ها قد رصدت الهلال..

يأتي رمضان فنتحسب لأيام العيد وما يرافقها من مصاريف ترهق الكاهل وتخيف ضعاف الدخل، لكنه يفرح الأطفال وحدهم.. ليتني ظللت طفلا.
الثلاثاء 2021/04/13
إنه الهلال ولا شيء غير هذا الهلال

في مثل هذه الأيام، وقبيل غروب الشمس، يتجمع نفر من التونسيين شبانا وأطفالا ومسنين، هواة، مهتمين ومتطفلين، عند جهاز رصد متواضع القيمة التقنية في قمة ذلك الجبل الذي تتسلقه القبور، ويعتليه مقام الصوفي الجليل أبي الحسن الشاذلي، وهم يتبادلون الشكوك، ويتناوبون النظر في ذلك الجهاز الباحث عن هلال يطلع مثل سمكة في صنارة.. إنه الهلال ولا شيء غير هذا الهلال.

يعقب هذه العملية قرار مفتي الجمهورية الذي يعلن من مكتبه، وبعد متابعات واتصالات تجري في أكثر من محافظة تونسية، بإعلان الصيام أو الإفطار، وذلك في كلمة تهنئة تقليدية بات التونسيون يحفظونها عن ظهر قلب.

تكاد تختصر وظيفة مفتي الديار التونسية على هذا الأمر منذ عقود طويلة ثم يمضي أهالي البلد إلى تدبر حاجياتهم والاستعداد لاحتفالياتهم في روتين سنوي لا تؤثر فيه الضائقة الاقتصادية ولا الجائحة الوبائية.. إننا شعب نحتفل بكل شيء، حتى وإن كان الأمر يتعلق بهزائمنا، وغصبا عن كل الظروف.

يمضي أهالي البلد إلى تدبر حاجياتهم والاستعداد لاحتفالياتهم في روتين سنوي لا تؤثر فيه الضائقة الاقتصادية ولا الجائحة الوبائية

لا تستغرب إن شاهدت تونسيا يترنح بانتشاء عند جهاز رصد هلال رمضان أو يدخن سيجارة بقلق عند انتظار هلال العيد، فالأمر لدى غالبية الناس لا يعدو أن يكون ضربا من الطقس الاحتفالي.. نعم قد تغيب أو تضمحل الشعيرة الدينية ولكن الاحتفالية الشعبية تبقى شيئا شبه مقدس، ويستشرس الجميع في المحافظة عليه.

ثمة من يصلي التراويح ولا يؤدي بقية الصلوات، وثمة من لا يصوم، لكنه يلتزم بالسحور ويصر على انتظار الأذان بنفاد صبر، أما مأكولات وحلويات رمضان فلا ينبغي أن تغيب عن المائدة حتى وإن كلّف ذلك الاستدانة وأشياء أخرى.

كذلك ينطبق الأمر على البرامج التلفزيونية والمسلسلات الرمضانية فلست أدري شخصيا، لماذا لا أستسيغ الكاميرا الخفية في غير شهر الصيام، ومباشرة بعد تناول الشوربة من وجبة الإفطار، أما المسلسلات فينصح بتناولها مع العصائر والحلويات.

يأتي رمضان في الصيف فنتمناه لو جاء في الشتاء تجنبا للعطش وطول النهار، يحل علينا في الشتاء فنتحسر على ليالي السهر في الصيف، لكنه جاء هذه المرة مع كورونا فأربك الجميع: عشاق السهر والاحتفال مع محبي العزلة والاعتكاف، مناصرو التباعد ودعاة التقارب الاجتماعيون، القائلون بضرورة الزهد والتقشف في الشهر الفضيل مع المحدثين بنعمة الله في الشهر الكريم.

يأتي رمضان فنتحسب لأيام العيد وما يرافقها من مصاريف ترهق الكاهل وتخيف ضعاف الدخل، لكنه يفرح الأطفال وحدهم.. ليتني ظللت طفلا آكل وأشرب متى وكيفما أشاء، أفرح بثياب العيد دون أن أسأل أبي عن راتبه، وعن الهلال.

24