هبة عزّت الهواري: نعيش أزمة حقيقية في الكتابة النقدية التشكيلية

الناقدة التشكيلية هبة عزت الهواري تشير إلى أن الناقد يحتاج إلى عدة روافد لبناء شخصيته النقدية بالإضافة إلى الموهبة والأهم هو توفّر المنصات لنشر مشاركاته.
الأربعاء 2020/10/21
الفن التشكيلي المصري المعاصر تجاوز الحدود القديمة (لوحة للفنانة مي رفقي)

تتمتع الساحة التشكيلية المصرية بثراء يتجلى في اتساع التيارات والمدارس الفنية التي يشتغل عليها الفنانون المصريون، وزخم المعارض الفردية والجماعية سواء منها ما يقام في إطار رسمي أو خاص، لكن هذا المشهد يطرح الكثير من التساؤلات حول الحراك النقدي المتابع لهذه التجليات. هذه التساؤلات طرحتها “العرب” في حوارها مع الناقدة التشكيلية هبة عزت الهواري.

الناقدة التشكيلية المصرية هبة عزت الهواري هي عضو بالمجلس الأعلى للثقافة، وقد صدر لها عدد كبير من الدراسات النقدية والأبحاث العلمية المحكّمة والعشرات من المقالات النقدية في عدد من الدوريات الثقافية، كما حاضرت في عدد من الأماكن الثقافية وشاركت في تحكيم مسابقات قطاع الفنون التشكيلية، ومن مؤلفاتها “الحركة الفنية التشكيلية المصرية”، و”أرواح مصرية في جسد التشكيل”.

تكشف الهواري لـ”العرب” أن الحياة التشكيلية المصرية شهدت تغيرا شاملا في مفردات لغة التعبير الفني، يعود إلى تأثر الثقافة بالتغيرات السياسية والاجتماعية في العالم ومصر. فالتغيرات الاجتماعية تتشكل في صور مختلفة للإنتاج الإبداعي، وحتى لو لم تدرك هذه الأجيال أنها تقع تحت تأثير التغير، فإنها تنتج ما يتوافق ويعبر عنه، سواء كان تعبيرا مباشرا أو غير مباشر، وسواء أتى هذا التغير الفني متزامنا مع التغير الاجتماعي أو متأخرا عنه.

نهضة تشكيلية

النقادة هبة الهواري

 تقول الناقدة “كما نعلم فإن ظاهرة التغير الإبداعي لا تأتينا عبر العقود في صورة مع أو ضد، أو أبيض وأسود، وإنما تكون كمتصل كمي متدرج، يتراوح فيه التأثير والتأثر من أقصى صور الوضوح إلى أقصى مناطق الإظلام، وقد تحتوي طفرات أو نقاطا حيوية مفصلية، ونحن إذ نفكر في ظاهرة التغير الفني وارتباطه بتغيرات المجتمع في مصر، نقرأ ونرصد وجه الحياة النابض في إطار الوعي النشط وليس المختبر الثلجي المنعزل”.

وترى الهواري أن الفن التشكيلي لم يكن غريبا عن المجتمع المصري في أي من مراحله، فالإنسان المصري مرتبط بذاكرة بصرية ـ تشكيلية ومعمارية ـ منذ العصور القديمة، وتسكن وعيه مشاهد من التصوير الجداري والنحت والحفر والخزف من روائع الفن المصري القديم والقبطي والبطلمي والإسلامي بجميع مراحلها وتغيراتها، إذن ليس من الحق في شيء أن ندعي بأن المتلقي المصري غريب عن الفنون أو لا يستطيع تلقيها أو التفاعل معها.

