هبة قطب أكاديمية تحارب الجهل وسط معركة تنوير حرجة

الأكاديمية هبة قطب أحاطت نفسها بهالات من الضوء لتتمكّن من معالجة أكبر قدر من المشكلات الحياتية، ليبدو الجنس السبب الرئيسي فيها.
الخميس 2019/02/21
هبة قطب تتمتع بطاقة كبيرة لجذب المزيد من الأضواء

كلمة الجنس ظلت طويلا صندوقا مغلقا لا يُسمح لأحد بمعرفة محتوياته. بقيت كلفظة محرّمة إلا داخل غرف النوم، تحاشاها الأدباء والإعلاميون، واستعاضوا عنها بشبكة من المعاني القريبة، مثل الغرام والوجد والهيام والصبابة والتيم والكلف وممارسة الحب، إلى أن ظهرت الأكاديمية هبة
قطب، المعالجة للأمراض الجنسية في مصر، فلم تكتف بتناول تابوهات الجنس على شاشات الفضائيات بل طالبت بتدريسها منذ الصغر.

عندما سمع الناس بقطب للمرة الأولى، وكانت حينها تعمل على نشر الثقافة الجنسية، أحدث ذلك هزّة مجتمعية قوية، وتبارت الصحف والمواقع الإلكترونية في كتابة عناوين عن فضيحة أخلاقية، ودخلت التيارات الإسلامية على الخط بالتحذير من انحلال أخلاقي بظهور امرأة تتحدث عن أمور “تشجع الرذيلة”، وانهالت البلاغات ضدها إلى النيابة العامة، رغم حديثها عن معلومات موجودة في الكتب منذ قرون وتغييرها طريقة تقديمها فقط، لتخرجها من أرفف المكتبات وتضعها على أمام الجمهور.

وقد ساهمت تلك الضجة في إكساب قطب، المتخصّصة في علوم الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية بجامعة القاهرة، الطاقة على الاستمرار، وجذب المزيد من الأضواء، لتغيّر تخصّصها الأصلي وتتخذ من رسالتها العلمية عن الجوانب الطبية والقانونية من الاعتداء الجنسي على الأطفال عام 2000 بابا للتعمق حول الجنس، والحصول على درجة دكتوراه ثانية عام 2004 من الأكاديمية الأميركية لعلماء الجنس السريري في ميامي.

بوابة الجنس وما خلفها

تحمل قطب حاليا سيرة تتماهى مع سنوات عمرها كأول معالجة للأمراض الجنسية عربيا، وكشريكة مؤسسة في عديد من المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجال الاستشارة والتوجيه الأسري، كمؤسسة المناهج الجنسية بالمنظمة الكويتية، وعضو لجنة الحكماء بالأكاديمية الأميركية للطب الجنسي، ومكتشفة علاجات لأمراض التشنّج المهبلي والشذوذ الجنسي ومشاكل الانتصاب وسرعة القذف عند الذكور.

الثقافة الجنسية تظل نقطة أساسية في إثارة جدل مستمر، مع ثبات موقف المعارضين لها الذين يستندون إلى ارتباط شائعة انتشار تدريسها بظهور مرض "الإيدز" خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي، كوسيلة لتفادي الحمل غير المرغوب والأمراض القاتلة المعدية، مستنتجين أنه لا مبرر لتدريسها في الدول العربية التي تنظم الجنس في إطار الزواج فقط

أحاطت قطب نفسها بهالات من الضوء لتتمكّن من معالجة أكبر قدر من المشكلات الحياتية، ليبدو الجنس السبب الرئيسي فيها. فمواجهة التحرّش بالأطفال لن تجدي نفعا إلا بتدريس التربية الجنسية لمن يتجاوزون الرابعة، بتعريفهم على أعضائهم التناسلية وكيفية صونها بمجرد خروجهم من المنزل للمدرسة. وحالات الطلاق المتزايدة لا تخرج أسبابها عن ضعف جنسي أنتجته عادات خاطئة، إضافة إلى غياب القدرة على ضبط الشهوة والوزن الزائد، أما غياب الابتسامة فسببه، كما تقول قطب، عدم الرضا في غرف النوم.

