هباري.. "ورد الموصل" في شوارع الرقة

الأحد 2016/11/13

لبست مقاتلة كردية تنتمي إلى “وحدات حماية الشعب” هبرية موصلية، وهي بكامل لباسها الميداني، وبندقيتها على كتفها. وتداولت وسائل إعلام، وناشطون على فيسبوك، الصورة في دلالة لا تخلو من البروباغندا التي تفرحنا بألوان الهبرية، وتذكرنا بالمصير المشترك للعرب والأكراد حين يكون العدوّ المشترك هو داعش، وحين يتعاون الأكراد السوريون مع العربي في تحرير مجتمعاتهم، بل ويتقدمون العربي في التضحية ليكونوا جميعا أحرارا من النظام السوري، ومن داعش وإخوانه.

لكنّ الناشطين الأكراد أنفسهم اختلفوا على مسألة تدخلهم في “تحرير” الرقة، ففي الموصل هنالك ادعاء بحق “تاريخي” للأكراد في الموصل، أما في الرقة، محافظة ومدينة، فلا أساس تاريخيا، أو جغرافيا، لمثل هذه الادعاء. ثم إن مدينة الرقة ليست من ضمن خرائط “روج آفا”، فلماذا يضحي المقاتلون الأكراد، الرجال والنساء، بحياتهم من أجل أرض “لا تخصهم”؟. والعرب، حسب الناشطين، أولى باستعادة مدينتهم، وواجب التضحية يقع على أكتافهم، على الأقل حتى لا يزيد سوء التفاهم بين الطرفين سوءا.

البروباغندا تأتي من تكرار استخدام ثيمة المرأة المقاتلة، الشابة، الجميلة، الأم التي ترضع طفلها وهي تعتمد على بندقيتها، والمقاتلة التي ترفع علم “وحدات حماية الشعب”، وتتقدم الرجال، الرجال المقاتلين الذين قلما يظهرون في الصور، قبل المعارك، أو بعدها.

ذلك أولا، أما ثانيا فإن استخدام الهبرية للربط بين الموصل والرقة يحمل دلالة رمزية فوق واقعية، كون الموصل تتصل تاريخيا بحلب، وليس بالرقة، عبر علاقات تجارية، وسياسية، جذورها أبعد من أيام “حلف بغداد”، الذي لم يكن، وأبعد من تأييد تجار “حزب الشعب” السوري في خمسينات القرن الماضي، وتأييد تجار الموصل للحلف الذي وُلد ميتا.

والهباري، ومفردها هبرية، غطاء للرأس لا يشبه الحجاب الشرعي، ترتديه نساء المنطقة من الموصل إلى ريف حلب الشرقي، مرورا بأرياف دير الزور، وأرياف الحسكة. وللمرأة الكردية في المنطقة غطاء رأس يشبهه بالألوان الزاهية فقط. الهبرية تغطي ثلثي شعر المرأة، فيظهر منه السلافة و”الكذلة” المبرومة والمتصلة بجديلتين تتدليان على الصدر في الجانبين.

وألوان الهباري تختلف حسب سنّ المرأة من الأحمر الفاقع على مساحة سوداء، إلى الأسود، أو الأزرق، المناسب للنساء ما فوق سن الأربعين (كذا)، ومنها ما يجمع الأحمر والأصفر والأبيض، الذي يسمى (خد أسعد). وتنسب “الهباري” إلى العراق (هباري عراقية، أو موصليّة)، على الرغم من أن صناعتها كانت تجري في حلب.

هوية وطن

وللهباري أنواع عدة، منها (رقاب الحمام، نثر الحنة، سنون الجرجر، الوارد، ورد الموصل “دق الموصل”، البرقان)، أما ألوانها فمنها الأحمر، ومنها الأزرق، ومنها الملوّن بالأسود والأحمر، أو الأسود والأبيض، والأبيض والأسود والأحمر المسمّى (وارد).

