هبة السويدي راعية نساء مصر في مواجهة الحروق وكورونا

مؤسسة ومديرة جمعية "أهل مصر" هبة السويدي صبّت اهتمامها على الأعمال الخيرية ومشروعات خدمة المجتمع لإيمانها بأن السعادة المثلى هي في تخفيف الأوجاع.
الخميس 2020/07/16
"أم الثوار" شخصية خيرية تعيش من أجل الآخرين

يبقى الشعر مفتاحا فريدا للوصول إلى عوالم إنسانية بعيدة، تبدو غامضة أو متخيلة. لا نصدقها للوهلة الأولى من فرط حسنها، فنتصور أنها محض مبالغة، لكن البحث والسؤال والتتبع يجعلنا ندرك أن الخير باق في البشر، رغم غابات القبح المتسعة.

ولا تغيب عنا قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش “فكر بغيرك” ونحن نحاول رسم صورة لشخصية خيرية، غيرية، تستهدف الآخرين، تعيش لهم، وتعمل من أجلهم. يقول درويش في  قصيدته ناصحا بني الإنسان: وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيرك، لا تَنْسَ قوتَ الحمام، وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيرك، لا تنس مَنْ يطلبون السلام، وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ، مَنْ يرضَعُون الغمام“.

هكذا تفعل المصرية هبة السويدي، مؤسسة ومديرة جمعية ”أهل مصر“. هي واحدة من أولئك الذين رأوا الظلام فكرهوه، لكنهم لم يكتفوا بلعنه، بل دعوا الناس إلى أن يحذوا حذوهم، مؤمنين بأن السعادة المثلى هي في تخفيف الأوجاع، وبعث السرور في نفوس المتجهّمين.

نموذج مختلف

السويدي تقدم نموذجا عمليا في العمل على خدمة الناس وأداء دور اجتماعي واسع، بما يتجاوز ذلك الدور الذي تلعبه سيدات الأعمال ونجوم مجتمع المشاهير
السويدي تقدم نموذجا عمليا في العمل على خدمة الناس وأداء دور اجتماعي واسع، بما يتجاوز ذلك الدور الذي تلعبه سيدات الأعمال ونجوم مجتمع المشاهير

تقدم السويدي نموذجا عمليا وحقيقيا في العمل على خدمة الناس ومساعدة المحتاجين وأداء دور اجتماعي عظيم، يتجاوز ذلك الدور الذي تلعبه سيدات أعمال ومجتمع المشاهير الذي يتمثل في الظهور في حفلات الروتاري، وشغل أغلفة مجلات النخب، والإطلال عبر شاشات الفضائيات ليلا ونهارا، للحديث في كل شيء، وأي شيء.

تنتمي السويدي إلى عائلة ثرية شهيرة، عمل الكثير من أفرادها في مجال الصناعة، والتجارة والمقاولات، وحققوا نجاحات عظيمة وثروات طائلة. ولدت عام 1973، وكان والدها هلال السويدي رجل أعمال معروفا، أما والدتها فسعودية الجنسية، ما جعلها تعيش سنواتها الأولى في المملكة العربية السعودية، حيث درست هناك الاقتصاد. تخرجت من جامعة الملك عبدالعزيز سنة 1995، قبل أن تقترن بابن عمها رجل الأعمال أحمد السويدي وتنجب منه أربعة أبناء، ثلاثة ذكور، هم: محمود وإسماعيل ويحيى، وبنت واحدة هي خديجة.

لم تمارس أعمال التجارة أو الاستثمار منذ تخرجها في الجامعة. صبّت اهتمامها على الأعمال الخيرية ومشروعات خدمة المجتمع، لكن إحجامها عن الظهور في الإعلام لعدة سنوات جعلها تبدو شخصية غير معروفة مجتمعيا.

ظل ذلك سائدا حتى عام 2011، فمع احتجاجات الربيع العربي بنسختها المصرية بدأ بعض النشطاء والساسة يتداولون اسمها باعتبارها سيدة داعمة ومساعدة للشباب المصاب، حيث كانت تتحمل مصروفات علاج الكثير من المصابين من الشباب حتى أنهم أطلقوا عليها لقب “أم الثوار”، وكتب عنها أكثر من ناشط سياسي مشيدا بنبلها ونقائها ووطنيتها.

إذا كان رموز مجتمع الأعمال المصري على وجه التحديد يواجهون نفورا شعبيا بسبب التصور السائد بتجاهلهم هموم المجتمع الذي يعيشون فيه، خاصة أن معدلات الفقر في مصر تتجاوز 32 في المئة، فإن هبة السويدي بما قدمته لأسر المصابين خلال الثورة، وما ساهمت فيه من مشروعات خيرية كثيرة في ما بعد، كانت استثناء لدى معظم منتقدي مجتمع الأثرياء.

