"هاوية تشيرنوبل" رجل إطفاء يواجه أكبر كارثة نووية هزت العالم

يوميات مشحونة وتضحيات إنسانية مؤلمة.
الأحد 2021/06/20
صراع إنساني ضد الكوارث

ربما قرأ أغلبنا مقالات متفرقة أو شاهد صورا أو أفلاما وثائقية عن كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت في أبريل 1986 قرب مدينة بريبيات شمال أوكرانيا السوفييتية سابقا وصنفت كأكبر كارثة نووية، لكن لم تتناول الأفلام الروائية هذه الكارثة بالشكل المطلوب لتقدمها في ثوبها الدرامي الإنساني الذي تستحقه كما يقدمها فيلم “هاوية تشيرنوبل”.

للهاوية الحارقة امتداد لا نهائي يتجلى على الشاشة للوهلة الأولى مثل حريق عادي يستنهض همم رجال المطافئ لكي ينهوا المهمة ويعيدوا كل شيء إلى نصابه ثم يعودوا إلى أماكنهم بسلام.

ذلك هو المشهد النهائي لهذه الهاوية السحيقة لمفاعل تشيرنوبل وقد التهمته النيران وجعلت المفاعل العملاق يلفظ إشعاعه المدمر وهو يخترق أجساد البشر الواهنة، وكما يقدمها فيلم “هاوية تشيرنوبل” للمخرج والممثل الروسي دانيلا كوزلوفيسكي الذي سوف يرسم مسارا للعودة ليس كما يمكن أن نتصور، عودة ليس فيها سلام ولن تخلو من أشباح الخراب النووي والموت العاصف الذي يجعل الكائن هشا وعاجزا.

واقعية روسية

الفيلم يعطي مساحة للحلول الإخراجية المميزة سواء لجهة السيطرة على الحشود أو المزج بين الوثائقي والروائي

الممثل الرئيس وهو نفسه المخرج بدور أليكسي سوف يعيش يومياته كرجل إطفاء قبيل وقوع الكارثة، وتشاء الأقدار أن يلتقي طليقته وحبيبته السابقة أولغا (الممثلة أوكسانا أكينشينا)، كلاهما يحسب أنه رحل إلى كييف، وكلاهما يختزن ماضيا للآخر يزداد جذوة مع تعرف أليكسي على أليكسي الصغير الذي سوف يحبه بشدة ويرعاه.

وكأن تلك العلاقة الإنسانية التي لا تريد أن تتجذر ما هي إلا تمهيد لكارثة كبرى سوف تعصف بالجميع ولا يمكن تصور أبعادها، ولهذا تبقى لقاءات أولغا وأليكسي متحفظة وحواراتهما مقتضبة وأولغا نفسها لا يشغلها سوى رعاية ابنها والاهتمام بشؤونه، ولهذا لن تستجيب لأليكسي بالعيش مجددا معا.

اليوميات الأكثر واقعية في هذا الفيلم إنما تعيدنا إلى الواقعية الروسية الرصينة والأكثر تشبثا بالحياة البشرية وبطبائع الناس، وذلك ما يميز هذا الفيلم بحواراته المكتوبة بعناية وبالموسيقى التصويرية المتقنة والمحسوبة فواصلها ومقاطعها بشكل دقيق، بما يجعلها جزءا أساسيا من المسار الفيلمي برمته.

ويعلم فريق عمل الفيلم أن قصة تشيرنوبل التي هزت العالم كثيرا ما تم تناولها في وثائقيات وحلقات تلفزيونية، لكنها هذه المرة حاضرة في فيلم روائي طويل مليء بالتحدي.

صورة المرأة المكافحة ممثلة بشخصية أولغا سرعان ما سوف تصطدم بتغيرات المجتمع الروسي أو السوفييتي سابقا في منتصف الثماينينات من القرن الماضي، حيث بدأ تفكك الاتحاد السوفييتي إبان حكم بطل البيروسترويكا ميخائيل غورباتشوف، تلك الصورة الإشكالية لمجتمع فيه علل شتى سوف تتجسم بعد وقوع الكارثة والتي لم يكن السكان العاديون يتوقعون إلا أنها مجرد حريق تحت السيطرة.

