هايلي جيريما السينمائي الأثيوبي الأكثر شهرة في العالم

الأحد 2016/02/14
هايلي جيريما.. مولع بالمزج بين الأسطورة والواقع لتفادي الأساليب المباشرة

تعتبر تجربة المخرج الأثيوبي الكبير هايلي جيريما (70 عاما) إحدى التجارب المتميزة الفريدة في تاريخ السينما الأفريقية، فهي تقوم على المزج بين السياسي والشاعري، والتوقف بقوة أمام الواقع دون إغفال جماليات الفن. ورغم أنه يصنع أفلاما قلقة، تفيض بالعذاب الذي يعيشه سكان القارة السمراء منذ مئات السنين، إلا أنها تتمتع بسحرها الخاص وتميّزها، سواء في أسلوب السرد أو بأشكال التعبير عن طريق الصورة والكلمة، الموسيقى والأغاني والخيال الجامح الذي لا يعرف حدودا.

درس جيريما المسرح في الولايات المتحدة التي رحل إليها عام 1967، ثم درس الإخراج السينمائي في معهد كاليفورنيا الشهير، وبعد أن أنهى دراسته، تمكن من ترسيخ قدميه بقوة كمخرج سينمائي طليعي ظهر في خضم حركة النهضة التي شهدتها بلدان القارات الثلاث في السبعينات من القرن العشرين.

في عام 1974 عاد جيريما إلى أثيوبيا لكي يخرج فيلمه الطويل الأول “حصاد 3000 عام” وهو فيلم واقعي يمزج فيه بين الطابع الروائي والأسلوب التسجيلي. ويدور الفيلم حول نضال الفلاحين في أثيوبيا ضد الإقطاع والتخلف والقهر الاستعماري. وقد لفت هذا الفيلم أنظار النقاد عندما عرض في مهرجان كان السينمائي عام 1976، باعتباره نموذجا فريدا من سينما العالم الثالث.

ورغم أن أفلامه التالية تركز على تصوير تجربة الأميركيين السود إلا أنها تعكس في الوقت ذاته، الخصائص الأساسية لسينما العالم الثالث التي كانت سائدة في تلك الحقبة. ويمكن القول إن هايلي جيريما يعبّر أفضل ما يكون، عن آلام الأفارقة السود في المنفى أو الدياسبورا، أي خارج أوطانهم. لقد مر هو نفسه بهذه التجربة وخالط الكثير من أقرانه وفهمَ معاناتهم وشعورهم المرير بالغربة.

في فيلم “طفل المقاومة”، الذي أخرجه بينما كان لايزال يدرس في المعهد، نرى امرأة سوداء يرتبط حلمها بالحرية بالخوف والإحباطات المريرة التي تعاني منها في المجتمع الأميركي. وتبرز في هذا الفيلم فكرة النضال الراسخة في كل أفلام جيريما، فالشخصيات الرئيسية في أفلامه، تناضل من أجل تأكيد هويتها، ولكي تتمكن من قهر الظلم والاستغلال. لذلك فإنها تتحول وتتغير وينمو وعيها باستمرار. إن الشخصية الرئيسية في “طفل المقاومة” هي امرأة في حالة “تحول”. إنها تقضي عقوبة السجن، تتأمل خلالها الواقع الذي ساقها إلى هذا المصير، لتصل إلى لحظة إدراك لطبيعة القهر الذي يعيشه أقرانها في الخارج. وفي فيلم “بوش ماما” الذي يعبر عن الأفكار النظرية السينمائية لجيريما، تتعلم الأم المقهورة “دوروثي” كيف تتخذ موقفا إيجابيا، يصل إلى الذروة بعد أن تتعرض للاعتداء.

يرى جيريما أنه بالرغم من الآلام الكثيرة التي يتعرض له أبطال أفلامه، فإنهم يصلون دائما إلى الوعي الإيجابي بالحقيقة، بحقيقة وضعيتهم الاجتماعية.

