"هايكـو العالم" قصيدة تمتد من السوريالية إلى الهايكو

يعتبر بانيا ناتسويشي أحد أبرز الشعراء اليابانيين المعاصرين، ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذين يشتغلون على تجديد شعر الهايكو الياباني العريق، وتحريره من العوائق التي تهدّد نضارته وقابليته للتجدد والانفتاح. يمتح الشاعر بانيا من مختلف الروافد التي يمكن أن يستلهم منها أي شاعر حداثي مادة شعره بدءا من اختبارات التجربة الذاتية إلى آداب الثقافات، وأساطير الشعوب، ومدارس الشعر الحديثة، وغيرها من لوازم اشتغاله اللغوي والتخييلي.
الثلاثاء 2015/05/26
بانيا ناتسويشي يزاول الكتابة شاعرا ومترجما وناقدا منفتحا على العالم

طوكيو- يصرّ الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي على ترسيخ تجربته الشعرية في سياق دينامية انفتاح القصيدة اليابانية على العالم. وعلى عكس شعراء عصر العزلة الكلاسيكيين، من قبيل باشو وبوسون، وايسا، وريوكان، يحظى بانيا بنعمة الترحال بين عواصم العالم والكتابة بلغات متعددة، والتفاعل مع ثقافاتها وتجارب شعرائها، مما مكّنه من بلورة رؤية كونية لكتابة الشعر وتلقّيه، وتجريب فن الهايكو، إبداعا وترجمة وتنظيرا، بمختلف احتمالاته وارتداداته في لغات العالم.

فتح بانيا ناتسويشي محفل الهايكو على مدارات الشعر المختلفة، حيث قدم من خلال الترجمة من اليابانية وإليها أصواتا شعرية عالمية من ضمنها بعض شعراء اللغة العربية أمثال الشاعر المغربي محمد بنيس، والشاعر السوري جمال محمود هنداوي. وترجمت أعماله الشعرية إلى أكثر من عشرين لغة من لغات العالم.

باشو مؤسس الهايكو

ولد بانيا ناتسويشي عام 1955 في بلدة آيوي Aioi city بمقاطعة هيوغو وسط اليابان. بدأ بانيا نشر قصائده كشاعر على صفحات مجلة “هايكو هيورون” Haiku Hyoron، وتم اختياره “شاعر السنة” من طرف نفس المجلة عام 1980، ثم أحرز على جائزة هايكو كينكيو Haiku Kenkyu عام 1981.

استقبلت باكورة أعماله الشعرية “ريوجوكي” Ryojoki الصادرة عام 1983، بحفاوة من طرف نقاد وشعراء المرحلة، واعتبر شاعرا ينهل من منجزات مدارس الشعر الفرنسية السوريالية والدادائية بشكل خاص، وفي شعره إرهاصات قصيدة يابانية حرة ومغايرة.

تخرج الشاعر بانيا في الأدب المقارن من جامعة طوكيو (1981)، ويعمل أستاذا للغة الفرنسية بجامعة ميجي منذ 1992. أقام بفرنسا في الفترة ما بين 1996-1998 حيث أنجز، كباحث زائر بجامعة باريس، دراسة مقارنة بين شعراء السوريالية الفرنسيين وشعراء الهايكو اليابانيين.

في عام 1998، أسس مجلة الهايكو الدولية جينيو (التروبادور) Ginyu بالاشتراك مع الشاعرة سايومي كاماكورا Sayumi Kamakura، وأصبح منذ ذلك الحين ناشرها ورئيس تحريرها. كما شارك في تأسيس “جمعية الهايكو الدولية” عام 2000 في سلوفينيا.

بقدر ما كان الشعراء اليابانيون ينهلون من آداب وثقافة شعوب العالم الخارجي، بقدر ما أحدث الهايكو نفسه تأثيرا ملحوظا على وعي شعراء العالم الغربي خيالا ونظما

وبحكم تكوينه اللغوي المتعدد ونزوعه الفكري الإنساني، يزاول الشاعر بانيا ناتسويشي فعالياته، شاعرا ومترجما وناقدا، كما يبدو ذلك من تنوّع إصداراته الشعرية ومصنّفاته النظرية التي يشرح فيها أفكاره حول إمكانيات “هايكو العالم”، وخصائص الشعرية اليابانية الجديدة.