ابنة قارئ الوجوه

التجربة الغربية التي وقفت ضد تدريس الجنس قبل مئة عام بضغط من المؤسسات الدينية الرسمية قبل أن تتغيّر الأمور بعد موجات من الانفلات الجنسي، تسببت في تفشّي أمراض قاتلة مثل الزهري وغيره. ليأتي العام 1940 عام دخول منهج الثقافة الجنسية بشكل حكومي إلي بعض الولايات المتحدة الأميركية، وصولا إلى إقرار بريطانيا التربية الجنسية بشكل إجباري بالمدارس من عمر أربع سنوات. وعلى ذلك كله تراهن قطب مؤكدة نجاح مشروعها.

تظل الثقافة الجنسية نقطة أساسية في إثارة الجدل المستمر مع ثبات موقف المعارضين لها الذين يستندون إلى ارتباط شائعة انتشار تدريسها بظهور مرض الإيدز، خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي كوسيلة لتفادي الحمل غير المرغوب والأمراض القاتلة المعدية، مستنتجين أنه لا مبرر لتدريسها في الدول العربية التي تنظم الجنس في إطار الزواج فقط.

الثقافة الجنسية تظل نقطة أساسية في إثارة الجدل المستمر
الثقافة الجنسية تظل نقطة أساسية في إثارة الجدل المستمر

ربما يكون الاستدلال بالتجربة الغربية في غير محلّه مع العرب الذين يتبنّى مثقفوهم موقفا معارضا ضد استخدام كلمة الجنس كلفظة في الأدب ويستبدلونها بالحب، رغم الفارق الكبير بينهما من معنى ملموس مرتبط بالجسد وغريزة البقاء وإحساس مختلف مرتبط بالروح والشعور. ويهاجمون حتى الآن من يفرط في استغلال الأعضاء التناسلية بمعانيها الشعبية، مثل الأديب الشاب أحمد ناجي الذي واجه أحكاما قضائية بالحبس بسبب روايته “استخدام الحياة”، قبل أن يتم تخفيفها للغرامة المالية دون تعاطف من معظم أبناء مهنته.

تستمد قطب جانبا من قوتها من جرأة والدها الرسام القدير جمال قطب، الوحيد الذي رسم لوحة معروضة بقصر باكنغهام للملكة إليزابيث، وانفرد برسم أغلفة جريئة لكبار الكتّاب المصريين. فقد وفّر الأب بيئة لأبنائه الثلاثة فلم يعترض على تخصّص ابنته الصغيرة في الجنس، رغم سخريته منها أحيانا. اعتبر الأب أن تحقيق ابنته للنجاح المحكّ الرئيسي في المجال الذي اختارته، لكنه فتح أمامها بشكل غير مباشر آفاقا واسعة من العلاقات الاجتماعية.

تبدو شخصيتها متناقضة للبعض، تخوض في أمور شديدة الجرأة وتلتزم بالزيّ الإسلامي التقليدي، مستندة إلى أن الإسلام يتضمّن إعجازا علميا في مجال الجنس، وترفض التحوّل من ذكر لأنثى والعكس باعتباره تغييرا لخلق الله، لكنها تؤيّد حرية كل شخص في التحوّل.

واليوم تدرّس قطب الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية للطلاب، لكنّ حياتها تبقى مركزة على نشر الثقافة الجنسية، والدفاع عن ممارسة العادة السرية للشباب، مع أنها ترفضها للإناث.

تعود تلك الازدواجية لنشأتها في بيئة تجمع بين ديمقراطية الفنان الذي لم يتدخّل في حياة أبنائه، وحزم الأم الثريّة صاحبة الأراضي الشاسعة التي وضعت قواعد شديدة الصرامة عن السهر بالخارج والصداقات بين الجنسين، وجمعها أيضا بين دراسة مضامين شديدة الجرأة في الخارج، والتطوّع للعمل في خدمات إخبارية إسلامية بمجال الاستشارات الزوجية بعد عودتها مثل الهاتف الإسلامي.

جهود بحثية شخصية

غياب الإحصائيات الرسمية عن الأمراض الجنسية أمر تعوّضه قطب بإصدارها أرقاما من واقع تجربتها الشخصية تدافع بها عن آرائها. وتقول إن 85 بالمئة من حالات شذوذ الذكور في الكبر سببها الاعتداءات التي حصلت في سنّ صغيرة. وإن 10 بالمئة فقط ترجع للانجذاب إلى شخصية الأم وقسوة الأب في التربية. والباقي لأسباب متنوعة تستطيع تقويمها عبر علاج اكتشفته بشرط توافر الرغبة لدى المرضى في العودة للحياة السليمة.

