"هبة رجل الغراب" تمصير رديء لنسخة أجنبية ناجحة

تمصير المسلسلات الأجنبية، أي تحويلها إلى مسلسلات مصرية، ينبغي أن يتم بمنتهى المهنية والحرص والمهارة، خاصة في ما يتعلق بكتابة السيناريو وإلا جاء العمل مشوّها ينزع من الكوميديا حلاوتها ويثير ملل المشاهدين فيضطرون إلى تجاهله، ومسلسل “هبة رِجل الغُراب” لم ينجح صانعوه في إدراك “سر الصنعة” فافتقد إلى الجاذبية والتشويق، خاصة في جزأيه الأخيرين.
الخميس 2017/03/09
إيمي سمير غانم تفوقت على ناهد السباعي في أداء دور "هبة"

لازم المسلسل المصري “هِبة رِجل الغُراب” الذي يُعرض موسمه الرابع حاليا بإحدى القنوات الفضائية منذ الجزء الأول الضعف في مستوى الكتابة المكتظة بالتطويل والتمطيط بشكل مفرط، إلى الحد الذي

ضيّع فرصة الاقتراب من جودة النسخة الأجنبية “بيتي القبيحة” المأخوذ عنه المسلسل المصري.

ويقوم البناء الدرامي لمسلسل “هبة رجل الغراب” بالأساس على فكرة القُبح، إذ البطلة فتاة ليست جميلة ولا تهتم بمظهرها الخارجي وما ترتديه من ملابس يدعو للسخرية والانتقاد، رغم تميزها الكبير في أداء عملها “كمحاسِبة” تجيد الحسابات والمهارات الرياضية المعقدة إلى حدّ “العبقرية”.

قُبح المظهر الخارجي للبطلة جعل الآخرين بالشركة يستبدلون اسمها الأصلي “هبة عبدالعزيز النجار” باسم آخر ساخر ومُهين، هو “هبة رِجل الغراب” إمعانا في التعبير عن قبح هيئتها، من حيث تشبيهها بالغراب المعروف بسوء شكله.

في الجزء الأول من المسلسل رأينا هِبة التي تم قبولها للعمل في أحد فروع شركة الأزياء العالمية “إيكو مودا” في مصر، وخلال وجودها في هذا العالم الجديد عليها تكتشف حياة أخرى وتكتسب صداقات مع زميلات لها في الوظيفة يطلق عليهن صانعو المسلسل “شِلّة الضايعين” (الضائعين).

تركيبة شخصية "هبة" في الجزء الرابع لا تتفق مع طبيعة أداء ناهد السباعي التي اشتهرت بأداء أدوار بنت البلد الشعبية

شراكة جديدة

مع تتالي الأحداث، وفي الجزء الثاني يعتمد “أدهم” رئيس العمل وصاحب الفرع، (والوسيم جدا)، على هبة التي أصبحت نتيجة لكفاءتها المساعدة الأولى له في جميع التفاصيل التي تخص الشركة التي تركها والده أمانة لديه ليقوم بإدارتها.

ومع ذلك يضطر مع تراكم الديون على صاحب الشركة لتكوين شركة وهمية (من الباطن) ترأسها هبة وتحمل اسم “تيرا مودا”، كنوع من الإبقاء على اسم الشركة في السوق حال إفلاس وبيع الشركة الأساسية.

الشركة الجديدة تدخل إذن فتشتري القديمة المفلسة، وهنا يبدأ خط درامي آخر بالمسلسل يتمثل في أن أدهم يوهم هبة المسكينة الساعية للحب، بأنه يحبها ويهيم بها غراما، على غير الحقيقة، فتصدقه في البداية، لكنها ما تلبث أن تكتشف خدعته في نهاية الجزء الثاني من المسلسل. وفي الجزء الثالث تظل هبة هي الأخرى تلعب لعبة “إيهام” أدهم بأنها تصدقه، وبأنها لا تعرف نواياه الحقيقية، مع أنها تعرف، ثم يأتي الجزء الرابع لتتخذ البطلة قرارها بكشف اللعبة وتبدأ في التمرد على هذا “الحبيب الكاذب”، بل وفي التمرد على نفسها وشكلها وسلوكها القديم وتأخذ في تغيير هيئتها.

ويدرك المتابعون للمسلسل من البداية أن هذا التمرد جاء متأخرا جدا، نظرا لأن أحداث الأجزاء الثلاثة الأولى كانت تستدعي حدوثه منذ فترة طويلة، إلا أن التأجيل كان هدفه تقديم المزيد من الحلقات دون أيّ داع، وهكذا شعر المشاهدون بقدر ليس قليلا من الملل.

والحقيقة أن الأحداث التي وردت في الأجزاء الأولى لم تتضمن مسارات للجذب أو التشويق، ورأينا المسلسل يمتلئ بمشاهد “خناقات” وشجارات تافهة بين سيدات “شلة الضائعين”، ومقالب مصطنعة غير مقنعة تحيكها “بيري” صديقة خطيبة صاحب الشركة وهي سكرتيرة جميلة وفاشلة في عملها، فتلجأ إلى التخفي وراء تلك المقالب السخيفة لإخفاء عجزها.

ورأينا مشاهد أقحمها صانعو العمل على الأحداث دون أيّ ضرورة درامية، منها مثلا، الجمع بين أدهم وخطيبته “فريدة” في المنزل وهما يشربان الخمر أكثر من مرة، أو تكرار مواقف سخرية “هادي” مصمم الأزياء بالشركة من “هبة رجل الغراب”، علاوة على تفاصيل أخرى كثيرة خلت من أيّ حس كوميدي أو فكاهي.