إحدى التجارب المتميزة الفريدة في تاريخ السينما الأفريقية، فهي تقوم على المزج بين السياسي والشاعري، والتوقف بقوة أمام الواقع دون إغفال جماليات الفن

قمع مزدوج

ويعبّر الفيلمان السابقان عن فكرة “القمع المزدوج” الواقع على المرأة السوداء، فهي تتعرض أولا لقهر الرجل في مجتمع يسود فيه الرجل ويتسيّده. وتتعرض ثانيا، كامرأة سوداء، لما يتعرض له السود جميعا من اضطهاد عنصري من جانب البيض. ولكن الحقيقة أن جيريما يبدي اهتماما بالشخصية التي يصوّرها أكثر من اهتمامه بنوعية الجنس، فلا فرق بين أن تكون امرأة أو رجلا. وفي فيلم “طفل المقاومة” مثلا، يمكن أن تكون الشخصية الرئيسية رجلا أو امرأة، ورغم أن الموضوع يشير إلى دور المناضلة السوداء أنجيلا دافيز، إلا أنها يمكن بنفس الدرجة، أن تكون رجلا أيضا. فالشخصيات تتخذ هنا طابعا رمزيا. وجيريما لا يرى أن هناك جنسا يتميز عن غيره، بنضاله من أجل التحرر. وقد قال ذات مرة “إنني أتناول النظام الذي يضطهد الجميع، وأسعى لإيجاد وسائل جديدة للتعبير السينمائي من أجل اكتشاف واقعنا بصدق، وعلى أرضية كهذه فإن امرأة في الوضع الاقتصادي لدوروثي وفي حالتها الاجتماعية، لا تهتم بها وسائل الإعلام وكافة المؤسسات الاجتماعية على الإطلاق. ويبدأ الاهتمام بها فقط بعد أن ترتكب جريمة ما. إنها مجرد امرأة سوداء ومتسولة. هذه هي الصورة المجردة المغرضة التي تركز عليها وسائل الإعلام دون أدنى تحليل للظروف الاجتماعية التي تحيا فيها”.

في بداية الفيلم يستغرق جيريما في تقديم صورة تفصيلية لما يحدث في الشارع، ويصور بطلته “دوروثي” وهي تتعرض للاعتداءات يوميا، ففي المشهد الأول من الفيلم نرى شابا مراهقا يختطف حقيبة يدها، وتدريجيا وبينما هي تطارد الشاب بلا جدوى، ثم تسير وحدها تبكي، يبدأ العنف الشفوي ضدها، فهي تتعرض لشتى أنواع المضايقات من المارة، ثم ينتقل جيريما بالقطع في شريط الصوت، والمرأة تتذكر ونسمع صوت رجل يسألها: هل لديك ثلاجة؟ تلفزيون؟ ..إلخ، وهي الأسئلة التي توجه عادة إلى الفقراء في مكاتب تقويم الحالة الاجتماعية تمهيدا لمنح الإعانات. هذا نوع آخر من القمع غير المباشر. فهؤلاء الفقراء في دول الغرب الصناعية عرضة طيلة الوقت لشتى أنواع الهجوم: اللفظي الشفوي أو الجسدي المباشر في وسائل المواصلات.. كما يتعرضون للتشويه المتعمد من قبل ما يبثه التلفزيون وأجهزة الإعلام.

إن دوروثي تلجأ إلى الخيال عندما تجد نفسها فريسة للاعتداء اللفظي من قبل موظف مكتب الإعانات الذي ينهال عليها بالأسئلة المحرجة الشخصية التي تقتحم حياتها وتعرّيها، فتتخيل أنها تمارس ضده عنفا مضادا. وبهذا الشكل فإنها تختزن طاقة من العنف في خيالها.

جيريما لا يكثف الجانب السريالي أو الخيالي في حياة البؤساء، بل يصور العنف اليومي الذي يمارس من كلا الجانبين: الأول واقعي تماما، والثاني خيالي. والخيال هنا بمثابة نوع من الهروب المنتظم نتيجة للوضع الاجتماعي العام.

المولد الحقيقي لجيريما كمخرج كبير كان في فيلم "حصاد 3000 عام"

حصاد 3000 عام

ينتقل جيريما نقلة كبرى في مساره الفني مع فيلمه الكبير “حصاد 3000 عام” الذي يشير عنوانه إلى الوضع القائم في أثيوبيا وقت إنجاز الفيلم، أي خلال الفترة الأخيرة من حكم الإمبراطور هيلاسيلاسي قبيل سقوطه عام 1974.. إنه تعبير مجازي عن 3 آلاف سنة من القهر والقمع الذي خضعت خلالها أثيوبيا للفقر والجهل والمرض. ويدور الصراع في الفيلم حول قطبين: الأول أحد أبناء الإقطاعيين الذي يمتلك مزرعة كبيرة، والثاني فلاح أجير يعمل في أرض الإقطاعي لكنه لا يكف عن تحريض الفلاحين ضد الاقطاعي مالك الأرض، ولكن بشكل فردي تماما، لذلك فهو يسقط ضحية للإقطاعي الذي يبالغ في إذلاله وإهانته أمام الجميع ويطلق عليه “المدام”، ولكن حملة التحريض التي يقودها هذا الفلاح الأجير تثمر في النهاية مع ظهور شخص ثالث هو أحد تلاميذ وأتباع هذا الأخير الذي يطلقون عليه “المدام”، وهو الذي سيحمل في النهاية راية النضال في طريق التوحد الجماعي وليس اعتمادا على فكرة التمرّد الفردي.