اتسم الحضور الإعلامي لقطب بموجات من الظهور والاختفاء دفعت البعض للحديث عن توظيفها في إثارة قضايا رأي عام هامشية، أو رغبة مقدّمي البرامج في جذب الإعلانات بحلقات ساخنة تستقطب الجمهور وتلهب المشاهدين، لكنها تبرّر اختفاءها برغبتها أحيانا في إنهاء مشروعات علمية أو منح نفسها فترات للقراءة للاضطلاع على كل ما هو جديد في مجالها.

وهي تنغمس أحيانا في دعوات لا يستطيع المؤيدون لها تقبّلها لمسّها الشرف، وهو البضاعة التي لا تتنازل عنها المجتمعات الريفية، كمطالبتها للمقبلين على الزواج بعد عقد قرانهما أمام المأذون أن يشرعا في الحديث عن العلاقات الجنسية، وما يريده كل منهما من الآخر بغرف النوم، ومشاهدة أفلام علمية كرتونية عن الجنس قبل ليلة الزفاف، وهي أمور توصم الفتاة وتظهرها أمام عائلتها أو عائلة زوجها، بشكل غير لائق.

وتتحدث قطب عن نجاحها في نشر الوعي الجنسي وتتخذه من منطق شخصيّ بالاستناد لنشاط مركزها العلاجي الذي جذب رجالا تخلّوا عن موروثات قديمة، وباتوا لا يخجلون من الإفصاح عن مشكلات تتعلّق بضعف الانتصاب وسرعة القذف، أو نساء اكتسبن جرأة في كشف مشكلات كانت من المحظورات عن الشهوة وكيفية تحريك غرائز الرجل.

السعادة ببساطة

هبة قطب تستمد جانبا من قوتها من جرأة والدها الرسام القدير جمال قطب
هبة قطب تستمد جانبا من قوتها من جرأة والدها الرسام القدير جمال قطب

 على الرغم من كونها تردّد دوما أنها لم تقصد من وراء نشر الثقافة الجنسية الشهرة أو المال، بل لتحقيق السعادة الزوجية للملايين من المواطنين بمضامين علمية تثقيفية، إلا أن ذلك لا يقنع الكثير من زائري مركزها العلاجي الفخم الذي يحمل عنوان “السعادة ببساطة”، فالخدمات الاستشارية التي تقدّمها قبل الزواج وبعده وخلال الحمل بهدف تحسين العلاقة الحميمة، تكبّد المريض 1450 جنيهًا للجلسة التي لا تتجاوز 20 دقيقة، أي ما يعادل 5 دولارات للدقيقة الواحدة.

وتكاد تكون قضية نشر الثقافة الجنسية محلّ رفض من الكثيرين داخل المجتمعات المغلقة، في جنوب مصر، حيث تسبّب الجهل في قتل فتيات لديهن أنواع من غشاء البكارة تتطلب تدخّلا جراحيا، وحينما يفشل العريس في فضّه، حتى لو كان مصابا بالضعف، تُلقى المسؤولية على الفتاة وحدها، ويصبح السلاح الناري جاهزا للتدخّل الجراحي لغسل الشرف دون تحقيق أو تدقيق.

تقديم تلك الثقافة عبر الإعلام تعتبره قطب رسالة تنويرية، فهي تعتمد على العلم لكشف غشاوة حجبت الرؤية عن المجتمع، وجعلت الأمور تتحرك للأمام بالحديث عن أشياء كانت من المحرّمات قبل 20 عاما وإقلاع البعض عن أمور ضارّة، مثل الإفراط الشديد في العادة السرية وتوضيح أضرارها، لكن التناقضات المجتمعية تكشف العكس في ارتفاع أكبر لمشاهدة المضامين الإباحية عربيّا، كما حين حقق مقطع فاضح قصير لمخرج مصري مع ممثلتين شابتين الملايين من المشاهدات مؤخرا. وتقديم الثقافة الجنسية لم يمنع استمرار الحالات التي ترد لمستشفيات حكومية لفتيات يعانين عيوبا في الرحم تحتاج إلى تدخّل جراحي وترفض أسرهن إجراءها تحاشيا لفض غشاء البكارة، رغم تعهد الأطباء بمنحهن شهادات موثقة رافعين شعار “تموت بشرفها أفضل”.