اعتبرها منتقدو التفاوت الطبقي في مصر نموذجا نادرا لالتفات الطبقات العليا واهتمامها وتكافلها مع الطبقات الأدنى في المجتمع. تبدو الوحيدة تقريبا بين نساء النخبة التي تكون حاضرة في أي مشروع خيري أو تنموي يساهم في خدمة الفقراء والمحتاجين. وهي تستجيب لكافة دعوات المجتمع المدني بمصر لمواجهة الكوارث والأزمات، داعمة بالوقت ومشجعة بالكلمة والمال لأي عمل إغاثة إنساني في مصر أو على النطاقين العربي والأفريقي.

أهل مصر

السويدي هي واحدة من أولئك الذين رأوا الظلام فكرهوه، لكنهم لم يكتفوا بلعنه، بل دعوا الناس إلى أن يحذوا حذوهم
السويدي هي واحدة من أولئك الذين رأوا الظلام فكرهوه، لكنهم لم يكتفوا بلعنه، بل دعوا الناس إلى أن يحذوا حذوهم

بدت السويدي كنموذج رائد يسعى إلى الاستدامة، بعد تأسيسها مؤسسة “أهل مصر” سنة 2013، حيث ولدت المؤسسة كجمعية أهلية عامة لعلاج حوادث الحروق والوقاية منها بالمجان.

حددت المؤسسة هدفها الأول في إنشاء مستشفى “أهل مصر” لعلاج ضحايا الحوادث والحرائق وتجهيزه بكافة المعدات الطبية اللازمة لذلك. وتقدر أعداد ضحايا الحروق سنويا في البلد الأكبر في عدد السكان عربيا بنحو 250 ألف شخص، بعضهم يفقد حياته، والبعض الآخر يعيش حياة بائسة ما تبقى من عمره بسبب ضعف العلاج المقدم.

لذا كان من الضروري وضع مشروع متكامل لإنقاذ الضحايا، وهو ما نجحت فيه المؤسسة بشكل لافت، ولم تكتف بذلك إنما مدت خدماتها إلى الوقاية المبكرة للأفراد من التعرض للحروق من خلال توعية مجتمعية مدروسة يتم نشرها بشكل منهجي. ويمثل المستشفى أكبر مركز متخصص لعلاج الحروق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يمتد بحي التجمع الخامس، في شرق العاصمة على مساحة ضخمة تصل إلى عشرين ألف متر مربع، ويتبنى حملة تبرعات وتكافل ضخمة لضمان توفير خدمات العلاج لكافة المعرضين للحروق في المناطق الشعبية المكتظة بالسكان في مصر.

لم تظهر السويدي كمساهمة وداعمة ومديرة للمشروع فقط، إنما امتد دورها لتشجع وتخطط وتبشر بتوسعات المشروع وتمد خدماته شرقا وغربا في مصر، وتضيف محاوره وخدماته طولا وعرضا، حتى أنه لم تمر أيام قليلة على ظهور أول حالات الإصابة بفايروس كورونا المستجد في مصر إلا وقررت المؤسسة إضافة فريق عمل جديد ضمن فرق عملها، مهمته دعم جهود توفير العلاج اللازم لمصابي الوباء.

بالفعل بدأت المؤسسة في توفير أجهزة تنفس اصطناعي، وأجهزة أشعة للمستشفيات الحكومية، ثم تجاوزت ذلك لتخصص ثلاثة مبان تابعة لها ويتم تحويلها إلى أماكن عزل جديدة لمرضى كورونا. وقالت هبة السويدي عن ذلك “إن واجب الجميع الآن يحتم استغلال كافة الإمكانات المتاحة للحد من الوباء الخطير”.

في 9 يونيو الماضي، كتبت السويدي على صفحتها على موقع فيسبوك تشكر كل أعضاء فريق العمل بمؤسسة “أهل مصر” رجالا ونساء، وموظفين ومتطوعين، وداعمين ومشجعين، والذين عملوا بجد وتفان على مساعدة المحتاجين والبسطاء خلال الظروف الصعبة التي يعاني منها المجتمع جراء تفشي كوفيد – 19 المستجد.

بتلك العقلية المتحمسة والروح الوثابة للعطاء التي تحلت بها لم يكن غريبا أن يقرر اتحاد المستشفيات العربية في مارس الماضي منحها جائزة القيادة لدعم المريض العربي، بحضور عدد من وزراء الصحة العرب. كما تم اختيارها عضوا بمجلس إدارة الاتحاد، وهي عضوية يتم منحها لمن قام بتقديم النموذج الأمثل للمشروعات من الشخصيات المتميزة في عالم الصحة، وتسليط الضوء على المبادرات والأعمال والمشروعات الرائدة في هذا المجال، بما يساهم في تعزيز جودة خدمات قطاع الرعاية الصحية في الوطن العربي.