وتوضّح لـ”العرب” أن المشكلة تكمن في أزمة التواصل الإعلامي وندرة الثقافة المكتوبة عن الفنون التشكيلية، وأحيانا تكمن في فشل عملية التواصل مع المجتمع لخلل ما في استخدام الشفرة الثقافية في عملية الاتصال مع الجمهور، مشيرة إلى انتشار كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية والتربية الفنية والنوعية الإقليمية في مصر بكثرة، وهو ما يكوّن من الطلبة وأسرهم جمهورا جديدا للفنون التشكيلية المصرية.

وترى الهواري أنّ الحركة التشكيلية تشهد نهضة في كافة مجالاتها، وتشير في حديثها إلى أن على الساحة العديد من الفعاليات الفنية التشكيلية التي تتبناها الدولة وتدعمها مثل المعرض العام للفنون التشكيلية وصالون الشباب وبينالي القاهرة، وسيمبوزيوم النحت الدولي بأسوان، وسيمبوزيوم التصوير الدولي بالأقصر، وصالون الأعمال الصغيرة، وكذلك بعض الفعاليات التشكيلية التي كانت قد تعرضت للتوقف مثل بينالي الخزف وترينالي فن الحفر أو تلك التي تم استحداثها كصالون النسجيات وغيرها.

مصر

وتتابع “كذلك تشهد الحياة الثقافية نهضة على مستوى قاعات العرض التشكيلية التابعة لجهات خاصة والتي يقوم بعضها بدور ثقافي مهم، كما يتناول العديد من الفنانين المصريين الفن التشكيلي من منطلق مفاهيمي، حيث تنوعت الرؤى واختلفت الأساليب، وانطلقت الفنون جميعا لتتحد، مناهضة للتقنيات والتقاليد والنظرة المسبقة، من هنا جاء معهم الفن التشكيلي المصري المعاصر، رافضا للمناهل القديمة، والاحتكار الفكري أو الشكلي”.

وتشدد الناقدة على أن اللوحة أو التمثال أو الآنية الخزفية لم تعد أعمالا ثنائية الأبعاد فقط، بل انتقلت إلى الاشتغال على الفكرة أو المفهوم، لما يمكن أن يؤدي بنا إلى تجاوز تلك الحدود القديمة، ومن خلال هذه الرؤيا تعتمد أعمال الفنانين المصريين المعاصرين على كون فكرة العمل هي القائد والمحور لكل ما هو إبداعي وجديد، بهدف إنتاج أعمال ذات طابع مفاهيمي، تسعى إلى الاستعانة بكافة المعطيات التكنولوجية للعصر وتسهم في التفاعل بين الفنان المبدع والمتلقي.

ممارسة تفاعلية

تقول الهواري “إننا نستطيع أن نلمس نوعا من السعي نحو التواصل مع المجتمع، وتغيير الصورة النمطية السلبية التي سادت عنه في مراحل تاريخية سابقة. وهذه الخطوة ليست أحادية، بل تمتلك عدة تجليات متشعبة، تسري بشكل أفقي عبر المجتمع المصري كله، وتنبع من نقاط متباعدة من الإشعاع الثقافي في اتجاه المجتمع في المدن الرئيسية والمدارس والتجمعات الثقافية المختلفة، في توجه يسعى إلى الفكاك من صورة الفنان التشكيلي المرتبط بالنخبة والمنعزل في برج عاجي وينطق بطلسمات لا يفهمها غيره وصفوته، ولعلماء النفس تفسيرات تعضد ذلك الاتجاه وتفسره”.

تشكيل

وترى الناقدة أن عملية بناء الإنسان المصري الجديد مهمة ثقافية في غاية الخطورة في ظل توجه المجتمع المصري لدعم التنمية الثقافية المستدامة برعاية الدولة، وكذلك منظمة الأمم المتحدة، وشخصية الأستاذ المعلم تمثل ذلك المحرك الثقافي الذي يدعم الحركة الثقافية في مجتمعه ويقودها إلى الأمام، ويمثل تلك القدوة التي نحلم بأن ينشأ في رحابها أبناؤنا، ويعيد إلى أذهاننا مفهوم الأستاذ الملهم الذي يكون له الدور الفريد في تفجير الموهبة.