في هذا الفيلم يسعى جيريما بجدية، للابتعاد عن القوالب التقليدية لصورة “البطل”، ولا تصبح الشخصية الرئيسية هنا بؤرة الضوء الأساسية في الفيلم، فمن خلال الاستخدام البارع للمونتاج وخلق ذلك التناقض بين شريطي الصورة والصوت، يبرز دور الجماعة، وتصبح هي البطل الحقيقي وليس الفلاّح المتمرد الفردي. في أحد مشاهد الفيلم نرى الفلاحين وهم يمتطون ظهور الجياد، ثم ننتقل إلى العصا التي انتزعوها من بين يدي الطاغية الاقطاعي.

ويمزج جيريما في فيلمه بين الأسطورة والواقع لتفادي الأساليب الواقعية المباشرة للحدث في السينما الغربية الشائعة، كما يمزج بين الواقع والحلم، فعندما يأتي الجنود للسيطرة على المزرعة وحماية ملاّك الأراضي، نلاحظ التناقض الحاد بين مظهر الجنود الذين يرتدون الأحذية الثقيلة في أقدامهم، وبين أقدام الفلاحين الحفاة. ولكن المشهد يلخص أيضا الدور القمعي للجيش (هناك مشهد مشابه في فيلم 1900 لبرتولوتشي) فالجنود يهبّون فقط لنجدة الإقطاعي، لكنهم لا يظهرون أبدا لنجدة الفلاحين.

كان والد جيريما كاتبا وراويا للقصص الشفوي، وكان راوية متجولا، وهو الذي ينشد الأغنية التي نراها بالفيلم، كما أنه كاتب كلماتها وقد كتبها بعد رحيل الاستعمار الإيطالي عن أثيوبيا عندما أدرك- كما يقول جيريما- أن الأوضاع لم تتغير، فليس في المستطاع تغيير قهر 3000 سنة!

جمر ورماد

في الولايات المتحدة أخرج جيريما فيلم “جمر ورماد” كما أنتجه أيضا. وهو يروي قصة جندي أسود يشعر بالاغتراب خلال مشاركته في حرب فيتنام ثم يعود إلى أميركا لكي يقارن بين واقع الزنوج الأميركيين بين الأمس واليوم. هذا الفيلم يعد تجربة فريدة في نقد تطور الوعي لدى الأميركيين السود، وينتقل الفيلم من الحاضر إلى الماضي، ومن الريف إلى المدينة، ومن الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى الساحل الغربي، كما يستخدم المواقع الشهيرة في العاصمة واشنطن كرمز للسلطة الأميركية، ويجعل الشخصية الرئيسية في الفيلم لممثل أسود يسعى للحصول على عمل في أفلام هوليوود، لكن هوليوود- عند جيريما- رمز لمصنع الأحلام وإنتاج الأكاذيب والترويج لها بغرض الاستهلاك. ولكن الشاب الأسود الذي يريد أن يصبح ممثلا يجد أنه مضطر للتخلي عن شخصيته والتنكر لهويته الأصلية، ويقبل بوضع الأقنعة على وجهه لكي يصبح صالحا لأداء دور الأميركي الأسود- الطيب- في أفلام هوليوود أي حسب الوصفة المطلوبة.