يعتبر بانيا ناتسويشي أن الشاعر ماتسوي باشو ( 1644-1694) هو مؤسس شعر الهايكو بامتياز. برز صوت باشو في مرحلة بلغ فيها الشعر الياباني حدا من الجمود والثبات، حيث أصبح معها عبارة عن ترف اجتماعي فقد بريقه وتأثيره في الذوق العام.

ورغم تأثره بكلاسيكيات الآداب والفلسفة الصينية، وخصوصا أعمال لاوتسو وزوانغ تسو، استطاع باشو بلورة بلاغة شعرية جديدة، عمل من خلالها على تطوير شعر “الهايكاي” و”الرنغا” التقليديين ومدّهما بأنساغ جديدة.

يتخذ بانيا من قصيدة “الضفدعة”، وهي الأشهر في تاريخ الهايكو، نموذجا للقصيدة الكلاسيكية، وتعدّ أفضل تجسيد لبلاغة باشو وروحه التجديدية. تقول القصيدة: بركة قديمة/ نطة ضفدع /صوت الماء. في هذه الأشطر الشعرية الثلاثة استطاع باشو أن يحرك بركة الشعر الآسنة ويمدّ شعر الهايكاي بطاقة حيوية خلاقة نقلته إلى أفق جديد.

نطة أحدثت خدشا في جدار صمت قرير، مستثيرة مخيلة الشاعر، محدثة حالة انتباه أخرجته من الاستغراق الذاتي إلى التّماس مجدّدا مع محيطه الطبيعي. وتلك خاصية جوهرية لازمت شعر الهايكو منذ نشأته التأسيسية الأولى: خلق المفارقة بين عالمي الداخل والخارج، السماء والأرض، الفناء والديمومة، الثبات والتحول وغيرها من الثنائيات التي لازمت شعره وشعر مجايليه في مختلف أطوار تجربتهم.

ويعتبر باشو هذه القصيدة فاتحة عهد شعري جديد بالنسبة إليه. أما الشاعر بانيا، فيرى أن قصيدة الضفدعة تعكس روح التجديد الخلاقة لدى المعلم الأول باشو. نفس الروح التي سيتلقفها بانيا بعد ثلاثة قرون ويستلهمها ليدفع بسهم التجديد إلى أقصى مدى ممكن.

تحديث الشعر الياباني

قصائد مختارة للشاعر بانيا ناتسويشي:
1

من جهة المستقبل/ تصل ريح،/ تذرو الشلال.

2

تحت شمس لاذعة/ نسيت/ كيف أحب نفسي.

3

في البلاد الجنوبية،/ الحياة والموت/ ينحدران من شجرة واحدة.

4

هناك ذهني،/ تلك الفجوة/ في السحب القطنية.

5

السماء عالية/ الجسد/ مثل سمفونية.

6

فوق البحر،/ صاعقة/ تنتهك المجرّة.

7

تنين في قعر/ المحيط الأطلسي/ وهج خريفي.

8

زهرات كرز تسّاقط،/ صحف/ مغموسة في بركة دم.

9

تحت دوامة السماء،/ أداعب/ مجرات بلّورية.

10

حصان أسود،/ تدريجيا يصير أبيض/ في الغابة.

11

مهد النهر/ هو ذاته مهد الشعر:/ قالت الريح.

12

البوذا العاري،/ محاطا دائما/ بألوان اللاشيء الزاهية.

13

الحية سرقت/ العشب الذهبي،/ فرحنا الأول.

14

المرأة النائمة/ ليست هنا؛ إنها تنام/ صحبة السمكات الاستوائية.

15

في قلب طوكيو/ غابة عذراء/ ومرآة مقدّسة.

