هبة الخمليشي ترسم فرحة الطفولة على جداريات أصيلة

انتهت في الخامس والعشرين من يوليو الماضي فعاليات الدورة الـ39 من موسم أصيلة الثقافي بالمغرب، موسم المحاضرات والنقاشات والجماليات بكل صنوفها وألوانها، مرّ المهرجان ككل سنة مخلّفا وراءه جداريات تحكي المغرب ومن مرّوا على أصيلة الفنون من تشكيليين محليين وعالميين عانقوا سحر الضوء على امتداد أسبوعين متصلين من الإبداع والإمتاع، ومن بين من مرّوا الفنانة المغربية “الظاهرة” هبة الخمليشي التي التقتها “العرب” وهي في حالة تجل مع جدارياتها المرحة.
الجمعة 2017/08/11
فسيفساء الطاووس

أصيلة (المغرب) – حين كانت مدينة أصيلة في ذلك المساء الصيفي تستحم بأشعة شمس أصيلها الجميل، وهي تفتتح موسمها الثقافي الدولي التاسع والثلاثين، كانت الفنانة المغربية الشابة هبة الخمليشي تلامس جدار ساحة الحناء المعروفة بدرب “القمرة” وسط المدينة القديمة، حيث مكثت ترسم أشكالها الهندسية المتناسقة في وحدة شكل وتعدد مضمون، تعبير منها عمّا يخالج نفسها من أحلام طفولة كبرت قبل الأوان، لتتجسد على لوحة تشكيلية عبارة عن جدارية زادت المنطقة الأصيلية زينة وجمالا.

وبينما هبة على حالها ذاك، منخرطة ومنسجمة مع لوحتها الفنية مقاس 4/4 م، كان والدها، مدير أعمالها، عبدالرفيع الخمليشي يرتكن إلى ركن الحائط المواجه لجدار المَشْغل الفني للفنانة، ابنته، وهي ترسم بشغف فرحها الوردي المرصع بالأسود الحبري، يتابع بدقة تفاصيل اللوحة “الجدارية” التي ستبرز كاملة بعد ساعات، وهو صامت لا يتكلم.

“إن هبة وأختها غيثة، فنانتان موهوبتان تمارسان فنهما بكل حرية واستقلالية، تخططان وترسمان، كما تشاءان”، كان هذا تعليق والد هبة وهو يصرح لـ”العرب” بمدينة الفنون بأصيلة المغربية، مضيفا إن الفن هو رسالة إنسانية لا يتحكم فيها لا الزمان ولا المكان، ولذلك قالوا “ليس للفن وطن”، إن الفن هو تعبير عن وجود الإنسان في محيطه “لكن ابنتي هبة تجاوزت محيطها إلى العالمية بالصدفة وبالاجتهاد”، يقول الأب الخمليشي.

وكانت لوحة “عوالم” التي وجدنا الفنانة هبة الخمليشي ترسم مكوّناتها بشغف، لوحة، إن صح التعبير “لا متناهية”، فهي تستدعي، وبعفوية ومهارة، رموزا من أدغال البشرية الأولى الموغلة في الرمز والسحر والأشكال الهندسية، أما الفسيفساء فعطاء قوي وبذل موفور لدى التشكيلية المغربية علمها الصبر والجلوس الطويل إلى صديقتها اللوحة لفترات دون كلل أو ملل، وعن هذا الولع يقول والد هبة “إنه حبّ هبة لفنها الذي يشدها أحيانا حتى عن الأكل، إنّ ولعها بفنها ينسيها نفسها فتنخرط كليا في عالمه”.

ولا تحسن هبة فن الكلام، كما تقول عن نفسها، ولكنها تجد ذاتها في الصباغة وتشكيل أفكارها بالرسوم، حتى وإن بدت تلك الرسوم للمتلقين من الجمهور غير مفهومة، لكنها لدى هبة مفهومة وذات معنى عميق في وجدانها، إنها وكما صرحت لـ”العرب” في أصيلة، عندما ترسم تحسّ بمتعة خاصة تجعلها تشعر بأن شيئا ما يخرج للوجود، فاللوحة عندها تشبه الفرحة البريئة لدى الأطفال.

وهبة الفنانة التي وصفها البعض من نقاد الفن التشكيلي في المغرب والعالم العربي بالفنانة “ظاهرة القارة”، ومنهم من نعتها وأختها غيثة بـ”الأخوات وليامز”، في الفن طبعا وليس في لعبة كرة المضرب، فنانة ترسم ولا تكاد ترى أثناء اشتغالها شيئا غير خصلة الفرشاة المغموسة في

الصباغة تسافر بسرعة نحو هدف رسمها للشكل المراد، قبل أن تضيع فكرته في زحمة عشرات الأشكال التي تتوارد على عقل وعين الفنانة المبدعة، والفن عندها له إحساس بالوجود، إن لم يكن هو الوجود ذاته.

17