحة” وهو قول صحيح. ذلك لأن الموضوع زائل أما اللوحة فهي ما يبقى. في لوحات هاني مظهر ما من شيء مؤكد ليمسك منفصلا عن سواه. جمالية يده لا تريد أن تقول شيئا مؤكدا. إنها جمالية مطلقة. جمالية تقول الشيء وأضداده في الوقت نفسه، ذلك لأنها تصنع انسجامها على أساس التضاد.

هذا رسام يعترف بأنه يمكن أن يكون عدو نفسه لو أنه استجاب للوصفة الجاهزة. إنه محارب من أجل أن يكون الجمال خالصا. ولكن الوجوه الغامضة لا تزال تسلّيه كما لو أنها علامته التي لا يستطيع الاستغناء عنها. وجوه تكاد تكون رمزية، من جهة كونها لا تشير إلى شخص بعينه.

الوجوه الغامضة علامة هاني مظهر التي لا يستطيع الاستغناء عنها

لحظة النظر

“لقد تعلمت رسم الوجوه منذ الطفولة” يقول هاني مظهر. في طفولته كان رساما ينافس سواه من الأطفال في رسم وجوه أبطال السينما الماثلة في ملصقات الأمثال. سيكون عليه في ما بعد أن يخترع ممثليه. ولكن العالم تبدل، فصار عليه أن يقترح صورا لنساء، هن في حقيقتهن مزيج مما يتذكره الرسام ومما يراه في حياته اليومية.

سيحرص على ألاّ ينفصل عن ذاكرته الشخصية، وهي ذاكرة لا تقتصر على المرئيات، باعتبار أن رساما هو حاملها، بل تشتمل على الأصوات، وهو ما تعبر عنها المساحات اللونية المجردة التي غالبا ما لا تخلو منها رسوم هاني مظهر. وهي رسوم لا تهتم كثيرا بوحدة الشكل، بل يعمد رسّامها إلى تفكيك وحداتها، رغبة منه في أن يجمع المرئي بالمتخيل، الواقع المعيش بالفكرة المجردة، وهو ما أكسب تلك الرسوم طابعا متشنّجا، جعلها قادرة على أن تفاجئ متلقيها بجمال مقلق، كلما نظر إليها من جديد.

بالرغم من أن هاني مظهر يعتبر نفسه بالدرجة الأساس صانع صور (تعريف يكاد يكون الأعمق لوظيفة الرسام) فإن رسومه في الوقت نفسه تمارس تأثيرها، من جهة قدرتها على أن تلهم المتلقي أفكارا.

فمن خلال ما يقوم به الرسام من عمليات تفكيك وإعادة تركيب للبنى الشكلية فإن هناك أفكارا، لم تكن جاهزة قبل تلك العمليات تنبعث لتنتقل بالمتلقي من وضع المشاهدة السلبية إلى حالة من التأمل المتسائل.

غير أن هاني وقد اشتبكت في شخصيته نزعتا الفن والفكر يميل في النهاية إلى نصرة الفن من خلال تحكمه بالطبيعة التي يتخذها الفكر، وهي طبيعة غالبا ما تكون جمالية. سيكون علينا دائما أن ننظر إلى أعمال هذا الفنان من جهة كونها تمثل خبرتين نضرتين يجمع بينهما ترف الجمال الذي لا ينجح دائما في إخفاء شقائه. كل لوحة من هاني مظهر هي فضاء تخيّلي تقيم فيه كائنات استعارها الرسام من الواقع المطلق، لا ليعيدها إليه مثلما كانت، بل بمثل ما صارت عليه، هو مبتكر أحوال مثلما هو صانع صور.

10