من خلال قراءة مركّزة لتاريخ الهايكو، يرى بانيا أن هذا النمط الشعري تبلور وتطوّر في عصر إيدو (1603-1867) عندما كانت اليابان تعيش حالة عزلة عن العالم الخارجي، لظروف أملتها أوضاع سياسية واختيارات ثقافية. حينئذ كانت رؤية الياباني للعالم مؤطرة بدورة الحياة الخاصة داخل البلاد، وكان من المتعذر على شعراء اليابان، من داخل قوقعتهم تلك، النظر إلى العالم من منظور غير ياباني. لذلك جاء الشعر تعبيرا عن حساسية اليابانيين تجاه طبيعة بلادهم المباشرة. وهكذا شكلت الكلمة الموسمية الدالة على الفصول “kigo” مقوما أساسيا لقصيدة الهايكو الكلاسيكية.

بانتهاء “سياسة العزلة” وانهيار نظام الشوغونة الفيودالي، خاض شعراء عصر تايشو (1912-1926) تجربة جديدة مع العالم الخارجي من جرّاء انخراط بعضهم في الحرب الصينية- اليابانية (1894-1895)، ثم في الحرب العالمية الثانية. تزامن هذا التحول الجذري، برأي بانيا، مع حاجة الشعراء اليابانيين، ما بعد ثورة ميجي (1868) إلى تحديث الشعر وتدشين بلاغة تلائم الحساسيات الجديدة.

فتحت صدمة الحداثة باب التأثير والتأثر على الواجهتين. إذ بقدر ما أقدم الشعراء اليابانيون على العالم الخارجي ينهلون من آداب الشعوب وثقافاتها، بقدر ما أحدث الهايكو نفسه تأثيرا ملحوظا على وعي شعراء العالم الغربي وتصورهم لكتابة الشعر والصورة الشعرية. نجمت عن هذا التثاقف كتابات وترجمات قام بها باحثون ونقاد غربيون من قبيل و.ج. آشتون، ولافكاديو هيوم، وب.هـ. شامبرلن الذين حاولوا فهم ثقافة اليابانيين وفي طليعتها شعر الهايكو، المعبّر الأصيل عن روح اليابان العريقة.

مع شعراء جيل الضياع الأميركي في بداية القرن العشرين، ومرورا بشعراء النزعة الصورية Imagism، ثم السوريالية والدادائية بفرنسا، خلال العشرينات والثلاثينات، أخذ شعر الهايكو يحتل مكانة متميزة في المشهد الشعري الغربي حيث أصبح يعتمد من طرف الشعراء كطريقة جديدة لصوغ “الصورة الشعرية الجوهرية” البسيطة المتحررة من زخرف القول.

في سياق هذا الخط التجديدي الذي عرفته الشعرية اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية، يندرج مشروع بانيا ناتسويشي الرامي إلى فتح محفل الهايكو على مدارات الشعر العالمية والذهاب بتجربة رواد التحديث إلى أبعد وأوسع مدى ممكن، ومن ثمّ تحرير الهايكو من كل العوائق الكلاسيكية التي تجعل منه نمطا عتيقا باليا.

الحلم أساس البلاغة

يقترح بانيا مفهوم “هايكو العالم” كأساس لمشروعه الشعري إبداعا وتنظيرا. من حيث التعريف، يعتبر بانيا الهايكو “شعر الواقع″. لا الواقع المزعوم بما هو سلسلة أحداث موضوعية، وإنما الواقع الشامل الذي يأوي “المتخيل” و”اللاواقعي” في بوتقته، أو ما يسميه “كلية الواقع الإنساني”. هذا التصور غير التقليدي يتيح للشعراء إمكانيات أكثر لاستغوار النفس الإنسانية والتقاط إشارات اللاوعي وولوج عوالم الحلم والهذيان وغيرها من مظاهر الوجود الإنساني الأعمق.

إلى جانب شمولية الوجود الإنساني، يعتمد بانيا مبدأ “الحركية” الذي يروم من ورائه تجاوز كل العناصر التي تشكل مركزا ثابتا في الشعر التقليدي.

