هايلي مريم ديساليغنه يواجه الحرائق المشتعلة على مجرى النيل

الأحد 2016/10/16
مهندس السياسة الإثيوبية الذي يتهم مصر بزعزعة استقرار بلاده

بروكسل - لم يكن مفاجئاً للمتابع للأوضاع في إثيوبيا، قيام الحكومة الحالية التي يرأسها هايلي مريم ديساليغنه بإعلان حالة الطوارئ في البلاد، بعد شهور من الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها منطقة أوروما، التي ثار ساكنوها ذوو الانتماءات الإثنية المتعددة على قيام الحكومة بمصادرة أراضيهم ومنحها لمستثمرين أجانب. هذا الاستفزاز للأوروميا، وهي أكبر قوميات جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، أدى إلى اندلاع اضطرابات عنيفة أسفرت عن مقتل المئات بعد قيام السلطة باستخدام القوة ضد المتظاهرين.

أمام تعقد الملف لم تجد الحكومة حلّاً سوى إعلان حالة الطوارئ لأجل غير محدود، رغم أن دستور البلاد يقيد المدة بستة أشهر، يحق للسلطة فيها اللجوء للأحكام العرفية في أقاليم البلاد.

وكعادة الخلافات الحالية في كل الجغرافيات المنتشرة في العالم، فإن الساكنين الحاليين يلجأون فوراً إلى الخلافات التاريخية باعتبارها تمثل ارتكازاً للحاضر والمستقبل. هكذا صار المشهد صراعاً على الحكم والسلطة ليمتد إلى مواجهات مسلحة بين الأمهريين والحزب الحاكم في البلاد.

إمبراطورية غابرة

بنظرة تاريخية فإن إثيوبيا، حاضرة الإمبراطورية الغابرة، تنقسم إلى عدد من العرقيات بين الأمهرة الذين يشكلون 25 بالمئة من عدد السكان، والتيجري الذين يمثلون 12 بالمئة من السكان ويستحوذون اليوم على السلطة في البلاد. بينما تشكل الأورمو ما يقارب الـ60 بالمئة، أي ما يفوق نصف عدد سكان إثيوبيا. وأمام الخلافات الحادة التي بدأت في نوفمبر من العام الماضي، اتّحدت مصالح الأمهرة مع الأورمو ضد الحكومة التي تخص المناصب القيادية والعسكرية والأمنية في إثيوبيا بالعرقية الثالثة التيجري.

أمام الاحتقان الداخلي الذي يشي بحرب أهلية قادمة، وفي ظل ملفات إقليمية شائكة مع دول الجوار الإثيوبي أو تلك التي يعبر بها نهر النيل، فإن تصدير الأزمة نحو الخارج بدا أمرا يسيرا أمام الحكومة الحالية التي ضمَّنت إعلان الطوارئ في البلاد، اتهامات مباشرة لمصر وإرتيريا بتدريب وتمويل وتسليح مجموعة أورومو المعارضة التي تُلقي أديس أبابا باللوم عليها في إشعال فتيل الأزمة بمدن إثيوبيا.

أزمات الطاقة والحدود

بقراءة متأنية للمشهد العام، وبمقاربات عديدة في الشرق الأوسط، فإن تصدير الأزمة نحو الخارج مع طرح خِطابَيْن أحدهما للداخل يقوم على فكرة وجود مؤامرة لاستهداف الدولة والسّلم الأهلي، وآخر للخارج يرتكز على الخلافات العميقة مع دول الجوار التي تتّصل بقضايا عديدة أبرزها مصادر الطاقة والحدود، والاتهام الذي تسوّقه أديس أبابا للقاهرة ومقديشو، لا يمكن فصله من جهة عن الخلاف حول مياه نهر النيل مع القاهرة بعد شروع إثيوبيا ببناء سدّ النهضة، ومن جهة ثانية مع النزاع التاريخي حول الحدود بين إثيوبيا وإرتيريا.