حياة الرفاق الثوريين سوف تتجلى في توجيه رجال الإطفاء إلى مهام اللاعودة، وحيث أن الرفيق الروسي المسؤول يستلهم مبادئ الثورة الروسية من أجل أن يقوم رجال الإطفاء بمهام انتحارية لفتح الصمامات في قلب محرك المفاعل المحترق.

في موازاة ذلك حفل الفيلم بمسار سردي مواز حمل مواقف ومشاعر إنسانية عميقة وكشفت عن خميرة مجتمع من صغار الموظفين وغالبيتهم إما عمال صغار وكسبة أو عاملون بالمفاعل وسواء بالدائرة المحيطة بأولغا أو المحيطة بأليكسي، كلهم يعيشون المعاناة نفسها.

التكفير عن الذنب

مهمة انتحارية
مهمة انتحارية 

يتفقد أليكسي بشكل غير منقطع زملاءه الإطفائيين لاسيما وأنه مفارقهم للذهاب إلى كييف من أجل أولغا وابنها، حيث يحتفون جميعا بهم، ثم يقع الانفجار غير المتوقع وحيث هو يسير بسيارته فيما كانت الطيور تتساقط من حوله من فرط الإشعاع ومظاهر الهلع تعصف بالجميع، لكن ها هو يترك فكرة الذهاب إلى كييف ويقرر الالتحاق بالإطفائيين في المفاعل.

مشاهد المستشفيات المكتضة وكارثة التسرب الإشعاعي تبدو كارثية وتبدو التجهيزات بائسة ومتواضعة فيما أليكسي يكافح من أجل إنقاذ زملائه والذهاب في مهمة جديدة شديدة الخطورة، حيث يعده الرفيق مسؤول الموقع بأنه إن أصيب فسوف يتم نقله إلى سويسرا لغرض العلاج، لكنه يطلب أن يتم إرسال أليكسي الصغير للعلاج بدلا عنه.

هذا التحول الدرامي كان مؤثرا بحق ومثل خطا وجدانيا وإنسانيا عميقا في مواجهة الكارثة، حيث يثبت أليكسي لأولغا عمق ذاته والتضحية والمجازفة بنفسه من أجل إنقاذ ذلك الصغير.

يعطي الفيلم مساحة للحلول الإخراجية المميزة سواء لجهة السيطرة على الحشود أو المزج بين ما هو وثائقي وروائي أو لجهة الموازنة بين خطي الكارثة والحياة الإنسانية التي تسير يهدوء في تلك الأرض التي وقعت فيها الكارثة.

عمد المخرج خلال ذلك إلى التركيز على ما هو إنساني أكثر مما هو شكلي وعاطفي، فلم يقدم بطولات فردية مذهلة واستعراض عضلات بل قدم شخصيات تضحي بنفسها من أجل إنقاذ الآخرين وخاصة أليكسي الذي لم يكن مطلوبا منه أن يفدي أي أحد ولا أن ينقذ أحدا ولا أن يقدم حياة الطفل بدل حياته.

وعلى الجهة الأخرى فإذا نظرنا إلى علاقة اليكسي بأولغا فقد اشتغل السرد الفيلمي على عنصري الذات الوحيدة المأزومة وهي أولغا في مقابل الذي يريد أن يكفر عن أخطائه وأنه إنسان آخر غير اللاهي والعبثي الذي بقي في عقل أولغا، بل وأكثر من ذلك أن يخلص ابنها من محنته.

وأما على صعيد المكان الذي شهد الأحداث فمعلوم أن الفيلم تم تصويره بين موسكو وبودابيست، وتم بناء حوض مياه شبيه بالذي في قاعدة المفاعل حيث ذهب رجال الإطفاء في مهمة شبه انتحارية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن أليكسي سوف يكون في مقدمة المضحين ليعود بوجه وجسد أحرقهما الإشعاع الذري.

15