دعم المرأة

مؤسسة “أهل مصر”، بتأسيسها لمستشفى خاص بها، تحدد هدفا أول يتمثل في علاج ضحايا الحوادث والحرائق، بعضهم يفقد حياته بسبب ضعف العلاج المقدم
مؤسسة “أهل مصر”، بتأسيسها لمستشفى خاص بها، تحدد هدفا أول يتمثل في علاج ضحايا الحوادث والحرائق، بعضهم يفقد حياته بسبب ضعف العلاج المقدم

لم تكتف السويدي بالخدمات الصحية، إذ رأت أن دعم المجتمع يستهدف في أساسه دعم المرأة، وأنه لا تنمية حقيقية للمجتمع بعيدا عن مساندة نصفه الأهم، وهي المرأة، وتوفير الحياة الكريمة لها، ما دفعها إلى إنشاء برنامج بعنوان “ستات مصر” يعمل على توفير فرص العمل للنساء المعيلات من خلال برامج لتدريبهم على الصناعات اليدوية، وآخر لتسويق أعمالهم اليدوية المنتجة عبر منافذ تسويق فعالة. في كل ذلك تحاول التواصل الدائم مع الناس عبر الحوار المباشر مع الجمهور من خلال صفحتها الخاصة، التي تستقبل طلبات وشكاوى ومساهمات تطوعية بشكل يومي، وتعليقات واستفسارات ومقترحات من جمهور واسع، يجد في أعمال سيدة المجتمع أهدافا تنموية حقيقية وليس استعراضا دعائيا.

تلقت برحابة صدر تحفظات بعض الناس على إعلانات مؤسسة “أهل مصر” خلال شهر رمضان الماضي، عندما عرضت قصصا لضحايا الحروق، وكتبت وقتها على صفحتها تشكر كل من انتقد الإعلانات دون تهكم أو سخرية، واعتذرت إن كانت طريقة نشر تلك القصص آذت مشاعر البعض أو تسببت في ضيقهم، غير أن كافة تلك القصص حقيقية، والهدف من ذلك تعريف الناس بما يحدث في مناطق وأحياء لا يستطيع سكانها تحمل تكاليف العلاج من الحروق، فيفقدون حياتهم.

إذا كان البعض يتصور أن التفاني في العمل الخيري لدى السويدي مرده تعرضها لمحنة إنسانية شديدة الوطأة في أغسطس سنة 2015، ربما يستند هؤلاء إلى مقولة كازانتزاكيس الشهيرة بأن “الطريقة الوحيدة لتخليص نفسك هي مساعدة الآخرين” للتأكيد على استنتاجهم، فإن هؤلاء يتناسون أن مشروعات الخير لديها تسبق محنتها الكبرى، وتعاصرها، ثم تليها، ما يعني أن فعل الخير نسق دائم في حياتها، ولا ينطلق تأثرا من وجع إنساني مباغت. فقدت السويدي في تلك المحنة فلذة كبدها، ابنها الأوسط إسماعيل، وهو في الثامنة عشرة من عمره. فجأة ودون مقدمات رحل الصبي بعد رحلة اكتئاب خاطفة انتهت بشنق نفسه، بكته الأم كصديق وليس ابنا، كإنسان نقي بريء يفكر ويتأمل في الكون ويسأل ويبحث عن السعادة، وكمراهق غض ما زال يخطو عتبات البكارة النفسية والبراءة الروحية.

السويدي تحرص على استمرار الحوار المباشر مع الجمهور من خلال صفحتها الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تستقبل طلبات وشكاوى ومساهمات تطوعية بشكل يومي

صمتت الأم سنوات دون أن تعلق على الحادث، أو ترد على بعض الصحف التي راحت تضفر الوقائع وتزيد عليها وتبحث في أسباب الانتحار طلبا للمشاهدات والزيارات الإلكترونية، ولم تلتفت سيدة الخير إلى الثرثرة الموجعة حولها، أو تقبل أن تجرجر إلى وحل القيل والقال، ركزت جل اهتمامها على ابتلاع المأساة وطلب المغفرة لابنها الذي تعرض لاكتئاب غريب. علمت السويدي أمهات عديدة في العالم العربي، أن يصبرن على قضاء الله، وبعد أن امتصت آلام الفقد قبلت الحديث في أحد البرامج الحوارية عن الحادث الأليم لتقول إنها سلمت الأمر كله لله، وتفتقد في ابنها قلبا طيبا، وتبتهل لله طلبا لرحمته، وتسأله أن يمنحها الصبر والقوة والصلابة لتواصل رحلتها مع الناس، ومن أجلهم.

محنة هبة السويدي التي تجاوزتها بشجاعة تبرز كدليل واضح على أن الوجع الإنساني لا يقتصر على الفقراء والمعدمين وحدهم، فكثير من الأثرياء يعانون ويتألمون ويحزنون، لكن الأصلب منهم يخرج من محنته معافى، أكثر إيمانا وأكثر تحمسا لفعل الخير وشكر الخالق.

12