والمسلسل، خاصة في جزئه الرابع، لا يصدق عليه إلا وصف واحد، هو “الافتعال” والخلوّ من المغزى الإنساني الحقيقي عند هذه الشخصية “القبيحة” من الخارج، لكنها ثرية جدا في داخلها، مع أنه كان بالإمكان تقديم هبة بشكل أكثر إقناعا، خاصة أمام مفارقة وقوع امرأة ليست جميلة في حب رجل في منتهى الوسامة.

وحتما، لن يمنع المتفرّج نفسه من المقارنة بين شخصية هبة في هذا المسلسل وشخصية “نجيبة” التي قدمتها الممثلة ياسمين عبدالعزيز في فيلمها “الثلاثة يشتغلونها”، والذي رغم خُلوّه من الحس الكوميدي، إلا أنه عالج بنجاح قضية استغلال طيبة قلب الفتاة من أكثر من رجل، أحدهم طالب فاشل يريد الحصول على مجهودها في الدراسة، والثاني يدّعي الثورية بينما هو فاسد الأخلاق بالأساس، والثالث رجل دين مزواج.

المسلسل لم يظهر جمال روح شخصية "هبة" واكتفى فقط برصد فكرة القبح التي سببت عقدة للفتاة

جمال الروح

الأمر اختلف في “هبة رجل الغراب”، حيث لم يُظهر لنا المسلسل جمال روح هذه الشخصية واكتفى فقط برصد فكرة القبح التي سببت عقدة للفتاة، وكان من الأجدى أن يخرج المؤلف من نطاق الشركة وحب الموظفة لرئيسها ليرصد نظرة أوسع للمجتمع الذي يحقر ويزدري هذا النوع من الشخصيات.

التمطيط والتطويل اللذان وقع فيهما صُنّاع العمل سعيا لجذب قدر أكبر من المشاهدة الجماهيرية، من خلال تقديم أجزاء كثيرة أفسدت متعة المشاهدة على الرغم من اللجوء إلى تغيير شكل البطلة في الجزء الأخير.

ولا شك سيتبادر إلى ذهن المتفرج سؤال لا يحتاج إلى ذكاء كبير، وهو كيف تم التغيير بهذه السرعة؟ وكيف يمكن لفتاة عاشت طول عمرها بهذه الصورة “القبيحة” أن تصبح جميلة جدا هكذا في نصف حلقة؟ إنه الافتعال عندما يصحبه الارتجال.

أزمة سيناريو العمل الذي أعدّه السيناريست شريف بدر الدين، المشرف على الورشة التي كتبت المسلسل، تمثلت في أنه قدم هذا “التكثيف” وتغيير شخصية البطلة في نقلة درامية قصيرة وسريعة وغير مقنعة، وكان من الضروري أن يبدأ السيناريست في تهيئة المشاهدين لهذه النقلة من منتصف الجزء الثاني على الأقل بدلا من ذاك الضعف الذي رأيناه.

كيف يمكن الاقتناع بتحوّل هبة إلى شخصية مختلفة تماما في طريقة حديثها وتصرفاتها وسلوكها وملابسها الأنيقة وعلاقتها بالجنس الآخر، خلال تلك الفترة الزمنية شديدة القصر؟ ثم كيف يريدنا صُنّاع المسلسل، أن نقتنع بوقوع مراد (الثري شديد الوسامة)، وهو شخصية أضافها السيناريست في الجزء الرابع، في حب هبة من أول نظرة، بينما هو لا يعرف عنها شيئا؟

وما معنى قوله “أحببت فيها شخصيتها من الداخل”؟ ولماذا حصر كُتّاب السيناريو أنفسهم في عالم الشركة المغلق وحده، ومن ثم ضيعوا على أنفسهم الاندماج في العالم الأرحب الموجود خارجها، خاصة بالنسبة إلى شخصية هبة؟

ولم تكن تلك هي الأزمة الوحيدة، بل كانت هناك أزمة أخرى تتمثل في تغيير البطلة والفنانين الآخرين المشاركين في المسلسل، حيث المشاهد كان قد تعلّق بالفنانة إيمي سمير غانم في الجزأين الأول والثاني، لكنها بعد ما حققته من نجاحات بالسينما مع شريكها الفنان (وزوجها في ما بعد)، حسن الرداد، قررت ترك المسلسل، وبالتالي، عندما أتت الفنانة ناهد السباعي كبديلة لها وقامت بالبطولة لم تستطع تحقيق الجاذبية الجماهيرية التي حققتها إيمي، ربما باستثناء حلقة واحدة، هي حلقة التحول في الشكل التي انتظرها الكثيرون.

اختيار الفنانة ناهد السباعي لاستكمال أجزاء العمل كان أمرا سلبيا سواء بالنسبة إلى رصيدها هي شخصيا أو إلى المسلسل ككلّ، لأن تركيبة الشخصية لا تتفق مع طبيعة أداء السباعي التي اشتهرت بأداء أدوار بنت البلد الشعبية، وبالتالي كانت مجرد “كاراكتر” (شخصية) خالية من الروح، مع أن ناهد تعدّ من أفضل ممثلات جيلها في مصر هذه الأيام.

“هبة رجل الغراب” بأجزائه الأربعة عمل لم يضف بصمات في الأعمال الممصرة أو تلك التي كانت المرأة فيها البطل، وكان الإصرار على التمطيط والتطويل والزجّ بتفاصيل لا طائل من ورائها سببا لفقده الكثير من مقومات الجذب، بينما كان بإمكانه أن يصبح نقلة مهمة في طرح قضايا المرأة المعاصرة.

16