هايلي مريم ديساليغنه يعتبر صانع القرار السياسي الإثيوبي الأقوى منذ تسلمه رئاسة الحكومة في العام 2012 خلفاً لميليس زيناوي الذي سبق وأن هدد بشن الحرب على مصر خلال حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك

مع التصعيد الذي مارسته أديس أبابا، داخلياً وخارجياً، برز اسم هايلي مريم ديساليغنه، الذي يعتبر مهندس السياسة الإثيوبية منذ تسلمه رئاسة الحكومة في الحادي والعشرين من سبتمبر في العام 2012 خلفاً لميليس زيناوي الذي سبق وأن هدد القاهرة خلال حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك بالحرب العسكرية قبل وفاته في منتصف أغسطس لعام 2012 بعد أن أمضى 21 عاماً في حكم إثيوبيا.

ولد ديساليغنه في التاسع عشر من يوليو للعام 1965، بمدينة بولوسو سوريه ذات الأغلبية المسيحية جنوبي إثيوبيا. عاش طفولته ومراحله الدراسية الأولى هناك قبل أن ينتقل إلى العاصمة أديس أبابا طالباً في قسم الهندسة المدنية بجامعة العاصمة، وما إن أنهى تحصيله العلمي حائزاً على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية حتى انتقل إلى جامعة تامبيري للتكنولوجيا في فنلندة، وهناك أتمَّ درجة الماجستير في تخطيط الصرف الصحي قبل أن يعود إلى أديس أبابا كعميد لمعهد تكنولوجيا المياه حيث أمضى ثلاثة عشر عاماً في هذا المنصب حصل خلالها على درجة الماجستير في القيادة التنظيمية من جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية.

في نهاية تسعينات القرن الماضي انخرط ديساليغنه في الحياة السياسية، كعضو في الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية التي تولّت زمام الحكم في إثيوبيا، وتدرج فيها مستفيداً من مكانته العلمية وتعليمه الغربي حتى أصبح نائباً رئيس الحزب ميليس زيناوي عقب الخلافات التي ضربت صفوف الجبهة الحاكمة مع مطلع القرن الحالي.

توازنات المرحلة

في تلك الظروف الإشكالية برز نجم الرجل بين قادة الصف الأول تحت عباءة زيناوي، وما لبث أن شغل عضوية البرلمان بالإضافة إلى منصبه كمستشار خاص للشؤون الاجتماعية في مكتب رئاسة الوزراء، ذلك المنصب الذي مكّنه من قيادة فريق عمل لصياغة قانون منظمات المجتمع المدني للحد من تدخل الجمعيات الأممية في الشأن الإثيوبي الداخلي، ونجح بعد سنوات قليلة من الحصول على مصادقة البرلمان على ذلك القانون.

رئيس وزراء إثيوبيا يسعى إلى ترسيخ حالة الأمر الواقع والمماطلة والتسويف في ما يتعلق ببناء سد النهضة

سبق هذا إشرافه المباشر على تعديل قانون الانتخاب الداخلي في البلاد بحيث نسج بناء هرمياً يضمن وصول أنصار الجبهة إلى البرلمان ضمن تحالفات متشابكة في أقاليم إثيوبيا، تلك النجاحات دفعت به نحو مناصب وزارية عديدة أنهاها مطلع العام 2010 بحقيبة الشؤون الخارجية التي أمضى فيها عامين قبل أن يستلم زمام الحكم عقب وفاة زيناوي، ليكون رئيس الحكومة الخامس عشر الذي يحكم البلاد منذ تأسيس إثيوبيا في صورتها الحالية.

ديساليغنه الذي عُرفت عنه القدرة على صناعة التوازنات وضبط الشارع في الداخل المتعدد، استشعر بقرب تأزم الموقف في جنوبي إثيوبيا وغربها، فقام مع مطلع سبتمبر الماضي باستقبال توت بول شاي قائد الجبهة الوطنية المتحدة التي حاربت حكومة أديس أبابا لما يقارب العقدين من الزمن.

في ذلك اللقاء الاستثنائي، استطاع ديساليغنه الاتفاق مع توت الحاكم السابق لإقليم غامبيلا غربي إثيوبيا، على إيقاف المواجهات العسكرية والحالة العدائية مع كتائب الجبهة التي تضم في قوامها الرئيس مقاتلين من قبيلتي النوير والأرومو، مقابل أن تحل الجبهة نفسها وتنخرط في العمل السياسي من داخل أديس أبابا.