يتوقف جيريما في هذا الفيلم ليوضح كيف يتم التحول عند شخص كهذا، جندي أميركي سابق يريد أن يصبح ممثلا، وهو شديد التوتر، يرفض كل ما ينصحه به أهله وأصدقاؤه بدعوى أنهم لم يمروا بما مر به، أي بتجربة الحرب في فيتنام، لذلك ليس من حقهم توجيه النصح له. وعندما يذهب لزيارة جدته العجوز في الريف، يصطدم بنموذج يتناقض تماما مع شخصيته. إنها رمز الحقيقة والتاريخ الزنجي. ومع الصدام الذي يقع بالضرورة بينهما، تنفجر أزمته، فيبدأ في إدراك الحقيقة.. حقيقة تلك التجربة القاسية التي مر بها في فيتنام.. وكيف أنه شارك في الاعتداء على شعب آخر مضطهد تماما مثل الشعب الزنجي، وينتهي الفيلم بما يشير إلى أن هذا الشاب قد يصبح مناضلا في خضم حركة الاحتجاج والتغيير داخل الولايات المتحدة. أما إذا تقاعس عن القيام بدوره فسيظل حبيسا داخل نفسه، وسيدمر نفسه بعد أن يتنكر لأهله.

هايلي جيريما: حصاد ثلاثة آلاف عام من القهر

العودة

ابتعد جيريما طويلا عن العمل السينمائي واكتفى بتدريس السينما بالولايات المتحدة، لكنه قرر في 2008 العودة بمشروع أكثر أفلامه طموحا، وهو فيلم “تيزا” (أو العودة) الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان فينيسيا ثم الجائزة الذهبية بمهرجان قرطاج، وهو من التمويل الألماني.

يروي الفيلم قصة شاب أثيوبي غادر بلاده في ثمانينات القرن العشرين إلى ألمانيا الشرقية حيث درس الطب، ثم قرر العودة إلى بلاده في أوائل التسعينات للقيام بدور فاعل في محيطه الاجتماعي ومساعدة أهل قريته. وتقع الأحداث بعد الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال مانغستو، ويصور الفيلم ظروف القهر والقمع التي يمارسها النظام بوحشية ضد معارضيه.

بعد عودته، يقع البطل في الحب ثم يتزوج لكنه يكسب زوجة ويفقد صديق العمر في خضم تصفيات النظام الدموية لخصومه. وينتقل الفيلم بين الحاضر والماضي، من القرية الأثيوبية إلى برلين الشرقية، حيث كان بطلنا يدرس ويعمل وحيث تدور مناقشات مع زملائه وزوجاتهم الألمانيات عن الزواج المختلط وتبرز تساؤلات عنصرية عن اللون المتوقع للأبناء.

وكما يمزج جيريما بين الماضي والحاضر، وينسج الكثير من المشاهد البديعة التي تبرز الثقافة الأفريقية الخاصة، ويجعل الأسطورة أحيانا تطغى على الواقع، يمزج أيضا بين الكوابيس والذكريات التي تطارده، ويستخدم الموسيقى والإيقاعات الأفريقية لإضفاء طابع ملحمي على الفيلم. وفي مشهد مرعب يعبر جيريما عما آلت إليه الأمور في عهد الحكم العسكري فنشاهد امرأة أثيوبية تقتل ابنها خنقا داخل كنيسة بعد أن عجزت عن توفير الطعام له، يطاردها أهل القرية يريدون الفتك بها لكن البطل يخلّصها منهم.

يكتشف الطبيب الشاب أن الفقراء يموتون بسبب أمراض غير قابلة للعلاج، وداخل المستشفى يرى كيف يذبح متعهد توريد اللحوم الذبائح دون أن يتأكد من سلامتها، لكنه قيادي في الحزب الحاكم وأحد زعماء العمال، يقود مظاهرات التأييد لنظام مانغستو، ويعقد اجتماعات حزبية داخل المستشفى، لكن صديق البطل يعترض على مسلكه هذا فيكون مصيره القتل في مشهد مثير للرعب. ويصبح بطلنا نفسه مهددا بالقتل أيضا بسبب اعتراضاته الكثيرة.

يستخدم جيريما كعادته، أسلوبا يجمع بين التسجيلي والروائي، ويجعل بطله رمزا للوعى الشاب الذي لا يموت أبدا، وهو معادل رمزي لجيريما نفسه، يعكس من خلاله تجربته الخاصة في الغربة وفي علاقته بوطنه. ويمتلئ الفيلم بالكثير من المشاهد الطبيعية الخلابة في أثيوبيا، ويحتفي مخرجه بالطبيعة، بالأشجار والحيوانات والطيور، بالسماء والأرض، بالجبال والسهول الخضراء البديعة. إنها قصيدة مرئية عن الغربة في الوطن بعد تجربة العنصرية في المهجر، وهو أساسا صفعة ضد القهر، وصرخة في وجه التخلف وقسوة الإنسان على الإنسان.

ناقد سينمائي من مصر

16