لذلك نجده لا يعتبر التركيبة الثلاثية لبيت الهايكو والكلمة الموسمية عنصرين جوهريين لا يكون الشعر شعرا إلا بهما. مع ذلك فهو لا يدعو إلى التخلي عن “الكلمات الموسمية” kigo اليابانية بشكل نهائي باعتبارها غير مجدية، وإنما هو يجعل من التخلص من كل مركز ثابت شرطا لولوج هايكو العالم. لذلك فهو يقترح بدلا عنها مفهوم الكلمة المفتاح Key-word سواء كانت كلمة دالة على الفصول أو عن قضية كونية.

نفس المنظور النقدي يطبقه على تقنية “الانتقال” kireji الكلاسيكية، وذلك بتحويلها من عنصر ثبات داخل القصيدة إلى وسيلة لتفجير سكونية اللحظة الشعرية، والتنبيه إلى أن لحظة الهايكو ليست فردية أو “مونوتونية”، وإنما هي تتكون من لحظتين وزمنين على أقل تقدير.

وإمعانا منه في إبراز دينامية نص الهايكو، يؤكد بانيا على وجود مبدأين متناقضين داخل حيّز الهايكو، يكتسب منهما حيويته اللازمة. يتمثل المبدأ الأول في الإيجاز واللحظية والتركيز. فيما يتمثل الثاني في الديمومة والاستمرارية والتموّج. وتبقى مهمة الشاعر الحاذق أن يدمج هذين المقومين في أصغر حيز شعري ابتكره الإنسان/ الهايكو.

فضلا عن ذلك وعلى عكس من يعتقد بأن شعر الهايكو لا يكون إلا يابانيا ولا يكتب إلا باليابانية، يرى بانيا أن لا حدود بين مختلف أجناس الشعر. لذلك فهو لا يقصي من مخزون مصادره الشعرية أي شكل من أشكال التعبير كان؛ أمثولة من التوراة أو حكمة شرقية أو قطعة سوريالية.

شرطه الوحيد في المحصلة النهائية أن يعبر شعره “بخاصية الشعر الأكثر جوهرية”. وضدّ كل رؤية تختزل الهايكو في نمط واحد مغلق. يشير بانيا إلى أن الهايكو ليس شكلا واحدا من التعبير، بل هو متعدد في أشكاله وموضوعاته وإمكاناته التقنية. لذلك يقول بوجود “هايكو واقعي، وهايكو حر، وهايكو بروليتاري، وهايكو خاص بالحرب، وهايكو نسوي، وهايكو طبيعي، وهايكو مكرس للمدينة”.

خاصية جوهرية لازمت الهايكو منذ نشأته: خلق المفارقة بين عالمي الداخل والخارج، السماء والأرض، الفناء والديمومة، وغير ذلك من الثنائيات

مع كل ذلك، إن “هايكو العالم” الذي يدعو إليه بانيا ناتسويشي، ليس معطى أو مذهبا منجزا سلفا في فن قول الشعر، وإنما هو درب متعرّج طويل لا يزال في مرحلة جنينية، حسب تعبير بانيا نفسه، تعترضه عوائق نظرية وأسلوبية كثيرة.

إنه بمعنى آخر “”مفهوم إشكالي” لا يزال يبحث لنفسه عن أساس صلب يقوم عليه. ويذهب بانيا للبحث عن هذا الأساس في العمق الأنطولوجي للكائن، في محاولة منه للقبض على المشترك الإنساني، أي ما يتجاوز الفروق الثانوية بين المجتمعات البشرية على اختلاف ألوانها وألسنتها.

في ذات المسعى، يرى بانيا في “الحلم” ظاهرة كونية لعبت دائما دورا حيويا في كل الحضارات الإنسانية المتعاقبة، تجد أثرها في أساطير الشعوب وقصص نشوئها وتطورها وحتى في تجليات حياتها اليومية.

لذلك يصرّ بانيا على تنبيه معاصريه إلى شرعية “الحلم” وطاقاته الخلاقة القادرة على مدّ شعراء الإنسانية بأنساغ حيوية متجددة للخيال والإبداع معا. لذلك يجعل من “الحلم” الكلمة المفتاح القادرة على أن تشكل أحد الأسس الواعدة لحمل تصوّره الجذري لشعر جوهري، يمثل الهايكو أبرز أشكاله؛ شعر إنساني كوني مكتوب بمختلف لغات العالم.

15