للكبار فقط

صحيح أن هبة قطب تشترط التنويه على أن برامجها التلفزيونية هي “للكبار فقط”، لكن ذلك المصطلح قد يكون محرّكا لمشاهدات المراهقين بهدف طرق عالم الكبار والتعرّف عليه، وحال عجزهم في الحصول عن إجابات في محيط الأسرة، يبحثون عن بدائل عبر شبكة الإنترنت بالأفلام الإباحية أو المعلومات المغلوطة، وقد يقعون ضحية لصديق منحرف.

ويبقى المحكّ في تقديم الثقافة الجنسية طبيعة ما تتضمّنه من معلومات تقوّم الشهوة عند المراهقين ولا تقمعها وتصون العادات والتقاليد الإيجابية ولا تهدمها، ولا تجور على حق الزوجين في حياة سعيدة، دون أن تدفع الصغار للتفكير في ما يفعلانه بمجرد وصد باب غرفة نومهما، وهو ما لم تقدّمه قطب على مدار عقد من الزمن، وقصرت نشاطها الإعلامي على مشكلات البالغين فقط، وجعلت الاستشارات لغيرهم مدفوعة الأجر ضمن أنشطة مركزها، الذي يخصص دورات للمراهقين عن الجنس وتطوّره وأسباب الانجذاب وخطورة مشاهدة الإباحيات.

وقد جعلها استخدامها مستوى من اللغة المناورة تهرب من فخ الدعاوى القضائية التي لا تتوقف ضدها، وآخرها دعوى اعتبرت ما تقدّمه “قمامة فكرية” ومتاجرة بأسرار غرف النوم المغلقة، وقبلها دعوى برّأتها منها المحكمة الإدارية العليا تتهمها بخدش الحياء العام، ولم تتعرّض إلا لعقوبة اللوم من جامعة القاهرة لخروجها عن التقاليد الجامعية.

هبة قطب تخوض في أمور شديدة الجرأة ومع ذلك تلتزم بالزيّ الإسلامي التقليدي، مستندةً إلى أن الإسلام يتضمن إعجازا علميا في مجال الجنس
هبة قطب تخوض في أمور شديدة الجرأة ومع ذلك تلتزم بالزيّ الإسلامي التقليدي، مستندةً إلى أن الإسلام يتضمن إعجازا علميا في مجال الجنس

قطب التي تسكن في منزل فاخر بأحد أرقى أحياء القاهرة وتقضي صباحها بين تهذيب الزهور وعزف البيانو، وضعها الجنس، بيت الداء والاستشفاء من كل مشكلات المجتمع، أمام نماذج لمرضى تجاوزوا الأربعين يشغلون وظائف محترمة وعلى درجة عالية من التعليم، يعانون التعاسة لجهلهم بأبسط قواعد ممارسته، لكن طبيعة مشكلات جمهورها من الصفوة لا يمكن تعميمها على الملايين الذين تمثّل السعادة الجنسية أمرا هامشيّا عند مقارنتها بمشكلات مثل البطالة والعشوائيات.

تبدو قطب منفصلة عن الواقع، فالمعلمون في مصر لا يزالون يفصلون بين الجنسين قبل الحديث عن الأعضاء التناسلية المقرّرة ضمن مواد العلوم أو المناهج الشرعية، ويطالبون الطلاب بحفظها كما هي تحاشيا لاتهامات أسرية بـ”فتح أعين” أبنائهم على جوانب غير أخلاقية. ولا تزال الكتب التثقيفية ومواد العناية الشخصية بالمرأة ومستلزمات تنظيم الحمل تباع في أكياس سوداء لحجبها عن الرؤية، ويصل الأمر لمنع بعض المجتمعات قيام المرأة بشراء أنواع من الخضروات والفواكه لتشابه أشكالها مع الأعضاء التناسلية للرجل.

ولذلك كله تعتقد هبة قطب أن عشر سنوات ليست كافية لنشر الثقافة الجنسية التي سوف تجد طريقها إلى مناهج التعليم يوما ما، مع تفتّح أفق المجتمع وتغير مفاهيم العيب. وهي لا تعتبر هويتها الجنسية كامرأة سببا في عدم تقبل الكثيرين لمضمون ما تقدّمه فالأمر لا يتعلّق بالنوع، ولكن بالشخصية وطبيعة التعامل مع المضمون الذي تقدّمه رافعة شعار “السعادة ليست حظا لكنها قرار ومجهود، والتفاهم تنازلات من الطرفين. والنصيب ليس أعمى لكنّه اختيار”.

12