في زمن الجينز، والحجاب السلفي، ثم البرقع الداعشي، قلَّ استخدام الهباري، إلا في الأعراس والحفلات التراثية، إلى أن اختفت تماما من حياة الشارع منذ سيطرة داعش على الرقة، وأرياف الجزيرة، ولا نعلم إن كانت المرأة الموصلية ظلت تستخدم الهباري حتى ما قبل سيطرة داعش عليها.

تحرير الرقة وتحرير الموصل، بالأحرى السيطرة عليهما، مسألة وقت لن يطول. المهم في الأمر، بالنسبة إلى أهالي الموصل، وإلى أهالي الرقة، هو تأثير المعركة عليهما، وتأثير ما بعد المعركة، بمعنى كيف سيعيشون في ظل السيطرة الجديدة.

أما إن كان النساء سيرتدين الهبرية، ويشعلن السيجارة في الشارع، تعبيرا عن الحرية المستعادة، فهذا لعب بعواطف الناس في زمن شح الخبز.

ولا أحد يشك بأن النظام السوري سيفعل ذلك، إن استعاد هو السيطرة على المدينة، ليعود بنا إلى ما قبل ربيع 2013 في الرقة، وما قبل 2011 في عموم سوريا، وكأن دماء مئات الآلاف من السوريين كانت فداء لحرية الهبرية والسيجارة والذقن الحليقة!

مع داعش، الهبرية شعر وخطابة، لا يفيدان أمام الانغماسيين والانتحاريين. ومع البروباغندا، تبدو الهبرية حصان طروادة أكثر منها حنينا إلى اللون والجمال في أرض كالحة يخترقها أهمّ نهرين في غرب آسيا كلها.

استطاع الإعلام الكردي، الذكي فعلا، إقناع الإعلام العالمي بأحقية الأكراد بتصدر المشهد المستقبلي في المنطقة، خاصة أن النموذج المقابل هو الشعر الأشعث لمقاتلي داعش الخارجين من كهوف التاريخ بهيئاتهم، والقابعين في نقطة أبعد حتى من عصر النبي محمد بعقولهم.

تصدير الإعلام الكردي للمرأة الكردية بهذا الشكل كان “ضربة معلّم”، في الإعلام على الأقل، لكنه في السياسة شيء آخر، حتى لو تم رفع أعلام كردية في البرلمان الأوروبي في بروكسل، حيث للدول خياراتها الواقعية.

فتلك الدول تفضل التعامل مع دول قائمة، حتى لو كانت نظام الأسد في دمشق، دون أن يمنع ذلك تلك الدول من تمرير “مؤامرات صغيرة” بالتعامل مع أحزاب مثل “حزب الاتحاد الديمقراطي”، الكردي، أو داعش نفسه، بينما تبيّض ضميرها بتقديم سلة غذاء للاجئ، أو أطراف صناعية لضحايا البراميل المتفجرة والألغام.

الهباري، والألوان، ستأتي، حلبية، أو موصلية، وفقدان الثقة بين العرب والأكراد سيزول إن كان للعقلاء مكان في المشهد المستقبلي يزيح تعبير “بواقي الدجاج” من أذهان بعض الأكراد، كوصف للعرب، ويوضح للعرب أن الأكراد شعب يريد تشارك الحرية والتنمية مع شعوب المنطقة، في سوريا والعراق وتركيا وإيران. عندها، لن ينظر الكردي لابن الجزيرة كـ”مستوطن”، ولن ينظر العربي إلى الكردي كانفصالي يريد تقسيم المقسم من جغرافيا سايكس بيكو.

وعندها، قد يكون للشاعرية مكان، إذا “عتّبَ” عربي لكردية، أو كردي لعربية (لمَ لا؟):

شطف جوز الهباري وراح ورّاد/ منسِّف جعوده على المتنين ورّاد

يا ريت اليحرم الرايـد من الرّاد/ يموت ولا يصير لوه ضنـى.

كاتب سوري

5