من جانب آخر تشير الهواري إلى تعدد الفعاليات المصرية في الفن التشكيلي، مثل مسابقة النقد التشكيلي التي تقيمها جمعية محبي الفنون الجميلة، وجائزة الفنان أحمد نوار لفنون الشباب، التي تقام سنويا، وجهود الفنان نبيل درويش في تطوير منطقة الفواخير بمصر القديمة ومركز الفسطاط والمهرجان الثقافي السنوي لمؤسسة الفنان التشكيلي سعد زغلول لرعاية الفنون والحرف التقليدية بمحافظة أسيوط 2011، وجائزة “آدم حنين” لفن النحت لشباب مصر والعالم العربي، وغيرها من الجوائز والتجارب والمبادرات.

أزمة الكتابة النقدية

التغيرات الاجتماعية تتشكل في صور مختلفة للإنتاج الإبداعي (من أعمال التشكيلية مي رفقي)
التغيرات الاجتماعية تتشكل في صور مختلفة للإنتاج الإبداعي (من أعمال التشكيلية مي رفقي)

تقول الهواري لـ”العرب” إن هناك أزمة حقيقية في الكتابة النقدية، سببها عدم توافر المساحات الإعلامية التي تتم من خلالها عملية المتابعة النقدية، هناك بعض الصحف والمجلات كانت توجد بها مساحات مخصصة للكتابة والمتابعة النقدية، ثم تم تقليص هذه المساحات وانتقاصها أو إلغاؤها على حساب الثقافة التشكيلية ولحساب المساحات الإعلانية، كما أن مسألة الصحف الورقية نفسها أصبحت محل تراجع بعد انتشار وسائل التواصل الإلكترونية وتحول العالم إلى التكنولوجيا.

وتوضح لـ”العرب” أنه ينبغي أن نفرق بين فن الكتابة النقدية التشكيلية وفن الكتابة الصحافية، إذ يحتاج الناقد إلى عدة روافد لبناء شخصيته النقدية بالإضافة إلى الموهبة، والأهم هو توفّر المنصات الكافية التي تستوعب نشر الكتابات النقدية، وهنا تجدر الإشادة بجهود الفنان د.أشرف رضا والمؤسسة التي يقوم عليها في نشر وطباعة أعمال من الدراسات النقدية التشكيلية وتاريخ الفن المصري المعاصر.

مصر

وتشير الهواري إلى أن عدد النقاد وعدد المشاركات النقدية التشكيلية لهم لا يتناسب مع حجم الأنشطة التشكيلية الغزيرة في مصر، ولذلك لا يمكننا أن نقول إن الذين يكتبون في النقد التشكيلي والمتابعة الصحافية يمثلون حركة نقدية متكاملة ولكنها جهود فردية شاقة تقوم بها مجموعة من النقاد والفنانين المخلصين لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين وهم يقومون بإنجاز مشروعاتهم البحثية والنقدية ومؤلفاتهم في ظل أصعب الظروف، ولذلك سعت جمعية محبي الفنون الجميلة برئاسة الفنان أحمد نوار إلى تأسيس مسابقة وورشات عمل متخصصة في النقد التشكيلي تقوم بها مجموعة من النقاد التشكيليين المصريين لإنتاج جيل جديد يتميّز بالموهبة الكتابية والذائقة التشكيلية السليمة والثقافة الواسعة.

وتلفت هبة الهواري إلى أن المعايير الأساسية في ما يخص الكتابة النقدية التشكيلية تتمثل في أن يكون الناقد الفني مثقفا عارفا بأدوات عمله، ممتلكا للقدرة النقدية، والعقل النقدي، الذي يبوح بموقف واع من الفن ومن الحياة عموما ويمتلك ناصية الإتيان المقنع ببراهين وأدلة تصنع جسرا بينه وبين عقلية القارئ.

16