هاوية سحيقة تحاصر الوضع المالي في العراق

الاثنين 2014/11/10

سيطوي العراق العام الحالي دون إقرار موازنة رسمية من قبل الحكومة، والبيانات شحيحة عن كيفية تسيير شؤون دولة في هذا الوضع الاستثنائي الكارثي دون خارطة دستورية للإنفاق الحكومي.

يمكن أن نتخيل أن ذلك لا يغير شيئا من الفوضى المالية التي تعانيها البلاد، فالموازنة التشغلية التي يفترض أن تسير بشكل تلقائي، تلتهم أكثر من 80 بالمئة من الإنفاق الحكومي في التقديرات المتحفظة.

عدم وجود موازنة رسمية يعفي الحكومة من جدل عقيم أصلا بشأن الموازنة الاستثمارية، ويسمح بتوسيع دور الفساد في توجيه أبواب الإنفاق الأخرى، دون مرجع محدد.

كما أن الانهيار الأمني وسيطرة “داعش” على أكثر من ثلث مساحة البلاد، أعفيا الحكومة من دفع مخصصات تلك المناطق ورواتب الموظفين والمتقاعدين فيها.

تقديرات الإنفاق في موازنة العام الحالي، التي عجز البرلمان وتوقف عن محاولة إقرارها، لأن العام يقترب من نهايته، كان مقررا لها أن تبلغ نحو 150 مليار دولار، وهي تتضمن عجزا بقيمة 28 مليار دولار.

اليوم تطالعنا وزارة النفط العراقية بأن الموازنة فقدت 27 بالمئة من إيراداتها بسبب هبوط أسعار النفط، رغم مرور نحو أسبوعين فقط على انحدار الأسعار تحت حاجز 90 دولارا لبرميل خام برنت، ونحو 6 أسابيع فقط على نزوله تحت 100 دولار.

وبحساب بسيط، يمكن أن نقدر أن العجز سيصل في العام الحالي إلى 61 مليار دولار.

ويدفع ذلك إلى التساؤل عن وضع الموازنة في العام المقبل، إذا بقيت الأسعار عند مستوياتها الحالية أو في حال انحدارها بدرجة أكبر، في بلد عاطل عن الحياة، يأكل ويشرب ويمول جميع تفاصيل حياته من عوائد النفط، في ظل شلل اقتصادي مطلق.

ما الذي ستفعله الحكومة مع الموازنة التشغيلية المتفجرة، التي تعيل معظم الشعب من خلال توظيف أكثر من 4 مليون شخص في أضخم جهاز دولة في العالم، مقارنة بعدد السكان؟ وقد بدأنا نسمع عن احتجاجات في مؤسسات حكومية كثيرة نتيجة استقطاعات من الرواتب بلا سبب أو مبرر. وما الذي ستتركه الموازنة التي ستعجز إيراداتها عن تسديد التزامات الموازنة التشغيلية وخاصة رواتب الموظفين والمتقاعدين؟ لن يحلم العراقيون حينها بأي موازنة استثمارية في بلد يعاني من الخراب التام.

ماذا عن الإنفاق الاستثنائي الملزم في الجبهات الملتهبة مع “داعش”؟ وهل ستلجأ الحكومة إلى التقشف في السلاح والذخيرة التي يحتاجها الجيش؟

قد يتحدث البعض عن احتياطات البنك المركزي، التي يقدرها البعض بنحو 70 مليار دولار، وهي بالكاد تعادل العجز في موازنة العام الحالي.

في جميع دول العالم، التي يثق فيها مواطنوها، يمكن للحكومة إصدار سندات محلية لتغطية العجز، لكن ذلك أمر مستبعد في بلد لا يتعامل أكثر من 95 بالمئة من سكانه مع المصارف، ولا يثق معظم سكانه في الحكومة ويحملها المسؤولية عن كافة الكوارث، ويخنقه الحديث عن فسادها.

أما إصدار سندات دولية فقد لا يقل صعوبة، في ظل المستقبل الغامض والصراع الذي تقول الدول الغربية إنه قد يستمر لسنوات طويلة، إضافة إلى قلة خبرة المؤسسات المالية العراقية وقلة الثقة فيها.

لقد أغلقت الحكومات السابقة مستقبل العراق بتفجير الميزانية التشغيلية، التي سقتصم ظهر مستقبل العراق إن لم تكن قد قصمته فعلا.

وحتى لو كان حيدر العبادي أفضل رئيس حكومة في العالم، فإنه لن يستطيع إصلاح كل الخراب في بنية الدولة، وإذا حاول إصلاحه فسيواجه احتجاجات من تعيلهم الدولة حاليا، والذين سيدافعون حينها عن مناقب حكومة المالكي!

إذا كانت الموازنة العراقية في وضع كارثي في العام الحالي، رغم أن أسعار النفط قضت أكثر من 9 أشهر فوق 100 دولار للبرميل، فما الذي سيحدث لو بقيت في مستوياتها الحالية طوال العام المقبل؟ وهو أمر غير مستبعد.

هل ستلجأ الحكومة إلى تسريح ملايين العاملين في القطاع العام أو تقليص رواتبهم؟ أم ستلجأ إلى طباعة العملة على نطاق واسع مثلما حدث في زمن الحصار الاقتصادي؟ وهو سيناريو كفيل بانهيار قيمة الدينار.

11