محاولةُ ديساليغنه للوصول إلى حالة “صفر مشاكل” في مدن إثيوبيا لم تفلح، حيث باتت البلاد على صفيح ساخن وقنبلة قابلة للانفجار في أيّ لحظة عقب تمرد “أورومو، أمهرة” غربي البلاد وشمالها.

حرب النيل

تعاني إثيوبيا من تضخم سكاني كبير ونقص حاد في المنظومة الغذائية رغم تعدد المصادر الحيوية لذلك، وتواجه اليوم تحديات داخلية عديدة قد تطيح بالمنظومة السياسية بالبلاد وتعيد رسم شكل إثيوبيا الفيدرالية التي نعرف.

وهكذا لم يكن أمام السياسي العتيق سوى اللجوء إلى تضخيم الملفات الخارجية إقليميا رغم غياب الأدلة الواضحة على تورط مصر أو إرتيريا بدعم جماعات معارضة. مع الانتباه إلى سعي رئيس وزراء إثيوبيا خلال السنوات القليلة الماضية إلى ترسيخ حالة الأمر الواقع والمماطلة والتسويف في ما يتعلق ببناء سد النهضة على نهر النيل كحلقة مفصلية في كل ما يتعلق بالعلاقات المصرية الإثيوبية التي طالما رضخت لمنسوب مياه نهر النيل بين المنبع في بحيرة فكتوريا والمصب في البحر الأبيض المتوسط.

الاحتقان الداخلي في إثيوبيا يشي بحرب أهلية قادمة، في ظل ملفات إقليمية شائكة مع دول الجوار الإثيوبي أو تلك التي يعبر بها نهر النيل، لهذا سارع ديساليغنه إلى توجيه اتهامات مباشرة لمصر وإرتيريا بتدريب وتمويل وتسليح مجموعة أورومو المعارضة

أما على الضفة الأخرى فتمكن قراءة التصعيد مع إريتريا ورده إلى النزاع الحدودي أولاً وإلى وجود كتائب من الجبهة الوطنية المتحدة التي حلَّ تنظيمها قائدها توت بول شاي، على الأراضي الإريترية ومناطق من جنوب السودان، وبالتالي فإن تحوُّل سلاح كتائب توت في الاتجاه سيكون يسيراً بناء على معطيات المصالح، ولاحقاً تأجيج المنطقة لتظهر الملفات الداخلية في إثيوبيا كأنها جزء من حراك خارجي يأتمر به ويرتهن له.

لطالما شكَّلت المياه ومصادر الطاقة أسباباً حقيقية لاندلاع النزاعات عبر التاريخ القديم والحديث، وغالباً ما كانت تلك الأسباب ذاتها أسباباً مباشرة وغير مباشرة لأيّ حملات عسكرية. لكن مع اهتزاز الجغرافيات في الشرق الأوسط عموماً، وتضخُّم الانتماءات الضيقة وسيطرة الأقليات على الحكم في مناطق التوتر يغدو فهم الحالة الإثيوبية ضمن هذه المُعطيات أمراً منطقياً، خاصة مع انتشار العقل الميليشياوي القائم على اللجوء إلى السلاح في أيّ لحظة كما شاهدنا في تشاد ونيجيريا وجنوب السودان مؤخراً.

ديساليغنه الذي رأس الاتحاد الأفريقي خلال قمة أديس أبابا العام 2013، يسعى دائماً للظهور بعباءة رجل التكنوقراط المرتكِز على أرضية علمية، وبهذه الخلطة استطاع اختراق أحد أكثر الأنظمة انغلاقاً وشمولية في أفريقيا، ليصعد خلال عقد واحد في ظل الرجل القوي زيناوي، حاملاً منه فكرة إدارة الأزمات وانتهاز الفرص قبل أن تضيع.

العديد من التساؤلات تحملها الأيام القادمة تحت شمس أفريقيا عن مستقبل المنطقة ككل في ظل تغير خارطة التحالفات الداخلية في أديس أبابا، فهل تستطيع مياه نهر النيل إطفاء الحرائق التي قد تشتعل في بلاد جاهزة للتفتت والتشظِّي في ظل سيطرة لغة السلاح؟

8